باب واحد… و41 عامًا من الأسئلة
كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحًا يوم الجمعة 11 تشرين الأول 1985، عندما وصل أليكس عودة إلى مقر اللجنة الأميركية العربية لمناهضة التمييز (ADC) في مدينة سانتا آنا بولاية كاليفورنيا.
فتح باب المكتب، فانفجرت عبوة ناسفة موصولة بآلية تفجير عند فتح الباب.
أصيب عودة إصابات قاتلة، وأدى الانفجار إلى إصابة أشخاص آخرين وإلحاق أضرار كبيرة بالمبنى.
لم يكن عودة شخصية عسكرية أو مسؤولًا حكوميًا. كان ناشطًا مدنيًا ومدرّسًا وشاعرًا، وشغل منصب المدير الإقليمي للجنة في غرب الولايات المتحدة.
وُلد في فلسطين، ثم أصبح مواطنًا أميركيًا، وعمل في الدفاع عن حقوق الأميركيين من أصول عربية ومواجهة الصور النمطية والتمييز ضدهم.
وعندما قُتل في الحادية والأربعين من عمره، ترك زوجته نورما وثلاث بنات صغيرات.
تقول وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي إن الجريمة استهدفته على نحو متعمّد، وإن المحققين نظروا في احتمال ارتباطها بنشاطه وآرائه التي عبّر عنها علنًا.
لكن رغم مرور العقود، لم يُوجَّه اتهام جنائي إلى أي شخص في قضية اغتياله، بحسب آخر بيان رسمي مفصّل راجعناه، الصادر في تشرين الأول 2025.
هكذا تحوّلت الجريمة من خبر عن انفجار وقع في أحد مكاتب كاليفورنيا إلى قضية مفتوحة تتوارثها عائلة كاملة.

من كاليفورنيا إلى الجونة… السينما تعيد فتح الملف
في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، المقامة بين 15 و23 تشرين الأول 2026، عاد اسم أليكس عودة إلى الشاشة العربية.
فقد شارك الفيلم الوثائقي الأميركي «Who Killed Alex Odeh?» ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، وعُرض يومَي 21 و22 تشرين الأول.
العمل من إخراج جيسون أوسدر وويليام لافي يومانس، وتبلغ مدته نحو 83 دقيقة وفق بيانات المهرجان.
وكان قد عُرض مطلع العام في مهرجان صندانس السينمائي، حيث نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة للتميّز الصحافي ضمن الأفلام الوثائقية الأميركية.
ولا يقدّم الفيلم، وفق وصفه الرسمي وتصريحات صانعيه، مجرد استعادة أرشيفية لجريمة قديمة.
إنه محاولة لإعادة فحص القضية عبر الوثائق والشهادات والتقارير الصحافية والمقابلات، مع العودة إلى أفراد عائلة عودة الذين عاشوا نتائج الجريمة طوال هذه السنوات.
ويتابع الفيلم الصحافي ديفيد شين، الذي بحث في صلات محتملة بين الجريمة وأوساط متطرفة.
وهنا يبرز الدور الذي يمكن أن تلعبه السينما الوثائقية عندما تتجاوز تسجيل الأحداث إلى مساءلة الروايات السائدة، والبحث عن وثائق مهملة وشهادات لم تحظَ بالاهتمام الكافي.
لكن الفيلم، مهما بلغت أهمية تحقيقه، لا يحل محل المحكمة ولا يملك وحده صلاحية تحديد المسؤولية الجنائية.
السينما تحقق… والقضاء لم يحسم
تُعدّ النقطة الأكثر حساسية في قضية أليكس عودة هي الفجوة بين الفرضيات التي ظهرت على مدار التحقيقات وبين النتائج القضائية الفعلية.
فقد ناقشت تقارير صحافية سابقة، وكذلك الفيلم الجديد، شبهات تتعلق بأشخاص ارتبطوا بأوساط من اليمين اليهودي المتطرف، وخصوصًا «رابطة الدفاع اليهودية» (JDL).
ويعود الفيلم إلى تلك الشبهات عبر شهادات ومواد أرشيفية واتصالات أجراها فريق التحقيق.
لكنّ وجود أسماء ضمن تحقيق صحافي أو فيلم وثائقي لا يجعل أصحابها مدانين.
ففي بيان رسمي أصدره مكتب التحقيقات الفيدرالي في 10 تشرين الأول 2025، بمناسبة مرور أربعين عامًا على الجريمة، أكد المكتب أن التحقيق لا يزال مفتوحًا، وأنه لم يُعلن أسماء أشخاص باعتبارهم موضع اهتمام رسمي في القضية، ولم تُوجَّه اتهامات إلى أي شخص.
كما أعلن استمرار عرض مكافأة تصل إلى مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال المسؤولين عن الجريمة وإدانتهم.
هذه الوقائع تجعل التمييز بين التحقيق الصحافي والتحقيق الجنائي ضروريًا.
فقد ينجح الصحافي في العثور على شاهد جديد، أو استخراج وثيقة قديمة، أو كشف تناقض في رواية سبق نشرها.
لكن تحويل هذه العناصر إلى أدلة قابلة للاعتماد أمام القضاء يحتاج إلى إجراءات ومعايير قانونية مستقلة.
وهنا تبرز أهمية الفيلم لا بوصفه حكمًا نهائيًا، بل بوصفه عملًا يعيد قضية معلّقة إلى النقاش العام.
عائلة انتظرت أكثر مما ينبغي

خلف الأسئلة القانونية والسياسية، توجد مأساة إنسانية يصعب اختزالها في وثائق التحقيق.
فأليكس عودة لم يكن اسمًا في ملف أمني فحسب. كان زوجًا وأبًا، وله حياة عائلية قُطعت فجأة.
يعطي الفيلم مساحة لزوجته نورما وابنته هيلينا، اللتين تتحدثان عن أثر الغياب الطويل وعن الرغبة المستمرة في معرفة حقيقة ما حدث.
وخلال مقابلة نشرها موقع «Senses of Cinema» مع المخرجين في عام 2026، ظهر أن الوصول إلى العائلة وبناء الثقة معها شكّلا جزءًا مهمًا من مسار إعداد الفيلم.
فالقضية بالنسبة إلى العائلة لم تتوقف عند لحظة التفجير.
لقد امتدت إلى سنوات من انتظار التحقيق، ومتابعة الأخبار، والاستماع إلى وعود بإمكانية الوصول إلى الحقيقة.
ولا تعني هذه التجربة أن التحقيقات الرسمية توقفت طوال تلك المدة، فالمكتب الفيدرالي يؤكد استمراره في متابعة الخيوط والمعلومات الجديدة.
لكن استمرار التحقيق لا يساوي بالضرورة تحقيق العدالة بالنسبة إلى عائلة تنتظر نتيجة قضائية.
وهنا يطرح الفيلم أحد أكثر أسئلته الإنسانية إلحاحًا: ماذا يعني أن يكبر الأطفال، ويتقدم أفراد العائلة في العمر، بينما تبقى جريمة قتل الأب من دون حسم؟
لماذا استغرق إنتاج الفيلم سنوات؟
لم يولد مشروع «مَن قتل أليكس عودة؟» من اهتمام عابر بجريمة قديمة.
فالمخرج ويليام لافي يومانس ينحدر من خلفية فلسطينية أميركية، وقد تحدث عن معرفته بقصة عودة منذ طفولته، عندما كانت القضية حاضرة في نقاشات الجالية العربية الأميركية.
وبحسب المقابلة المنشورة في «Senses of Cinema»، بدأت فكرة إنتاج عمل وثائقي عن القضية تتبلور لديه عام 2012.
ثم اتخذ المشروع طابعًا استقصائيًا أعمق بعد التواصل مع الصحافي ديفيد شين في عام 2019، وما تلا ذلك من بحث في الوثائق وإجراء المقابلات.
وتعاون يومانس مع جيسون أوسدر، وهو مخرج وثائقي أميركي من خلفية يهودية، في مشروع جمع خبرات بحثية وثقافية مختلفة.
وتُظهر شهادات المخرجين أن إعداد الفيلم لم يكن مجرد جمع تسجيلات تاريخية.
فقد واجها صعوبة في العثور على مواد أرشيفية كافية تُظهر حياة عودة وشخصيته، مقابل وفرة المواد المتعلقة ببعض الشخصيات السياسية المتطرفة التي يتناولها التحقيق.
هذه المفارقة تكشف مشكلة جوهرية في كتابة التاريخ البصري.
فالأشخاص الأكثر ظهورًا في الإعلام يتركون غالبًا آثارًا أرشيفية أكبر، حتى عندما تكون شهرتهم مرتبطة بخطاب متطرف أو تحريضي.
أما الناشطون الذين يعملون بعيدًا عن الكاميرات، فقد لا يبقى من حياتهم سوى صور عائلية ووثائق متناثرة.
ومن هنا اكتسب البحث عن أرشيف الجالية العربية الأميركية أهمية خاصة في صناعة الفيلم.
فالغاية لم تكن إعادة بناء الجريمة وحدها، بل استعادة صورة الشخص الذي قُتل.

حين تصبح الكاميرا أداة مساءلة
شهدت السينما الوثائقية عبر تاريخها تجارب استخدمت الصورة والصوت والمقابلات لإعادة فحص قضايا لم تُحسم أو لم تحظَ بتغطية كافية.
لكن الفيلم الاستقصائي يواجه تحديات مختلفة عن العمل الروائي.
فالمخرج لا يستطيع الاكتفاء ببناء حبكة مشوقة، بل يحتاج إلى التمييز بين الوثيقة والشهادة والاتهام والاستنتاج.
وقد يجد نفسه أمام شهود يحملون دوافع متباينة، أو ذاكرة تغيرت مع مرور الزمن، أو مؤسسات ترفض إتاحة بعض معلوماتها.
وفي حالة «مَن قتل أليكس عودة؟»، تبرز هذه التحديات بوضوح.
فالمخرجون يناقشون شهادات أشخاص كانت لهم صلات بأوساط سياسية متطرفة، ويتناولون روايات تحتاج إلى تدقيق، ويحاولون فهم أسباب عدم الوصول إلى اتهام قضائي طوال هذه المدة.
وفي المقابل، يوضح مكتب التحقيقات الفيدرالي أن القضية بقيت قيد المتابعة، وأنه لم يتوقف عن البحث عن معلومات تؤدي إلى حلها.
لا يملك الفيلم صلاحية الحكم على مدى كفاية عمل المؤسسة الأمنية، لكنه يستطيع مساءلة نتائج ذلك العمل وتقديم شهادات ووثائق جديدة إلى الجمهور.
وهذه هي المنطقة التي تلتقي فيها السينما بالصحافة الاستقصائية.
فالعمل الوثائقي لا يكتفي بأن يسأل ماذا حدث، بل يحاول معرفة كيف جرى توثيقه، ومن الذي روى القصة، وما المعلومات التي بقيت خارج التداول.
فلسطين على الشاشة… حكايات تتجاوز الحرب
تكتسب مشاركة «مَن قتل أليكس عودة؟» في مهرجان الجونة أهمية إضافية لأنها تأتي ضمن حضور لافت للقضايا الفلسطينية في برنامج الدورة التاسعة.
فإلى جانبه، يشارك الفيلم الوثائقي «المواطن أسامة» للمخرج الفلسطيني أحمد حسونة، الذي يتابع تجربة المصور الصحافي أسامة العشي خلال الحرب في غزة، ومحاولاته التوفيق بين توثيق الأحداث وحماية أسرته.
كما يقدّم فيلم «طبيب أميركي» تجربة ثلاثة أطباء يعملون في ظروف الحرب، ويتناول مسؤوليتهم في نقل ما شاهدوه بعد عودتهم.
هذه الأفلام تختلف في موضوعاتها وأساليبها.
أحدها يتابع صحافيًا يحاول الاستمرار في حياته اليومية، وثانٍ يوثّق تجربة أطباء في الميدان، وثالث يعود إلى جريمة اغتيال وقعت قبل أكثر من أربعة عقود.
لكنها تلتقي عند سؤال العلاقة بين الصورة والشهادة والذاكرة.
فهل تقتصر وظيفة السينما على نقل ما يحدث، أم يمكنها أيضًا إعادة طرح قضايا قديمة لم تجد طريقها إلى العدالة؟
وتكشف هذه التجارب أن السينما الفلسطينية والمتصلة بالتجربة الفلسطينية ليست محصورة في تصوير لحظة الحرب.
إنها تتناول أيضًا الهوية والمنفى والتمييز والحقوق المدنية والحياة العائلية وآثار العنف على الأجيال.
وهذا الاتساع ضروري لفهم التجربة الفلسطينية بوصفها تجربة إنسانية وتاريخية متعددة الأبعاد، لا مجرد سلسلة من الأخبار والصور المؤلمة.

هل تستطيع جائزة سينمائية أن تغيّر مسار قضية؟
يشكّل حصول فيلم «مَن قتل أليكس عودة؟» على جائزة للتميّز الصحافي في «صندانس» اعترافًا بقيمة العمل الوثائقي الذي أنجزه صانعوه.
لكن الاعتراف الفني لا يثبت تلقائيًا صحة جميع الاستنتاجات الواردة في الفيلم.
كما أن مشاركة الفيلم في مهرجانات دولية لا تعني بالضرورة أن السلطات ستعيد النظر في نتائج التحقيقات على أساس ما ورد فيه.
فالجوائز تقيم العمل السينمائي وفق معايير فنية وصحافية، بينما تعمل المؤسسات القضائية وفق قواعد الإثبات والإجراءات القانونية.
ومع ذلك، يستطيع الانتشار السينمائي تحقيق نتائج أخرى.
فهو يعيد القضية إلى ذاكرة الجمهور، ويوسّع دائرة الأشخاص الذين يعرفون تفاصيلها، ويمنح العائلة فرصة جديدة لسرد تجربتها.
وقد يساعد أيضًا في الوصول إلى أشخاص يحتفظون بمعلومات ذات صلة، من دون أن يكون ذلك نتيجة مضمونة.
وهنا يصبح الفيلم جزءًا من عملية أوسع لحفظ الذاكرة والمطالبة بالمساءلة.
41 عامًا… والسؤال لم يتغير
عندما فتح أليكس عودة باب مكتبه في 11 تشرين الأول 1985، لم يكن يعرف أن تلك اللحظة ستصبح بداية ملف يمتد عبر أجيال.
واليوم، بعد 41 عامًا، يصل فيلم يحمل اسمه إلى شاشة عربية، حائزًا اعترافًا دوليًا بعمله الوثائقي والصحافي.
لكن القضية الأساسية لم تتغير.
لا تزال الأسئلة المتعلقة بمن نفّذ التفجير، ومن خطط له، ولماذا لم تصل القضية إلى اتهامات جنائية، بحاجة إلى إجابات تدعمها أدلة يمكن اختبارها قانونيًا.
ولا يستطيع فيلم، مهما بلغت قوته، أن يمنح العائلة حكمًا قضائيًا أو يعيد إليها من فقدته.
لكنه يستطيع أن يقاوم نوعًا آخر من الخسارة: اختفاء القصة من الذاكرة العامة.
فحين تعجز السنوات الطويلة عن إغلاق ملف جريمة، قد تصبح السينما إحدى الوسائل التي تمنع إغلاقه في ذاكرة الناس.
وبعد 41 عامًا، لا تبدو أهمية فيلم «مَن قتل أليكس عودة؟» في أنه يملك كل الأجوبة، بل في أنه يرفض أن يصبح غياب الأجوبة أمرًا عاديًا.


