من القيروان تبدأ الحكاية
في 23 تشرين الأول 2026، انطلقت الدورة الرابعة من المهرجان الوطني للمسرح التونسي «مواسم الإبداع»، بتنظيم من المسرح الوطني التونسي، على أن تتواصل حتى السابع من تشرين الثاني.
اللافت هذه السنة أن التظاهرة لا تبدأ في العاصمة.
فالقيروان تحتضن المرحلة الأولى من المهرجان، بين 23 و26 تشرين الأول، من خلال الدورة التأسيسية لملتقى مسرح الوسط.
ويتوزع البرنامج بين عروض مسرحية وورشات تدريبية وندوات فكرية وأنشطة في الفضاءات العامة، قبل انتقال المهرجان إلى تونس العاصمة، حيث تُقام عروض المسابقة الرسمية.
ولا يبدو اختيار القيروان مجرد تفصيل جغرافي.
فالمسرح الذي يعيش غالبًا داخل القاعات المجهزة يحتاج أيضًا إلى الخروج من محيطه المعتاد، والوصول إلى جمهور لا تتوافر له بالضرورة فرص مشاهدة العروض بصورة مستمرة.
لكنّ الانتقال المؤقت إلى المناطق يختلف عن بناء حياة ثقافية مستقرة فيها.
وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع المهرجانات تحويل المدن خارج العاصمة إلى مراكز للإنتاج المسرحي، أم تكتفي بزيارتها لبضعة أيام؟
أربع عشرة مسرحية… ومساحة لاكتشاف أصوات جديدة
تضم المسابقة الرسمية أربعة عشر عملًا من أحدث الإنتاجات التونسية، تتنافس على جوائز تشمل الإخراج والنص المسرحي والسينوغرافيا والأداء التمثيلي.
ومن الأعمال المشاركة «صباط» لمنير العرقي، و«حواس» لزهير العروم، و«هاملت كوميديا الموت» لخبيب العياري، و«هوما» لسيرين قنون، و«بروفة» لوليد الدغسني، و«3 نهج فلسطين» لمروان الميساوي.
ويُفتتح برنامج العاصمة في 30 تشرين الأول بمسرحية «المجنون» لتوفيق الجبالي، فيما يُختتم المهرجان في السابع من تشرين الثاني بالعرض الأول لمسرحية «تشايكا» لمعز المرابط، المستندة إلى نص «النورس» لأنطون تشيخوف.
وتبلغ قيمة الجائزة الكبرى للإبداع المسرحي التونسي 30 ألف دينار تونسي، فيما تبلغ قيمة كل جائزة من الجوائز الفردية الخمس 10 آلاف دينار.
قد تبدو هذه الأرقام مؤشرًا إيجابيًا على أهمية دعم المسرح.
لكنّ الجوائز، مهما بلغت قيمتها، لا تستطيع وحدها ضمان استمرارية المؤسسات والفرق المسرحية.
فالعمل المسرحي يحتاج إلى تمويل قبل أن يصل إلى الخشبة، وإلى قاعات للتدريب، ومعدات تقنية، وفرق إنتاج، وإمكانية تقديم عروض متكررة أمام الجمهور.
ومن دون ذلك، قد تتحول الجائزة إلى مكافأة لعمل أنجز بالفعل، بدل أن تكون جزءًا من منظومة مستدامة تساعد على إنتاج الأعمال المقبلة.
الممثل ليس وحده على الخشبة
تطرح المسابقة الحالية جانبًا آخر من هوية المسرح بوصفه فنًا جماعيًا.
فالجمهور يرى الممثل أمامه، لكن نجاح العرض لا يعتمد على الأداء التمثيلي وحده.
هناك الكاتب والمخرج ومصمم الإضاءة والسينوغرافيا وفريق الصوت والإدارة التقنية ومساعدو الإنتاج.
وكل هؤلاء يشاركون في صناعة التجربة المسرحية.
لهذا تبدو أهمية تخصيص جوائز للنص والإخراج والسينوغرافيا واضحة، لأنها تعترف بمساهمات فنية لا تحظى دائمًا بالاهتمام الإعلامي الذي يحصل عليه الممثلون.
لكن الاعتراف الرمزي لا يكفي إذا لم ترافقه فرص مهنية تسمح لأصحاب هذه الاختصاصات بالعمل بصورة منتظمة.
فالسينوغرافي الذي يحصل على جائزة يحتاج أيضًا إلى مشاريع جديدة، والمخرج الشاب يحتاج إلى فضاء يستطيع فيه اختبار أفكاره، والكاتب المسرحي يحتاج إلى مؤسسات تقرأ نصوصه وتتيح تحويلها إلى عروض.
ومن هنا يصبح تقييم المهرجان مرتبطًا بما يحدث قبل المسابقة وبعدها، لا بلحظة إعلان الفائزين وحدها.
«الجهات على الركح»… عندما يذهب المسرح إلى الجمهور
يحمل برنامج 24 تشرين الأول عنوان «الجهات على الركح»، ويتضمن أنشطة تتوزع على عدد من معتمديات ولاية القيروان.
تشمل المناطق المعلنة حاجب العيون ومنزل المهيري ونصر الله والسبيخة وحفوز وجهينة والعلا والوسلاتية.
ويضم البرنامج عروضًا مسرحية وفنون شارع ودمى عملاقة وورشات في التعبير الجسدي والارتجال وصناعة الأقنعة والعرائس، إلى جانب أنشطة مخصصة للأطفال.
هذا التنوع يمنح المهرجان بعدًا يتجاوز المسابقة الرسمية.
فحين يخرج المسرح إلى الساحات والأحياء، يصبح اللقاء بين الفنان والجمهور أكثر مباشرة، ويتيح لفئات مختلفة اكتشاف أشكال فنية قد لا تكون مألوفة لديها.
لكنّ هذه التجربة تطرح سؤالًا عن الاستمرارية.
هل تستطيع المجموعات المسرحية العودة إلى المناطق نفسها بعد انتهاء المهرجان؟ وهل تمتلك المؤسسات المحلية تجهيزات وموارد تسمح باستضافة عروض على مدار السنة؟
لا تجيب البرمجة المعلنة وحدها عن هذه الأسئلة.
لكنها تفتح المجال لتقييم مدى قدرة المؤسسات الثقافية على الانتقال من تنظيم المناسبات إلى توسيع البنية التحتية للفن.
الفضاءات الخاصة… القضية التي تستحق النقاش
من أبرز محاور المهرجان فقرة «أغورا المواسم»، المخصصة لمناقشة واقع الفضاءات المسرحية الخاصة في تونس.
ووفق البرنامج الرسمي، يسعى اللقاء إلى تشخيص التحديات التي تواجه هذه الفضاءات، والبحث عن سبل دعم استمراريتها وتعزيز دورها في الإنتاج والعرض المسرحي.
هذه القضية ليست تفصيلًا إداريًا.
فالمسرح الخاص قد يتيح مساحة للتجريب تختلف عن المؤسسات الحكومية، ويمكن أن يقدّم فرصًا أمام فرق مستقلة ومواهب شابة.
لكن استمرار هذه الفضاءات يرتبط بعوامل متعددة، بينها تكاليف التشغيل والصيانة والأجور والإقبال الجماهيري وإمكان الحصول على التمويل.
ولا تتوافر في المعلومات المنشورة عن المهرجان بيانات مالية شاملة تسمح بتحديد حجم الصعوبات التي تواجهها جميع المسارح الخاصة في تونس.
لذلك، لا يمكن الجزم بأنها تعيش أزمة واحدة متطابقة.
لكنّ تخصيص فقرة مؤسساتية كاملة لمناقشة مستقبلها يكشف اعترافًا بأهمية هذا الملف والحاجة إلى اقتراح حلول له.
والاختبار الفعلي سيكون في مدى تحول التوصيات إلى آليات واضحة، مثل فرص الدعم والإنتاج المشترك وتوسيع شبكات العروض والتدريب.
تكريم الروّاد… وماذا عن الذين سيأتون بعدهم؟
تكرّم الدورة الحالية المسرحيين محمد إدريس وتوفيق الجبالي، تقديرًا لإسهاماتهما في تطوير المسرح التونسي.
ويحمل هذا التكريم أهمية ثقافية تتجاوز الاحتفاء بالأسماء.
فالمسرح، بخلاف بعض الفنون الأخرى، يواجه صعوبة خاصة في الحفاظ على ذاكرته.
فاللوحة يمكن عرضها في متحف، والفيلم يمكن ترميم نسخه القديمة، لكنّ العرض المسرحي يحدث أمام جمهور محدد وفي زمن محدد، ولا تعيد التسجيلات المصوّرة إنتاج تجربته كاملة.
ولهذا، يحتاج تاريخ المسرح إلى أرشفة النصوص والصور والملصقات والتسجيلات والشهادات، إلى جانب دراسة الأساليب التي اعتمدها المخرجون والممثلون.
ويضم برنامج المهرجان معرضًا للملصقات المسرحية والصور الفوتوغرافية بعنوان «دروب»، يستعيد محطات من ذاكرة المسرح التونسي.
لكنّ تكريم الجيل السابق يصبح أكثر تأثيرًا عندما يترافق مع خلق فرص للجيل الجديد.
فالمطلوب ليس أن يبقى الرواد أسماء في معارض الذاكرة، بل أن تتحول تجاربهم إلى مادة للتعلّم والنقد والتجريب.
المسرح في عصر الشاشة… هل يستطيع الصمود؟
تخصص الدورة أيضًا ورشات في التصوير الفوتوغرافي المسرحي والفيديو والنقد، إلى جانب ندوة علمية حول التكوين المسرحي في زمن الذكاء الاصطناعي.
ويكشف هذا البرنامج إدراكًا للتحولات التي تواجه الفنون الأدائية.
فالمسرح اليوم لا يعمل في فراغ، بل يتنافس على وقت الجمهور واهتمامه مع السينما والمنصات الرقمية والمحتوى القصير.
لكنّ قيمته لا تأتي من محاولة تقليد هذه الوسائط.
فالمسرح يتميّز بالعلاقة المباشرة بين الممثل والجمهور، وبوجودهما في المكان والزمان نفسيهما.
وهذه الخصوصية لا يمكن نقلها كاملة عبر شاشة الهاتف.
ومع ذلك، يمكن للتقنيات الرقمية أن تساعد المسرح على التوثيق والوصول إلى جمهور جديد، أو تفتح أبوابًا للتجريب في السينوغرافيا والصوت والصورة.
ولا ينبغي تحويل التكنولوجيا إلى خصم مفترض للفنون الحية، مثلما لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حلًا سحريًا لجميع مشكلاتها.
فالتحدي الحقيقي يبقى في تحديد ما الذي تضيفه التقنية إلى التجربة المسرحية، بدل استخدامها لمجرد مواكبة اتجاه جديد.
هل يعود المسرح إلى الناس؟
تكمن قوة «مواسم الإبداع» في أنه يحاول الجمع بين المسابقة والتكوين والتكريم والانفتاح على المناطق.
لكنّ نجاح هذه المبادرة لا ينبغي قياسه بعدد العروض والورشات فقط.
فالسؤال الأهم هو ماذا سيبقى بعد السابع من تشرين الثاني.
هل سيخرج من المهرجان تعاون جديد بين الفرق المسرحية؟ وهل ستتاح فرص إضافية للعرض خارج العاصمة؟ وهل ستُطوّر توصيات عملية لدعم الفضاءات الخاصة؟
وهل سيتمكن الأطفال الذين شاهدوا عروض الشارع للمرة الأولى من العودة إلى المسرح مرة أخرى؟
هذه مؤشرات تحتاج إلى متابعة لاحقة، ولا يمكن الحكم عليها مسبقًا.
لكن إثارتها ضرورية حتى لا يبقى الاحتفاء بالمسرح محصورًا في أيام المهرجانات.
فالفن الذي يكتسب أهميته من لقاء الناس لا يستطيع الاستمرار بالاعتماد على المناسبات وحدها.
يحتاج إلى قاعات مفتوحة، وفنانين قادرين على العمل، وجمهور يجد في المسرح جزءًا طبيعيًا من حياته الثقافية.
ليس السؤال كم مسرحية ستُعرض في تونس هذا الخريف، بل كم مسرحًا سيظل قادرًا على استقبال الجمهور عندما تُطفأ أضواء المهرجان.
فالمسرح لا يعيش بالتصفيق وحده، بل بالفرص التي تمنح الفنان سببًا للعودة إلى الخشبة، والجمهور سببًا للجلوس أمامها.


