المسمار منصة إعلامية عربية مستقلة، تقدّم صحافة استقصائية وتحليلية ومعرفية تبحث فيما وراء الخبر، وتتناول القضايا المجتمعية والثقافية والعلمية والفنية من خلال البحث، والتحليل، والتحقق، والسرد الصحافي المعمّق.
في لبنان، لا يعني وجود شبكة مياه عامة أن المياه تصل بالضرورة إلى المنازل بصورة منتظمة.
ففي مناطق عديدة، يضطر السكان إلى تخزين المياه عند توفرها، أو شراء كميات إضافية من الصهاريج، أو الاعتماد على مصادر خاصة لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وهكذا، تتحول المياه من خدمة عامة يفترض أن توفرها المؤسسات الرسمية إلى عبء مالي متكرر على الأسر.
المشكلة ليست مرتبطة بندرة الموارد الطبيعية وحدها.
فبحسب البنك الدولي، يعاني لبنان اختلالات في إدارة الموارد المائية نتيجة التوزع الموسمي للأمطار، وضعف إمكانات التخزين، وتدهور البنية التحتية، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والمؤسساتية.
وفي 15 كانون الثاني 2025، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي على تمويل بقيمة 257.8 مليون دولار لتنفيذ المشروع الثاني لتعزيز إمدادات المياه في بيروت الكبرى.
ويهدف المشروع إلى تحسين التغذية ونوعية المياه في بيروت وجبل لبنان، في منطقة يقدّر البنك الدولي عدد سكانها بنحو 1.8 مليون نسمة.
لكن وراء الرقم الكبير تبرز مسألة تستحق التدقيق: الأموال ليست هبة مجانية، بل قرض يرتبط بفوائد ورسوم والتزامات سداد.
خزانات مياه على أسطح المباني في منطقة الأوزاعي في بيروت، في صورة توثق جانباً من البنية المنزلية لتخزين المياه.
ماذا تقول اتفاقية القرض؟
في 5 كانون الثاني 2026، صدر القانون رقم 34 الذي وافق على إبرام اتفاقية القرض بين الجمهورية اللبنانية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.
ونُشر القانون في العدد الثالث من الجريدة الرسمية بتاريخ 15 كانون الثاني 2026.
تبلغ قيمة القرض 257 مليوناً و800 ألف دولار، ويحمل الرقم 9769-LB.
وتكشف المادة الثانية من اتفاقية التمويل عن رسم ابتدائي نسبته 0.25% من القيمة الإجمالية للقرض، أي 644,500 دولار.
كما تنص على رسم التزام سنوي نسبته 0.25% يُحتسب على الرصيد غير المسحوب، إضافة إلى فائدة تُحدد وفق السعر المرجعي والهامش المتغير المنصوص عليهما في الاتفاقية.
وتحدد الاتفاقية يومَي 15 شباط و15 آب من كل عام موعدَين للمدفوعات المستحقة وفق جدول السداد.
بمعنى آخر، لا تتوقف كلفة المشروع عند المبلغ المعلن، بل تشمل الالتزامات المالية المرتبطة بالاقتراض.
أما القيمة الإجمالية التي سيتحملها لبنان عند اكتمال السداد، فلا يمكن تحديدها بدقة من قيمة القرض وحدها، من دون احتساب حركة الفوائد والرسوم والسحوبات الفعلية.
وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل ستؤدي الاستثمارات الممولة بالدين إلى تحسين ملموس في الخدمة يبرر هذه الكلفة؟
أين ستُصرف الملايين؟
تكشف اتفاقية القرض توزيعاً مالياً محدداً للمبلغ الإجمالي.
فقد خُصص نحو 149.86 مليون دولار للأشغال والتجهيزات والخدمات المرتبطة بأجزاء من المشروع ينفذها مجلس الإنماء والإعمار.
وخصصت الاتفاقية 92.3 مليون دولار لمكونات تتولى تنفيذها مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان.
كما رُصد 15 مليون دولار للمساعدة في إعادة الإسكان المرتبطة بالمشروع، إلى جانب مبلغ الرسم الابتدائي البالغ 644,500 دولار.
هذه المبالغ تمثل مخصصات ضمن اتفاقية التمويل، ولا تعني بالضرورة أن الأموال صُرفت فعلياً أو أن الأعمال المقابلة لها أُنجزت.
وتشمل الأعمال المقترحة استكمال منشآت نقل المياه إلى بيروت الكبرى، وتحسين محطة الوردانية لمعالجة المياه، وتعزيز أنظمة القياس والمراقبة والتوزيع.
ومن أبرز المكونات استكمال أعمال الأنفاق والخزانات وخطوط الربط اللازمة لإيصال المياه إلى المناطق المستهدفة.
كما يتضمن المشروع إصلاحات مؤسساتية وفنية تهدف إلى تقليل الفاقد وتحسين أداء مؤسسة المياه.
لكن وجود هذه المشاريع في الاتفاقية لا يكفي للحكم على نجاحها.
فالمعيار النهائي ليس حجم الأموال المخصصة، بل حجم الأعمال المنفذة والنتائج التي يمكن قياسها.
الوردانية… منشأة أساسية في المعادلة
أعمال داخل نفق مرتبط بمشروع نقل المياه من نهر الأولي إلى محطة الوردانية، ضمن المشروع السابق لإمدادات بيروت الكبرى.
تشكل محطة الوردانية لمعالجة المياه جزءاً أساسياً من المشروع.
فالمياه التي تُنقل من مصادرها إلى مناطق الاستهلاك تحتاج إلى معالجة ومراقبة مستمرتين لضمان ملاءمتها للاستخدام المقصود.
ولهذا تتضمن الخطة تجهيزات إضافية لمراقبة نوعية المياه، وأنظمة للإنذار المبكر، وتحسين عمليات المعالجة والتعقيم.
وفي 30 أيار 2025، أوضحت وزارة الطاقة والمياه أن القرض مخصص لاستكمال مشروع جر مياه الأولي إلى بيروت الكبرى، وليس لتمويل سد بسري.
وأشارت إلى أن مصادر المياه المعتمدة تشمل مياه نهر الأولي والمياه الواردة من منشآت توليد الكهرباء التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، على أن تجري معالجتها في الوردانية.
هذا التوضيح مهم للفصل بين المشروع الممول حالياً والمشاريع الأخرى التي شهدت جدلاً عاماً.
لكن نجاح المعالجة لا يمكن إثباته بالتصريحات وحدها.
فالمطلوب نشر نتائج الفحوص المخبرية، ومؤشرات جودة المياه، وبيانات التشغيل، للتأكد من أن الاستثمارات حققت الغرض منها.
من 24% إلى 70%… وعد يحتاج إلى اختبار
يقدم البنك الدولي مؤشراً أساسياً لقياس أثر المشروع.
فبحسب الإعلان الرسمي، يُستهدف رفع نسبة الطلب على المياه التي تغطيها الإمدادات السطحية خلال موسم الجفاف من 24% إلى متوسط يبلغ 70%.
هذه الزيادة، إذا تحققت، يمكن أن تمثل تحولاً مهماً في تأمين المياه لبيروت وجبل لبنان.
لكن المؤشر لا يعني أن كل منزل سيحصل تلقائياً على المياه طوال ساعات اليوم.
فتحسين الإمدادات عند مستوى المنشآت الرئيسية لا يضمن وحده انتظام التوزيع داخل الأحياء والمباني.
الأمر يتطلب شبكة سليمة، وقدرة على مراقبة الضغط، والحد من التسربات، وصيانة مستمرة.
كما يتطلب معرفة كمية المياه التي تصل فعلياً إلى المشتركين، مقارنة بالكميات التي تدخل الشبكة.
ومن دون بيانات دورية عن ساعات التغذية ونسب الفاقد، قد يصبح تحقيق الأهداف المعلنة صعب التقييم بالنسبة إلى المواطنين.
المياه التي تضيع قبل الوصول إلى المنازل
لا تنتهي أزمة قطاع المياه عند قدرة المنشآت على الإنتاج والمعالجة.
فجزء من المشكلة يرتبط بما يُعرف بالمياه غير المدرة للدخل، أي الفارق بين المياه التي تدخل منظومة التوزيع والكميات التي تحقق إيرادات للمرفق.
وقد ينتج هذا الفارق عن التسربات، أو أخطاء القياس، أو استهلاك غير مسجل، أو كميات غير مفوترة.
ولهذا يتضمن المشروع تطوير أنظمة القياس والفوترة، وتعزيز كشف التسربات، وتحسين إدارة البيانات التشغيلية.
غير أن تركيب العدادات وتحديث الأنظمة لا يشكلان نتيجة نهائية بحد ذاتهما.
فالنتيجة الحقيقية ينبغي أن تظهر في انخفاض الفاقد، وتحسن انتظام الخدمة، وارتفاع قدرة المؤسسة على تغطية تكاليف التشغيل والصيانة.
وهذه مؤشرات تحتاج إلى قياس مستقل ونشر دوري.
خطة مشتريات جديدة… أين وصل التنفيذ؟
تُظهر بوابة وثائق البنك الدولي نشر خطة مشتريات بتاريخ 8 تشرين الأول 2026 مرتبطة بالمشروع الثاني لتعزيز إمدادات المياه في بيروت الكبرى، المسجل تحت الرقم P504170.
وتوفر هذه الوثيقة مساراً لمتابعة الأعمال والعقود المخطط لها.
لكن نشر خطة مشتريات لا يعني أن جميع العقود قد وُقعت، أو أن قيمة القرض صُرفت بالكامل، أو أن المنشآت أصبحت جاهزة للتشغيل.
فبين إدراج المشروع وإتمامه مراحل تشمل إعداد دفاتر الشروط، وإجراءات التلزيم، وتوقيع العقود، والتنفيذ، والاستلام، واختبارات التشغيل.
ولم تتوافر ضمن الوثائق التي أمكن التحقق منها لهذا التحقيق بيانات مكتملة تسمح بتحديد إجمالي السحوبات الفعلية حتى 23 تشرين الأول 2026، أو إعداد كشف نهائي موثق بجميع العقود المنجزة.
لذلك، لا يمكن الجزم بأن المشروع تأخر عن مواعيده المعتمدة أو أن الأموال استُخدمت بصورة مخالفة، من دون مطابقة خطط التنفيذ والإنفاق بالمستندات الرسمية.
لكن غياب صورة واضحة منشورة عن حالة التنفيذ يطرح ضرورة توفير لوحة متابعة عامة تسمح للمواطنين بمعرفة ما أُنجز وما بقي قيد العمل.
مَن يتحمل الدين؟
تنظم أحكام القانون رقم 34/2026 تسجيل السحوبات والالتزامات المالية في حسابات الخزينة.
وتنص المادة الثانية عشرة على قيام مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان بإعادة المبالغ المسحوبة والعائدة إليها إلى وزارة المالية وفق الاتفاقية الفرعية.
كما توزع اتفاقية القرض أدوار التنفيذ بين مجلس الإنماء والإعمار ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان.
وهنا تنشأ مسألة مالية أساسية.
فإذا كانت المؤسسة مطالبة بإعادة المبالغ المتعلقة بها، فما قدرتها على الوفاء بهذه الالتزامات في ضوء إيراداتها وتكاليف تشغيلها؟
وهل ستحتاج إلى إجراءات إضافية لتحسين الجباية، أم إلى دعم مالي، أم إلى تعديلات في الإدارة والتشغيل؟
ولا يمكن استنتاج أن رسوم المياه سترتفع تلقائياً بسبب القرض، كما لا يمكن ضمان بقائها على حالها.
لكن من حق المشترك معرفة ما إذا كانت خطة السداد والإصلاح ستؤثر في كلفة الخدمة التي يحصل عليها.
هل تتراجع فاتورة الصهاريج؟
يشير البنك الدولي إلى أن كلفة المياه الخاصة المنقولة بالصهاريج قد تصل إلى عشرة أضعاف كلفة المياه التي توفرها الشبكة العامة.
وهذا الفارق يوضح أهمية تحسين الخدمة.
فالعائلة التي تحصل على كمية كافية من المياه العامة بصورة منتظمة قد تتمكن من تقليل اعتمادها على الصهاريج، وبالتالي خفض مجموع ما تنفقه على المياه.
لكن هذا الوفر يبقى احتمالاً مرتبطاً بنتائج التنفيذ، وليس نتيجة مضمونة بمجرد الموافقة على التمويل.
فقد تنجح الاستثمارات في زيادة الإمدادات، بينما تستمر مشكلات التوزيع أو الأعطال أو نقص الصيانة في مناطق محددة.
ولذلك ينبغي أن تشمل مراقبة المشروع قياس الكلفة الحقيقية التي تتحملها الأسر للحصول على المياه قبل تنفيذ الأعمال وبعدها.
هذا المؤشر قد يكون أكثر ارتباطاً بحياة المواطنين من عدد العقود أو قيمة المعدات المشتراة.
أسئلة تنتظر إجابات رسمية
تكشف مراجعة الوثائق المنشورة عن سبعة أسئلة أساسية تحتاج إلى توضيح:
أولاً: ما قيمة الأموال المسحوبة فعلياً من القرض، وما المبالغ التي أُنفقت على الأعمال المنجزة حتى الآن؟
ثانياً: ما العقود التي جرى توقيعها، ومن هي الشركات المتعاقدة، وما قيم العقود ومدد تنفيذها؟
ثالثاً: ما الجدول الزمني المحدّث لاستكمال منشآت نقل المياه وتجهيزات الوردانية؟
رابعاً: ما نسبة المياه غير المدرة للدخل في المناطق المستهدفة، وكيف ستُقاس نتائج خفضها؟
خامساً: كيف ستُوزع أعباء السداد بين الخزينة ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، وما قدرة المؤسسة المالية على تحمل حصتها؟
سادساً: هل ستُنشر نتائج فحوص المياه وبيانات ساعات التغذية بصورة تتيح التحقق من جودة الخدمة؟
سابعاً: ما الانخفاض المتوقع في اعتماد الأسر على الصهاريج الخاصة، وكيف ستُقاس الوفورات الفعلية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتطلب وعوداً سياسية جديدة، بل نشر بيانات وعقود وتقارير تنفيذ قابلة للتدقيق.
بين ضرورة الاستثمار ومخاطر الدين
لا تثبت الوثائق التي راجعناها وجود فساد أو مخالفات مالية في المشروع الجديد.
كما أن الحصول على قرض لتمويل بنية تحتية حيوية ليس دليلاً بحد ذاته على سوء إدارة المال العام.
فقطاع المياه في لبنان يحتاج إلى استثمارات في المنشآت والشبكات والمعالجة والتشغيل، بعد سنوات من الأزمات والتراجع في القدرة على الصيانة.
لكن الحاجة إلى التمويل لا تلغي ضرورة المساءلة.
فالدين العام يرتب التزامات تتجاوز لحظة توقيع الاتفاقية، فيما لا تتحقق منافع الاستثمار إلا عندما تدخل المنشآت الخدمة ويشعر المواطن بتحسن فعلي.
وبالتالي، لا يجوز قياس نجاح المشروع بقيمة القرض وحدها، أو بعدد التجهيزات التي يفترض تركيبها.
المعيار هو انتظام وصول المياه، وجودتها، وكلفتها، واستدامة تشغيل المرفق العام.
في لبنان، لا يحتاج المواطن إلى إعلان جديد عن ملايين الدولارات المخصصة للمياه بقدر ما يحتاج إلى معرفة متى ستصل المياه إلى منزله من دون أن يضطر إلى شرائها مرة ثانية.
ويبقى السؤال الذي تطرحه «المسمار»:
إذا كان اللبنانيون سيتحملون كلفة تمويل شبكة المياه، فمتى يحصلون على الخدمة التي سيدفعون ثمنها؟
يضمّ قسم التحرير في «المسمار» نخبةً من الكفاءات العربية الشابة، بخلفيات أكاديمية وعلمية متنوّعة. يجمعهم نهجٌ تحريري يقوم على البحث والتدقيق والتحليل النقدي، لكشف ما وراء الأحداث، وتفكيك السرديات الجاهزة، وطرح الأسئلة التي تستحق الإجابة.