لم تكن إلهام شاهين تستعد لافتتاح عرض مسرحي جديد عندما عاد اسم «المومس الفاضلة» إلى الأخبار.
فالفكرة التي أثارت جدلًا واسعًا عام 2021، بعد إعلان رغبتها في تقديم عمل جان بول سارتر، لم تتحول إلى عرض جديد بالفعل.
وفي عام 2022، أعلنت الفنانة تراجعها عن المشروع، قبل أن تعود في تصريحات عام 2025 لتشرح الملابسات التي حالت دون تنفيذه.
لكن خلال مشاركتها في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي في تشرين الأول 2026، استحضرت شاهين تلك الأزمة خلال ندوة تناولت البطولة النسائية.
ودافعت عن النص المسرحي، متسائلة عن سبب الاعتراض على عنوانه من دون معرفة مضمونه، ومذكّرة بأن الفنانة الراحلة سميحة أيوب سبق أن قدمته على المسرح المصري.
لم يتوقف الجدل عند حدود التصريحات.
ففي 18 تشرين الأول، أعلنت وسائل إعلام مصرية أن المحامي أيمن محفوظ تقدّم ببلاغ إلى النائب العام ضد شاهين، على خلفية ما نسبه إلى تصريحاتها من إساءة للقيم المجتمعية وأعضاء في البرلمان، فضلًا عن اتهامات أخرى تتعلق بنشر الفسق والفجور.
وبحسب التغطيات الصحافية، طالب المحامي بالتحقيق معها ومنعها من السفر.
غير أن هذه المطالب تمثل موقف صاحب البلاغ، وليست أحكامًا قضائية أو قرارات تنفيذية صادرة عن السلطات.
وحتى إعداد هذا المقال، لم يتوافر في المصادر التي جرت مراجعتها إعلان رسمي عن صدور حكم ضد الفنانة على خلفية هذه الواقعة.
ومع ذلك، فإن مجرد عودة مشروع فني متوقف منذ سنوات إلى واجهة الجدل القانوني والإعلامي يطرح أسئلة جدية حول علاقة المجتمع بالفن، وحدود الاعتراض عليه.
«المومس الفاضلة»… ماذا كتب سارتر فعلًا؟
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة في الأزمة أن المسرحية التي تصدرت عناوين الأخبار ليست عملًا مخصصًا للإثارة الجنسية كما قد يوحي اسمها للبعض.
كتب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر مسرحية «La Putain respectueuse» عام 1946، وعُرضت للمرة الأولى في مسرح أنطوان في باريس في الثامن من تشرين الثاني من العام نفسه.
وتتناول المسرحية قصة امرأة تدعى ليزي، تعمل في البغاء، وتجد نفسها في مواجهة ضغوط سياسية واجتماعية لإجبارها على تقديم شهادة تخدم رجلًا أبيض وتورّط رجلًا أسود تعرّض للظلم.
في عالم المسرحية، لا تُقاس العدالة بحقيقة ما حدث، بل بما يخدم مصالح أصحاب النفوذ.
فالمرأة التي ينظر إليها المجتمع باحتقار بسبب مهنتها تصبح أمام اختبار أخلاقي، بينما يحاول رجال يتمتعون بالسلطة والمكانة الاجتماعية استخدام نفوذهم لإخفاء الحقيقة.
هنا تكمن مفارقة العنوان.
فكلمة «الفاضلة» ليست وصفًا ساخرًا بلا معنى، بل عنصر أساسي في بناء السؤال الفلسفي: مَن يستحق صفة الفضيلة؟ هل يحددها موقع الإنسان الاجتماعي، أم أفعاله عندما يواجه الظلم؟
لقد استخدم سارتر شخصية مهمّشة اجتماعيًا ليفضح تناقضات منظومة تزعم احترام الأخلاق، بينما تستطيع تبرير العنصرية واستغلال السلطة.
وهذه القراءة لا تعني أن المسرحية فوق النقد، بل تعني أن نقدها ينبغي أن يبدأ من النص وشخصياته وأفكاره.
فالحكم على المسرحية من خلال كلمة واحدة في عنوانها يحجب النقاش عن العنصرية والحرية والمسؤولية الأخلاقية، وهي القضايا التي شكّلت جوهر العمل.
سميحة أيوب قدّمت العمل… لماذا عاد الجدل بعد عقود؟
المفارقة أن «المومس الفاضلة» ليست نصًا مجهولًا بالنسبة إلى تاريخ المسرح المصري.
فقد سبق للفنانة سميحة أيوب أن أدّت بطولته قبل عقود، في مرحلة شهدت حضورًا قويًا للمسرح الجاد والأعمال المترجمة عن الأدب العالمي.
وتذكر سجلات صحافية قديمة ودراسات نقدية مصرية أن العمل أثار نقاشًا فنيًا حول الإخراج والأداء والمعالجة المسرحية.
أي أن المسرحية كانت موضوعًا للنقد بوصفها عملًا فنيًا، لا مجرد عنوان مثير للاعتراض.
وفي عام 2021، كانت سميحة أيوب نفسها من أبرز المدافعين عن الفكرة عندما طُرح اسم إلهام شاهين لإعادة تقديم الدور.
ثم كشفت شاهين، خلال مقابلة تلفزيونية في آذار 2025، أن اقتراح إعادة المسرحية جاء أساسًا من سميحة أيوب، وأنها رحبت به تقديرًا لتجربتها وتاريخها.
لكن الجدل الذي أحاط بالمشروع عطّل تنفيذه.
ومن المهم هنا عدم الوقوع في المقارنة السهلة بين زمنين مختلفين؛ فالمجتمعات تتغير، وكذلك طرق استقبال الفنون وحدود ما يعتبره الجمهور مقبولًا.
غير أن هذه التحولات لا تمنع طرح سؤال مشروع: لماذا يصبح النقاش حول كلمة في عنوان عمل أدبي أشد حضورًا من النقاش حول رسالته الفنية؟
وهل تراجع حضور النقد المسرحي المتخصص لمصلحة ردود الفعل السريعة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
لا تكفي حادثة واحدة للإجابة عن هذين السؤالين، لكنها تكشف مدى سهولة انتقال النقاش من النص إلى عنوانه، ومن الحوار الفني إلى المواجهة الإعلامية.
عندما يصبح العنوان أقوى من النص
لا يحتاج العمل الفني دائمًا إلى عنوان مريح.
في تاريخ الأدب والمسرح، اختار كتّاب كثيرون عناوين صادمة أو متناقضة أو مثيرة للأسئلة، لأن وظيفة الفن لا تقتصر على تأكيد الأفكار المألوفة.
وقد يكون العنوان أحيانًا وسيلة لكشف المفارقات داخل المجتمع.
وهذا تحديدًا ما يجعل عنوان «المومس الفاضلة» مهمًا في فهم نص سارتر.
فهو يجمع بين وصف يُستخدم اجتماعيًا للإدانة، وصفة ترتبط بالأخلاق والاحترام.
ويجبر هذا التناقض القارئ على التساؤل عن العلاقة بين السمعة والسلوك.
واللافت أن الجدل حول العنوان ليس ظاهرة عربية جديدة.
فبحسب المكتبة الوطنية الفرنسية، أثار اسم المسرحية جدلًا عند ظهورها في باريس عام 1946، وامتد الأمر إلى الشرطة الفرنسية.
أي أن تاريخ العمل نفسه يكشف حساسية العلاقة بين الأدب والأعراف الاجتماعية، حتى في السياقات التي أنتجته.
لكن الاعتراض الأخلاقي على العنوان لا ينبغي أن يُختزل بدوره في جهل أصحابه.
فمن حق الجمهور أن يعترض على مفردات يراها غير مناسبة، وأن يناقش حدود اللغة المستخدمة في المجال العام.
ومن حق النقاد أيضًا أن يختلفوا حول قدرة العنوان على التعبير عن مضمون النص.
غير أن هناك فرقًا بين الاعتراض النقدي أو الأخلاقي وبين المطالبة باتخاذ إجراءات قانونية بسبب مناقشة عمل لم يُقدّم أصلًا.
وهذا الفرق هو جوهر القضية.
بين حرية الفن وحق المجتمع في الاعتراض
أعادت الواقعة طرح إشكالية قديمة في الحياة الثقافية العربية: مَن يمتلك سلطة تحديد الحدود المقبولة للفن؟
هل هي المؤسسة المنتجة، أم الجهات الرقابية المختصة، أم القضاء عند وجود مخالفة قانونية، أم الجمهور الذي يستطيع رفض العمل وعدم مشاهدته؟
لكل طرف دور مختلف، ولا يجوز الخلط بين هذه الأدوار.
فحرية الإبداع لا تعني إعفاء الفنان من النقد، مثلما لا يعني اعتراض الجمهور على عمل فني أنه يملك حق منعه تلقائيًا.
كذلك فإن اللجوء إلى القضاء إجراء قانوني يمكن لأي صاحب صفة اللجوء إليه وفق القواعد المعمول بها، لكنه لا يحوّل الاتهامات الواردة في البلاغ إلى حقائق مثبتة.
وفي حالة «المومس الفاضلة»، تبرز إشكالية إضافية.
فالخلاف الحالي يتعلق بتصريحات عن مشروع قديم لم يتحول إلى عرض جديد، وليس بمسرحية تُقدَّم أمام الجمهور حاليًا ويُطعن في مشاهد محددة منها.
ولهذا من الضروري الفصل بين تقييم تصريحات إلهام شاهين نفسها، ومناقشة مضمون نص سارتر، والحديث عن مشروع إعادة عرضه الذي لم ينفذ.
الخلط بين هذه المسائل الثلاث لا يساعد على فهم القضية قانونيًا أو ثقافيًا.
بل قد يحوّل نقاشًا معقدًا إلى مواجهة بين من يرفع شعار حماية القيم ومن يرفع شعار حرية الفن، من دون تحليل ما حدث بالفعل.
وهل الفن مسؤول عن تقديم مجتمع مثالي؟
قد لا تكون «المومس الفاضلة» وحدها موضوع الخلاف، بل الفكرة الأوسع عن وظيفة الفن داخل المجتمع.
فهل يُطلب من المسرحية أن تقدم شخصيات مثالية حتى تكون مقبولة؟
وهل يؤدي تصوير السلوك المنحرف إلى الدعوة إليه بالضرورة؟
لو جرى تطبيق هذا المنطق على الأدب العالمي، لأصبح من الصعب قراءة كثير من المسرحيات والروايات التي تناولت القتل والخيانة والفساد والاستغلال والعنف.
فالعمل الأدبي قد يعرض فعلًا مرفوضًا لكي ينتقده، أو يدرسه، أو يكشف الأسباب التي تدفع البشر إليه.
ولا يمكن مساواة تصوير الجريمة بتبريرها، أو تقديم شخصية فاسدة بالدعوة إلى تقليدها.
لكن هذا لا يعني أن جميع الأعمال التي تتناول قضايا حساسة تقدم معالجات فنية مسؤولة أو ناجحة.
فمن المشروع مناقشة أسلوب التناول، ومدى اعتماد العمل على الإثارة، وطريقة تصوير الشخصيات المهمّشة، وتأثير الصورة التي يقدمها.
إنما يحتاج هذا النقاش إلى قراءة العمل أو مشاهدته، لا إلى الاكتفاء بعنوانه.
وفي حالة مسرحية سارتر، يستطيع الناقد أن يناقش بجدية اختيارات المؤلف في تصوير المرأة والعنصرية والسلطة، أو أن يختلف مع فلسفته وطريقته في تقديم الشخصيات.
هذا هو النقد الذي يثري الثقافة.
أما اختزال القضية في صلاحية كلمة واحدة للاستخدام، فيحرم النقاش من أهم عناصره.
لماذا تعود الأزمة الآن؟
تفسّر تصريحات إلهام شاهين الأخيرة عودة الجدل إلى العناوين، لكنها لا تكفي وحدها لفهم سرعة انتشاره.
فالمحتوى المثير للاختلاف يجد عادة فرصًا واسعة للتداول على المنصات الرقمية، خصوصًا عندما يجمع بين اسم فنانة معروفة وعنوان لافت واعتراضات أخلاقية وبلاغ قانوني.
وتصبح الكلمات المنقولة من مقابلة أو ندوة مادة قابلة للتداول بمعزل عن سياقها الكامل.
وهنا تتضاعف مسؤولية وسائل الإعلام.
فمن واجبها أن تميّز بين مشروع جرى التخلي عنه وعرض يجري التحضير له، وبين بلاغ يقدمه محامٍ وقرار تتخذه النيابة، وبين تصريح مثير للجدل وفعل يثبت أنه يشكل مخالفة قانونية.
كما ينبغي ألّا يتحول الخلاف حول الفن إلى وسيلة لإنتاج عناوين توحي بحقائق لا تدعمها الوقائع.
فالخبر الثقافي ليس مجرد مناسبة لتضخيم الخلافات، بل فرصة لفهم النصوص والأفكار والسياقات التي صنعتها.
المسرحية التي لم تُعرض… ماذا كشفت؟
بعد ثمانين عامًا على كتابة سارتر لمسرحيته، ما زال عنوانها قادرًا على إشعال الجدل.
واللافت أن العمل الذي يناقش، في جوهره، العلاقة بين الحقيقة والسلطة والأحكام المسبقة، بات هو نفسه حاضرًا في نقاش حول الأحكام المسبقة على الأعمال الفنية.
لا تعني هذه المفارقة أن كل من اعترض على العنوان يرفض الحرية أو لا يفهم الأدب.
لكنها تفرض سؤالًا: هل يستطيع المجال الثقافي أن يستوعب الاختلاف حول الكلمات والأفكار من دون أن يتحول كل خلاف إلى معركة قانونية أو إعلامية؟
تحتاج المجتمعات إلى الحق في النقد، مثلما تحتاج إلى حماية مساحة التجريب والإبداع.
وتحتاج المؤسسات الثقافية إلى الشجاعة في مناقشة الأعمال المثيرة للجدل، لا إلى تقديمها باعتبارها مقدسة أو التعامل معها باعتبارها مدانة مسبقًا.
أما الأدب، فلا يصبح عظيمًا لأنه يصدم الجمهور، ولا يفقد قيمته لأن عنوانه يزعج البعض.
قيمته تتشكل من قدرته على طرح الأسئلة وبناء الشخصيات والكشف عن تناقضات البشر والمجتمعات.
في النهاية، لم تُعرض النسخة التي فكّرت إلهام شاهين في تقديمها، لكنّ الخلاف بشأنها ظل حيًا.
وربما تكون المفارقة الأكثر قسوة أن مسرحية كتبها سارتر عن الظلم والأحكام المسبقة تحوّلت، بعد ثمانين عامًا، إلى مناسبة نسأل فيها مجددًا: هل نحاكم الأعمال الفنية على ما تقوله فعلًا، أم على ما نتخيّل أنها تقوله؟


