في الخامس عشر من تشرين الأول 2026، خرج اسم محمد محسن هزيمة من جلسة مجلس الوزراء اللبناني مقروناً بمنصب محافظ النبطية.
بدا التعيين، في ظاهره، خطوة لإنهاء مرحلة من إدارة شؤون المحافظة بالإنابة، وإعادة ملء أحد المراكز الإدارية المهمة في الدولة، وسط ظروف استثنائية يواجهها جنوب لبنان بفعل الحرب والدمار والعودة غير المكتملة لكثير من السكان إلى قراهم.
وبعد يوم واحد، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام المحافظ المعيّن في السراي الكبير.
وفق البيان الرسمي الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء، أعرب هزيمة عن شكره على الثقة التي مُنحت له، وأكد أن العمل على تفعيل الإدارات الرسمية ومتابعة الملفات الإنمائية والخدماتية سيبدأ بعد تسلّمه مهامه بصورة رسمية.
لكن خارج أروقة السراي، كان سؤال آخر يتقدم على الحديث عن المشاريع والخطط الإنمائية.
هل يستوفي المحافظ الجديد الشروط القانونية المحدّدة أصلاً لتولي منصبه؟
لم ينشأ السؤال من خلاف سياسي مجرد، بل من مقارنة مباشرة بين المادة الخامسة من المرسوم الاشتراعي رقم 116 الصادر في 12 حزيران 1959، وبين المعلومات الأكاديمية الواردة في السير الذاتية المنشورة للمحافظ المعيّن.
وهنا تبدأ قضية تستحق تدقيقاً جدياً في المستندات، بعيداً عن الاتهامات والأحكام المسبقة.
القانون واضح… لكن ملف المؤهلات ليس منشوراً
تنص المادة الخامسة من المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959، المتعلق بالتنظيم الإداري، على تعيين المحافظ من بين حملة الإجازة في الحقوق أو ما يعادلها، بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.
كما تعتبر المادة المحافظ من موظفي الفئة الأولى.
هذا النص، المنشور ضمن التشريعات المتاحة على الموقع الرسمي للتفتيش المركزي، لا يتحدث عن أفضلية أكاديمية يمكن تجاوزها عند وجود مرشح أكثر خبرة.
بل يحدد مؤهلاً مطلوباً للتعيين في مركز إداري معيّن.
وعند مراجعة السير الذاتية المتداولة لمحمد هزيمة، تظهر شهادتان أساسيتان: دكتوراه في إدارة التسويق من جامعة فارنا في بلغاريا، وماجستير في إدارة الأعمال.
كما تذكر سيرته خبرات في الإدارة والتعاون الدولي والمشاريع الإنمائية، وأدواراً سابقة في مؤسسات شبابية ومنظمات مرتبطة بالتعاون الإسلامي.
لكن تلك السير لا تتضمن إشارة واضحة إلى إجازة في الحقوق أو مؤهل قانوني معادل لها.
وهنا تظهر الإشكالية.
فالدكتوراه أعلى من الإجازة في التسلسل الأكاديمي، لكنها لا تمنح صاحبها تلقائياً اختصاصاً مختلفاً عن المجال الذي درس فيه.
والدكتوراه في إدارة التسويق، مهما بلغت قيمتها العلمية، لا تُصبح بمجرد درجتها الأكاديمية إجازة في القانون.
لكن عدم ظهور شهادة الحقوق في السيرة المنشورة لا يثبت أن صاحب السيرة لا يحملها.
فمن الممكن أن تكون هناك شهادة أخرى لم تُذكر، أو مستند معادلة يحتاج إلى تفسير من الجهة المختصة.
وبالتالي، لا يستطيع التحقيق أن يحسم قانونية التعيين أو عدمها اعتماداً على السير الإعلامية وحدها.
المطلوب هو تحديد المؤهل القانوني الذي اعتمدته الجهات الرسمية عند قبول ترشيح هزيمة، والتحقق مما إذا كان مطابقاً لمتطلبات المادة الخامسة.
إنها مسألة يفترض أن يحسمها مستند، لا سجال إعلامي.
لماذا لا تكفي الدكتوراه وحدها؟
تثير القضية التباساً شائعاً بين المستوى الأكاديمي والاختصاص المطلوب قانوناً.
فالجامعة تمنح شهاداتها وفق برامج وتخصصات مختلفة، ولكل شهادة مضمونها الأكاديمي ومتطلبات تحصيلها.
أما الوظائف العامة التي يشترط القانون لها اختصاصاً محدداً، فتخضع لشروط لا يمكن اختزالها بعدد سنوات الدراسة أو ارتفاع الدرجة العلمية.
قد يكون شخص حاصلاً على الدكتوراه في الإدارة أو الاقتصاد أو التسويق، ويتمتع بكفاءة عالية في إدارة المؤسسات، من دون أن يعني ذلك امتلاكه تلقائياً المؤهل القانوني المطلوب لوظيفة حدد المشترع شروطها بصورة خاصة.
وتضيف معادلة الشهادات الأجنبية بُعداً آخر يحتاج إلى التدقيق.
فوزارة التربية والتعليم العالي في لبنان تعتمد إجراءات رسمية لمعادلة المؤهلات الجامعية الصادرة في الخارج، من خلال لجنة مختصة تنظر في المستندات والمسارات الأكاديمية.
لكن معادلة شهادة أجنبية من حيث درجتها واختصاصها لا تعني بالضرورة اعتبارها معادلة لاختصاص جامعي مختلف.
ولهذا، فإن حسم الإشكالية يقتضي معرفة الشهادة المعتمدة ونوع معادلتها، والتفسير القانوني الذي أجاز قبول الترشيح.
كما يستوجب التمييز بين صحة الشهادة نفسها وبين مدى مطابقتها لشرط الوظيفة.
فليس هناك، ضمن الأدلة التي تمت مراجعتها، ما يثبت تزوير أي شهادة منسوبة إلى هزيمة، ولا يجوز الخلط بين مسألة المطابقة القانونية وبين اتهامات التزوير.
ملف دراسي تحت المجهر… وأسئلة يجب ألّا تتحوّل إلى اتهامات
في السابع عشر من تشرين الأول، نشر موقع «ليبانون ديبايت» تقريراً أثار مسألة استيفاء هزيمة الشروط القانونية، وتناول المعلومات المنشورة عن مساره الأكاديمي.
وأشار التقرير إلى منشورات سابقة للجامعة الأميركية للثقافة والتعليم تتعلق بدراسته إدارة الأعمال، كما أثار أسئلة بشأن شهادته الثانوية والمسار الذي أتاح له الالتحاق بالتعليم الجامعي.
وتطرق كذلك إلى معلومات عن استبعاد مرشح آخر بسبب عدم اعتبار شهادة في إدارة الأعمال معادلة لإجازة الحقوق.
لكنّ هذه النقاط، في وضعها المنشور، لا تكفي لإثبات أي خلل في المسار الدراسي لهزيمة أو معادلة شهاداته.
فلم يتوافر ضمن المصادر التي تمت مراجعتها ملفه الدراسي الكامل، أو قرارات المعادلة الخاصة به، أو المحضر الرسمي الذي يثبت سبب استبعاد المرشح الآخر، إن كان الاستبعاد قد حصل وفق الرواية المنشورة.
ولهذا، تبقى الأسئلة مشروعة، لكن تحويلها إلى اتهامات يحتاج إلى أدلة إضافية.
والتدقيق المطلوب ينبغي أن يقتصر على المعلومات الضرورية للتحقق من الأهلية القانونية للتعيين، مع حماية البيانات الشخصية التي لا ترتبط بالمصلحة العامة.
فحق المجتمع في مساءلة كبار الموظفين لا يبرر نشر تفاصيل شخصية لا لزوم لها لإثبات الاستيفاء القانوني.
إعلان رسمي… ثم ثمانية مرشحين
لم يحصل تعيين محافظ النبطية من دون الإعلان عن المركز.
ففي التاسع من تموز 2026، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء فتح باب الترشح للوظيفة، على أن تنتهي المهلة في الثاني والعشرين من الشهر نفسه.
ونشرت وزارة الداخلية والبلديات إعلاناً يدعو أصحاب الاختصاص والكفاءة من خارج الملاك الإداري العام إلى تقديم طلباتهم عبر المنصة الرسمية التابعة لوزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية.
وحتى بعد انتهاء المهلة، بقيت الوظيفة مدرجة في سجل الوظائف السابقة تحت الرمز MOI101.
هذا المسار مهم لأنه يسمح بالتحقق من الخطوات الإجرائية التي يُفترض أن يخضع لها المرشحون.
فالإعلان العلني يفترض أن يفتح باب المنافسة، والفرز الأولي يفترض أن يتحقق من الشروط الأساسية، والتقييم والمقابلات يفترض أن يقارنا بين المرشحين المستوفين للأهلية.
وبحسب تقرير نشرته جريدة «المدن» في الخامس عشر من تشرين الأول، أُجريت مقابلات مع ثمانية مرشحين لمركز المحافظ، بينهم هزيمة وأسماء أكاديمية وإدارية أخرى.
لكن نتائج المقابلات، وعلامات المتنافسين، ومحاضر التقييم، والأسباب التي أدت إلى اختيار المرشح النهائي، لم تتوافر ضمن المصادر العلنية التي أمكن مراجعتها.
وهنا يبرز سؤالان مختلفان لا ينبغي الخلط بينهما.
الأول: هل استوفى المرشح المختار الشروط المطلوبة لدخول المنافسة أصلاً؟
والثاني: ما المعايير التي رجّحت اختياره من بين المرشحين الذين وصلوا إلى المرحلة النهائية؟
فالإجابة عن السؤال الثاني لا تغني عن الأول.
حتى المرشح الذي يحصل على علامات مرتفعة في المقابلات يحتاج إلى استيفاء المؤهلات القانونية المطلوبة للوظيفة.
آلية التعيينات… ماذا تضمن فعلياً؟
عندما أطلقت الحكومة اللبنانية آلية جديدة لتعيينات الفئة الأولى خلال عام 2025، قُدّمت بوصفها خطوة لتعزيز التنظيم والشفافية وإتاحة المنافسة على المراكز القيادية.
وفي مؤتمر صحافي عقده في الثلاثين من أيار 2025، شرح وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي المراحل الأساسية للعملية.
تبدأ الآلية بفرز الطلبات، ثم تقييم المؤهلات، وصولاً إلى المقابلة الشفهية وتشكيل قائمة مختصرة من المرشحين.
لكنّ الآلية تتضمن تفصيلاً بالغ الأهمية.
فقد أعلن مكي أن مجلس الوزراء عدّل الإجراءات بما يسمح للوزير المختص باختيار مرشحه من اللائحة المصغّرة، من دون أن يكون ملزماً بترتيب الأسماء وفق نتائج التقييم.
وبذلك، لا يعني حصول مرشح على المركز الأول في المقابلات أنه صاحب حق تلقائي بالتعيين.
وفي المقابل، لا يعني اختيار مرشح آخر من اللائحة النهائية بالضرورة حصول مخالفة للآلية.
إنه هامش اختيار أُقر رسمياً ضمن نظام التعيينات.
لكنّ هذا الهامش لا ينبغي الخلط بينه وبين سلطة إعفاء المرشحين من الشروط القانونية الخاصة بكل وظيفة.
فالآلية تنظّم المنافسة والاختيار، لكنها لا تستطيع بذاتها تعديل نص تشريعي نافذ.
وهنا تكمن النقطة التي يحتاج ملف النبطية إلى توضيحها: هل جرى التثبت من توافر المؤهل المطلوب قبل الانتقال إلى تقييم المرشحين، أم استُخدم معيار مختلف في تفسير شرط الإجازة أو المعادلة؟
والجواب يجب أن يأتي من الجهة التي دققت في الطلبات والوثائق، لا من افتراضات تتعلق بخلفية المرشح أو علاقاته.
التعيين بين الكفاءة والتزكيات السياسية
إلى جانب الإشكالية القانونية، أثارت طريقة وصول الاسم إلى مجلس الوزراء نقاشاً سياسياً.
فقد نشرت جريدة «المدن» تقريراً تناول المنافسة بين مرشحين مدعومين من شخصيات مختلفة داخل حركة أمل.
وبحسب مصادر الصحيفة، سعت مرجعيات سياسية وحركية إلى ترجيح أسماء معينة، قبل أن يستقر الاختيار على هزيمة عقب لقاء بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام.
ونسبت الصحيفة إلى مصادرها معلومات عن تزكيات سياسية ودعم حظي به عدد من المرشحين.
كما تناولت «النهار»، قبل إعلان التعيين، التنافس على المنصب والتدخلات التي قيل إنها رافقت مسار الاختيار.
هذه روايات صحافية ذات أهمية لأنها تتصل بطريقة اتخاذ قرار في أعلى الإدارة العامة.
لكنها ليست بحد ذاتها محاضر رسمية لاجتماعات سياسية، ولا تثبت أن قرار مجلس الوزراء خالف القانون أو أن لجنة التقييم غيّرت نتائجها استجابة لضغوط.
كما أن وجود علاقات سياسية أو تأييد لمرشح لا يثبت تلقائياً عدم كفاءته أو عدم استيفائه للشروط.
فقد تتداخل عوامل متعددة في عملية اختيار يجيز النظام فيها للوزير المختص ترشيح اسم من اللائحة النهائية.
القضية التي تستحق التحقيق، إذن، ليست افتراض أن كل توافق سياسي جريمة، بل معرفة ما إذا كانت المراحل الرسمية قد استُكملت بصورة سليمة، وما إذا كانت شروط الأهلية قد طُبّقت بصورة متساوية.
وهذا يتطلب مستندات من لجنة التقييم، وأسباب الاختيار النهائي، وتوضيحات من الجهات المعنية بشأن ما ورد في التقارير الصحافية.
رواية أخرى: هزيمة من أبرز المتفوقين في المقابلات
في مقابل الروايات التي تحدثت عن تدخلات سياسية، نشرت «النهار» في الخامس عشر من تشرين الأول معطيات تفيد بأن هزيمة أظهر أداءً مرتفعاً في المقابلات التي جرت وفق الآلية الحكومية.
وأشار التقرير إلى أن بعض المعلومات المتداولة عن الجهات التي دعمت ترشيحه لم تكن دقيقة.
هذه الرواية مهمة لأنها تطرح تفسيراً مختلفاً للاختيار.
فإذا كان هزيمة قد حصل على نتائج مرتفعة في التقييم، فإن نشر تلك النتائج أو تأكيدها بصورة رسمية من شأنه أن يوضح جانباً مهماً من مسار التعيين.
لكنّ التفوق في المقابلات، إذا ثبت، لا يحسم السؤال المتعلق بشرط الشهادة القانونية.
وفي الوقت نفسه، فإن غياب النتائج المنشورة لا يسمح بالتشكيك في العلامات أو نسبتها إلى تدخل سياسي من دون دليل.
وحدها الوثائق الرسمية قادرة على إظهار الفارق بين ما جرى داخل لجنة التقييم وما تتداوله المصادر السياسية والإعلامية.
من هو محمد هزيمة؟
بحسب سيرته المنشورة، يبلغ محمد هزيمة 33 عاماً، وينحدر من بلدة النبي شيت في قضاء بعلبك.
وإلى جانب مؤهلاته الأكاديمية في إدارة الأعمال والتسويق، عمل في مجالات التدريب والتعاون الدولي وتنسيق المشاريع الإنمائية.
وتذكر سيرته شغله منصباً قيادياً في منتدى شباب التعاون الإسلامي، وتعاونه في مشاريع إنمائية مع وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا»، فضلاً عن خبرته في التنسيق مع جهات مانحة ومؤسسات دولية.
وفي تصريح خاص لـ«النهار» بعد تعيينه، أكد أنه يدرك صعوبة المرحلة، وأنه يسعى إلى توظيف شبكة علاقاته المحلية والدولية لمصلحة محافظة النبطية.
وتشكّل هذه الخبرات جانباً من السيرة المهنية التي يستند إليها المؤيدون لاختياره.
فإدارة محافظة متضررة من الحرب تتطلب تنسيقاً مؤسسياً وقدرة على التواصل مع الجهات الرسمية والبلديات والهيئات المانحة.
لكنّ توافر الخبرة الإنمائية لا يلغي الحاجة إلى استيفاء الشروط القانونية، مثلما لا يلغي وجود أسئلة قانونية أهمية التحقق من الكفاءة المهنية بصورة منصفة.
فالقانون والكفاءة ليسا معيارين متعارضين بالضرورة.
العلاقات الخارجية… هل هناك تضارب مصالح؟
أثارت علاقات هزيمة المهنية مع منظمات وجهات تعاون دولية اهتماماً إضافياً في بعض التغطيات.
فقد أشارت «المدن» إلى معلومات من مصادرها عن تزكيات من شخصيات قريبة من دوائر تركية، وإلى إمكانية الاستفادة من شبكة علاقات المحافظ المعيّن في تأمين مساعدات ومشاريع للجنوب.
لكنّ هذه المعلومات لا تثبت تدخلاً رسمياً من الحكومة التركية في قرار تعيينه، أو وجود منفعة مالية شخصية، أو تضارب مصالح محقق.
ولا يشكّل العمل السابق مع منظمة دولية أو وكالة إنمائية مخالفة بحد ذاته.
بل قد يكون خبرة مهنية ذات صلة بمتطلبات المنصب.
أما التضارب المحتمل في المصالح فيحتاج إلى وقائع أكثر تحديداً، مثل وجود عقود أو مصالح مالية أو قرارات إدارية تمنح جهات مرتبطة بالمسؤول معاملة تفضيلية لا تستند إلى معايير موضوعية.
ولا تتوافر في المواد المنشورة التي جرت مراجعتها مستندات تثبت مثل هذه الحالات بحق هزيمة.
لذلك يبقى السؤال موجهاً إلى آليات الحوكمة المستقبلية: كيف ستُدار علاقات المحافظة بالمانحين؟ وما القواعد المعتمدة للإفصاح عن المصالح وتوزيع المشاريع والمساعدات؟
فشفافية هذه العلاقات ضرورية لحماية المصلحة العامة، سواء كانت الجهة المانحة عربية أو تركية أو أوروبية أو دولية.
لماذا يهمّ تعيين المحافظ أهل النبطية؟
قد يبدو الجدل بشأن الشهادات والمقابلات مسألة إدارية بعيدة عن حياة الناس.
لكن منصب المحافظ يرتبط مباشرة بإدارة شؤون المحافظة وبمتابعة أعمال إدارات الدولة فيها.
وبموجب التنظيم الإداري، يمثل المحافظ عدداً واسعاً من الوزارات على مستوى محافظته، ويتمتع بصلاحيات تتصل بالرقابة الإدارية وتنسيق العمل الرسمي.
وتزداد أهمية هذه الصلاحيات في محافظة تواجه آثار الحرب.
فالنبطية ليست منطقة تنتظر تعييناً إدارياً عادياً في ظروف طبيعية.
هناك قرى تضررت منازلها وبناها التحتية، وعائلات تحتاج إلى خدمات، وبلديات تواجه تحديات مالية وتنظيمية، ومزارعون يسعون إلى الوصول إلى أراضيهم، ومشاريع إنمائية تحتاج إلى متابعة وتنسيق.
وفي هذه الظروف، يصبح وجود إدارة قادرة على اتخاذ القرارات بصورة قانونية وشفافة عاملاً مؤثراً في ثقة المواطنين بالدولة.
ومن هنا، فإن السؤال عن أهلية المحافظ ليس خلافاً شخصياً حول شهاداته، بل سؤال يتعلق بالطريقة التي تُدار بها مؤسسة عامة.
فإذا كانت الحكومة تطلب من المواطنين احترام القوانين، فمن حقهم أن يعرفوا كيف تتحقق هي نفسها من تطبيق شروط التعيين في مراكزها العليا.
ماذا يقول نظام الموظفين عن التعيين المخالف؟
لا تنتهي المسألة عند المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959.
فالمادة الثالثة عشرة من المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959، المعروف بنظام الموظفين، تتناول مفعول التعيين والنتائج المترتبة عليه.
وتنص فقرتها السادسة على عدم نفاذ التعيين المخالف للأصول القانونية، وفق الشروط والآليات القضائية المنصوص عليها.
لكن تطبيق هذا النص على حالة بعينها ليس قراراً صحافياً.
فالأمر يستلزم أولاً إثبات وجود المخالفة، ثم تحديد النصوص القانونية النافذة وتفسيرها، ومعرفة وضع مرسوم التعيين والأصول الإدارية المتبعة.
وإذا تبيّن لاحقاً أن المؤهل المعتمد لا يستوفي الشرط الخاص بمنصب المحافظ، فقد تثار مسألة مشروعية التعيين وإمكان الطعن فيه أمام المرجع القضائي المختص.
أما إذا ثبت أن هزيمة يحمل مؤهلاً قانونياً مستوفياً، فإن الجدل حول شرط الإجازة يحتاج إلى التصحيح وفق المستندات.
وفي الحالتين، لا ينبغي القفز إلى نتيجة قبل التحقق.
هل صدر المرسوم النهائي؟
هناك تفصيل إجرائي إضافي لا يجوز إغفاله.
فالتغطيات الرسمية والصحافية تؤكد موافقة مجلس الوزراء على التعيين، فيما استخدم بيان رئاسة مجلس الوزراء في السادس عشر من تشرين الأول عبارة «المحافظ المعيّن»، وأشار إلى مباشرة العمل بعد تسلّم المهام رسمياً.
لكن لم تتوافر في المصادر التي أمكن الوصول إليها نسخة منشورة من مرسوم التعيين تتضمن رقمه وتاريخ توقيعه ونفاذه.
ولا يثبت ذلك أن المرسوم لم يصدر.
إنما يعني أن الوضع الإجرائي النهائي يحتاج إلى مراجعة الجريدة الرسمية والجهات المختصة.
وهذه نقطة مهمة، لأن الموافقة السياسية والإدارية على التعيين، وصدور المرسوم وفق الأصول، والمباشرة الفعلية بالمهام، مراحل قد تختلف في توقيتها وآثارها القانونية.
الوثيقة التي يمكن أن تحسم الجدل
بعد مراجعة النصوص والتصريحات والتقارير المنشورة، تبرز حقيقة أساسية: ليست هناك حاجة إلى مزيد من الاتهامات لحسم السؤال الأول.
المطلوب معرفة طبيعة الشهادة أو المؤهل القانوني الذي قُبل على أساسه ترشيح محمد هزيمة.
ومن ثم معرفة ما إذا كانت الجهة المختصة قد تحققت من مطابقته للمادة الخامسة.
وإذا كان هناك تفسير قانوني خاص لعبارة «أو ما يعادلها»، فمن الضروري توضيح الجهة التي أصدرته والسند المعتمد له.
كذلك، يمكن نشر معلومات عامة عن مراحل الاختيار، والجهات التي شاركت في التقييم، وأسباب اعتماد المرشح النهائي، مع احترام الاستثناءات القانونية والبيانات الشخصية للمشاركين.
فالمساءلة لا تتطلب بالضرورة نشر ملفات المرشحين الشخصية كاملة.
إنها تتطلب إثبات أن شروط الوظيفة طُبقت على الجميع وفق المعايير نفسها.
محافظة تنتظر العمل… وأسئلة تنتظر إجابات
يواجه المحافظ الجديد مسؤوليات واسعة في مرحلة دقيقة من تاريخ الجنوب اللبناني.
وقد أعلن نيته متابعة الملفات الإنمائية والخدماتية والاستفادة من خبراته وعلاقاته للمساعدة في معالجة آثار الأزمة.
لكنّ هذه الأهداف لا تعفي الجهات الرسمية من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بسلامة إجراءات تعيينه، مثلما لا تعني الأسئلة القانونية انتقاصاً من خبراته المهنية.
فالمسألة لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة لشخص قبل الاطلاع على مستنداته، ولا إلى دفاع عن قرار لم تُنشر بعد جميع وثائقه الحاسمة.
إنها امتحان للشفافية في الإدارة العامة.
فالحكومة التي أعلنت اعتماد آلية تنافسية لتعيين كبار الموظفين أمام فرصة لإظهار كيفية تطبيق هذه الآلية، وكيفية احترام الشروط القانونية المحددة لكل منصب.
والمحافظ المعيّن أمام فرصة لتوضيح مؤهلاته القانونية وردّ أي التباس يتعلق بها، من دون أن يضطر إلى كشف معلومات شخصية تتجاوز مقتضيات الوظيفة العامة.
أما المواطنون في النبطية، فمن حقهم الحصول على إدارة تعمل بكفاءة وبموجب القانون، وتخضع قراراتها للمساءلة.
فالسؤال ليس ما إذا كان محمد هزيمة قادراً على حمل لقب محافظ النبطية، بل ما إذا كانت الدولة قادرة على إظهار الأساس القانوني والإداري الذي اختارته بموجبه.
وإذا كانت الشفافية شرطاً من شروط بناء الدولة، فإنها تبدأ من الوثيقة التي تبرّر التعيين، قبل أي وعد بالإصلاح.


