في 17 تشرين الأول 2026، اجتمعت يسرا وليلى علوي والمخرجة مريم أبو عوف في جلسة بعنوان «البطولة النسائية في ميزان شباك التذاكر»، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي في مصر.
لم يكن النقاش مجرد استعادة لذكريات أفلام قديمة أو احتفاء بنجمات صنعن تاريخ السينما المصرية.
فخلف الحديث عن الإيرادات والنجومية، برزت أسئلة عن طبيعة الأعمال التي يستطيع المنتجون تمويلها اليوم، وعن المساحة المتاحة للفنانات لاختيار شخصيات مختلفة، وعن حدود الجرأة التي تسمح بها السوق.
وشاركت المخرجة إيناس الدغيدي بكلمة مصوّرة، فيما حضر النقاش عدد من النجوم وصنّاع السينما، بينهم إلهام شاهين وحسين فهمي ومدحت العدل.
كانت المفارقة واضحة: نجمات شاركن لعقود في صناعة أفلام ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور، يناقشن اليوم العقبات التي تواجه تقديم بطولات نسائية جديدة.
لكن القضية لا تتعلق بالسؤال عمّا إذا كانت المرأة قادرة على قيادة فيلم ناجح؛ فقد أثبت التاريخ السينمائي ذلك مرارًا.
القضية هي لماذا أصبح إقناع الجهات المنتجة بالمراهنة على قصص مختلفة أكثر تعقيدًا.
ليلى علوي: عندما أصبحت الإيرادات أقوى من الفكرة
خلال الجلسة، قدّمت ليلى علوي نقدًا مباشرًا للتحولات التي شهدتها صناعة السينما المصرية.
فبحسب تصريحات نقلتها «بوابة الأهرام»، اعتبرت علوي أن بعض المنتجين باتوا يبحثون عن ضمانات لاسترداد أموالهم قبل بدء تنفيذ الفيلم، ما يحدّ من الاستعداد لتجربة موضوعات غير مألوفة.
واستعادت مرحلة كانت فيها أفلام مثل «إنذار بالطاعة» و«يا دنيا يا غرامي» و«المغتصبون» تطرح قضايا اجتماعية وإنسانية حساسة، من دون أن يُنظر إلى اختلاف موضوعاتها باعتباره عائقًا يحول دون الوصول إلى الجمهور.
وتحدثت عن فيلم «المغتصبون»، الذي شاركت في بطولته، وقالت إنه حقق نجاحًا جماهيريًا واستمر عرضه تسعة أشهر، مشيرة إلى اعتقادها بأنه أسهم في إحداث تغيير قانوني.
وهنا يجب التمييز بين شهادتها عن أثر الفيلم وبين إثبات العلاقة التشريعية نفسها، التي تحتاج إلى مراجعة مستقلة للقوانين وتاريخ تعديلها.
لكن ما يهم في استعادتها لهذا العمل هو تصورها لدور السينما: صناعة تستطيع الترفيه وتحقيق الإيرادات، وفي الوقت نفسه الاقتراب من مشكلات المجتمع.
ولم تقل علوي إن النجاح التجاري فقد أهميته، بل شددت على أن الفيلم الجيد لا يزال قادرًا على جذب المشاهدين.
وهذا فارق أساسي.
فالنقاش ليس بين سينما فنية وأخرى تجارية، بل بين صناعة تمنح الفرصة لأفكار متنوعة وصناعة تكرّر ما تعتقد أنه مضمون الربح.
يسرا… حين أصبحت مواقع التواصل شريكًا غير معلن في القرار الفني
طرحت يسرا جانبًا آخر من المشكلة.
فخلال الجلسة، أشارت إلى أن الفنانين باتوا يأخذون ردود الفعل المتوقعة على مواقع التواصل الاجتماعي في الاعتبار قبل قبول بعض المشاهد أو الموضوعات الجريئة.
وهنا لا يعود القرار الفني مرتبطًا بالسيناريو والمخرج والمنتج وحدهم، بل يتأثر أيضًا بما قد يحدث بعد انتشار مقطع قصير خارج سياقه.
يمكن لمشهد ضمن عمل درامي متكامل أن يتحول إلى مادة للجدل، وربما إلى حملة انتقادات، قبل أن تتاح للجمهور فرصة مشاهدة الفيلم وفهم فكرته.
لكن ذلك لا يعني أن كل انتقاد للأعمال الفنية اعتداء على حرية الإبداع.
فمن حق الجمهور مناقشة مضمون الفيلم ورفضه وانتقاده، مثلما يحق لصنّاع العمل الدفاع عن خياراتهم.
المشكلة تبدأ حين تتحول توقعات الغضب إلى رقابة استباقية يمارسها الفنانون والمنتجون على أنفسهم، فيتخلّون عن أفكار قبل اختبار قيمتها الفنية.
وقد استحضرت يسرا خلال النقاش أعمالًا واجهت صعوبات وردود فعل متباينة، مؤكدة أن الأثر الفني لا يُقاس بإيرادات العرض الأولى وحدها.
فبعض الأفلام تكتسب أهميتها عبر الزمن، عندما يعاد اكتشافها ومناقشة القضايا التي تناولتها.
لكن في سوق تزداد فيه سرعة الحكم على النجاح والفشل، تصبح المساحة المتاحة لهذا النوع من المغامرات موضع تساؤل.
مريم أبو عوف: المنتج ليس العدو الوحيد
قد يكون من السهل تحميل المنتجين كامل المسؤولية عن ضيق مساحة البطولة النسائية.
لكن المخرجة مريم أبو عوف قدّمت تفسيرًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا.
ففي مداخلتها، قالت إن شباك التذاكر أصبح يتمحور، من وجهة نظرها، حول عدد محدود من النجوم، يقدّر بأربعة أو خمسة ممثلين، الأمر الذي يجعل المخاطرة المالية أكثر صعوبة بالنسبة إلى المنتج.
وهذا توصيف مهني عبّرت عنه المخرجة، وليس إحصاءً مستقلًا لحصص النجوم من الإيرادات.
وأوضحت أن الدراما التلفزيونية أتاحت لها مساحة أوسع للتجريب واختيار الممثلين، مقارنة بالقيود التي تشعر بها في السينما.
وهنا يظهر جانب مهم من المشكلة.
فالمنتج ليس مؤسسة خيرية، ومن الطبيعي أن يسعى إلى حماية استثماراته. وفي المقابل، إذا حُصر التمويل في أنماط معينة من الأفلام، فقد يصبح من الصعب ظهور تجارب جديدة قادرة أصلًا على تغيير ذائقة الجمهور.
هذه دائرة مغلقة: يُفترض أن الجمهور لا يريد نوعًا محددًا من القصص، فلا يُنتج هذا النوع بالقدر الكافي، ثم يُستعمل غيابه عن قوائم الإيرادات دليلًا على ضعف الطلب عليه.
لكن لا يمكن الجزم بأن هذه الدائرة تفسر وحدها واقع البطولات النسائية، من دون دراسة أرقام الإنتاج والتوزيع والميزانيات والإقبال الجماهيري.
والسؤال الأهم: هل تُمنح الأفلام ذات البطولات النسائية الفرص التسويقية وشروط التوزيع نفسها التي تُمنح لغيرها؟
إيناس الدغيدي… هل أصبح النجم أكبر من الفيلم؟
في كلمتها المصوّرة، استحضرت إيناس الدغيدي مرحلة كانت فيها، بحسب تجربتها، الفكرة والمخرج والمؤلف يشكلون نقطة الانطلاق الأساسية للمشروع السينمائي.
وقالت إن الصناعة تغيّرت، وإن بعض الأفلام باتت تُكتب خصيصًا للنجوم الذين أصبحت لهم سلطة أكبر في اختيار المخرجين والمؤلفين.
هذه الملاحظة لا تتعلق بالمرأة وحدها، بل بطريقة إدارة الإنتاج السينمائي.
فعندما يصبح اختيار النجم سابقًا على اختيار الحكاية، قد تتحول عملية الكتابة إلى بحث عمّا يناسب صورته التجارية، بدلًا من البحث عن أفضل شخصية لخدمة الفيلم.
لكن وجود نجم قادر على جذب الجمهور ليس مشكلة بحد ذاته.
ففي تاريخ السينما المصرية، ساهمت نجومية ممثلين وممثلات في تمويل أعمال مهمة وإيصالها إلى جمهور واسع.
المشكلة المحتملة تظهر عندما يصبح نجاح النجم السابق معيارًا وحيدًا تقريبًا للموافقة على مشروع جديد.
وفي هذه الحالة، لا تخسر الممثلات وحدهن فرصًا فنية، بل قد يخسر المؤلفون والمخرجون أيضًا حرية تقديم شخصيات وحكايات غير متوقعة.
منى زكي وهبة يسري… هل انتهى زمن البطولة النسائية فعلًا؟
رغم الانتقادات، لا يجوز تصوير المشهد كما لو أن المرأة اختفت من السينما العربية.
فخلال الجلسة نفسها، أشارت ليلى علوي إلى فيلم «رحلة 404» من بطولة منى زكي، وإلى فيلم «الهوى سلطان» للمخرجة هبة يسري، بوصفهما مثالين على استمرار تقديم أعمال مختلفة تستطيع الوصول إلى الجمهور.
وتذكّر هذه الأمثلة بأن الأزمة ليست غياب الفنانات الموهوبات أو استحالة نجاح أعمالهن.
بل تكمن في مدى انتظام إنتاج هذه الأعمال، وتنوّع موضوعاتها، والفرص التي تُمنح لصانعاتها.
كما أن الحديث عن السينما العربية لا يجوز اختزاله في السوق المصرية وحدها، مهما كانت مكانتها التاريخية وحجم تأثيرها.
فأسواق الإنتاج في لبنان وتونس والمغرب والخليج وغيرها تختلف في تمويلها وتوزيعها وجمهورها، ولا يمكن افتراض أنها تواجه التحديات نفسها أو بالدرجة ذاتها.
لكن الجدل المصري يفتح سؤالًا عربيًا أوسع: هل تستطيع صناعات السينما في المنطقة توفير مساحة مستدامة لأفلام تقودها شخصيات نسائية، بعيدًا عن التعامل معها باعتبارها حالة استثنائية؟
فالمرأة ليست موضوعًا واحدًا في السينما، ولا ينبغي حصرها في نوع محدد من القضايا.
يمكن أن تكون بطلة فيلم اجتماعي أو كوميدي أو بوليسي أو تاريخي، مثلما يمكن أن تحمل فيلم حركة أو تشويق أو مغامرة.
ولا توجد قاعدة فنية تجعل البطولة النسائية نوعًا سينمائيًا مستقلًا بذاته.
ماذا عن الجمهور… هل هو المسؤول فعلًا؟
يتكرر في النقاشات الفنية تعبير «الجمهور يريد».
لكن مَن يحدد بدقة ما الذي يريده الجمهور؟
هل هي إيرادات أسبوع الافتتاح؟ أم نسب المشاهدة على المنصات الرقمية؟ أم استطلاعات الرأي؟ أم حسابات شركات التوزيع؟
شباك التذاكر أداة مهمة لقياس الإيرادات، لكنه لا يشرح وحده أسباب نجاح الفيلم أو إخفاقه.
فالإيرادات تتأثر بعوامل متعددة، بينها عدد الشاشات، وتوقيت العرض، وحجم الإنفاق الإعلاني، والمنافسة، وسعر التذكرة، ومدى انتشار الفيلم خارج سوقه المحلية.
لذلك، فإن استخدام إيرادات فيلم واحد للحكم على مستقبل البطولة النسائية قد يكون استنتاجًا متسرعًا.
والعكس صحيح أيضًا؛ فالنجاح النقدي أو الحضور في المهرجانات لا يكفيان وحدهما لإثبات الجدوى التجارية لمشروع ما.
ما تحتاجه الصناعة هو نقاش يستند إلى بيانات قابلة للمقارنة، وليس إلى الانطباعات وحدها.
كم فيلمًا ببطولة نسائية يُنتج سنويًا؟ ما ميزانياته مقارنة بالأفلام الأخرى؟ كم شاشة يحصل عليها؟ وكيف تتفاوت عوائده باختلاف النوع السينمائي وحجم الحملة الترويجية؟
من دون هذه المعلومات، سيظل جزء كبير من الجدل محصورًا في شهادات الفنانين وتوقعات المنتجين.
حين تصبح الجرأة تهمة… ماذا تخسر السينما؟
لا تعني الجرأة الفنية بالضرورة المشاهد الصادمة أو الموضوعات المثيرة للجدل.
قد تكون الجرأة في تقديم شخصية نسائية لا تتوافق مع التوقعات الاجتماعية التقليدية، أو في السماح للبطلة بأن تكون متناقضة وضعيفة وأنانية وطموحة، تمامًا كما تُكتب الشخصيات الرجالية المركبة.
وقد تكون في الخروج من القوالب التجارية المعتادة، أو في معالجة قضية اجتماعية من زاوية غير مألوفة.
فالسينما لا تتقدم عندما تقدّم شخصيات مثالية تخلو من الأخطاء، بل عندما تمتلك القدرة على فهم البشر بتعقيداتهم.
وهنا تصبح حرية المبدع عاملًا جوهريًا في تنوع الحكايات المطروحة.
ولا يعني ذلك إعفاء الأعمال من النقد الفني أو الاجتماعي. بل يعني أن يُناقش العمل بناءً على مستواه ومضمونه، لا أن يُحكم عليه مسبقًا بسبب جنس بطله أو بسبب توقعات الجدل الذي قد يثيره.
مَن يخاف من بطلة الفيلم؟
ما حدث في مهرجان الجونة ليس دليلًا كافيًا لإعلان أزمة شاملة في كل السينما العربية، لكنه شهادة مهمة على مخاوف داخل إحدى أكبر صناعاتها وأكثرها تأثيرًا.
فبين تحذيرات ليلى علوي من هيمنة الحسابات التجارية، وحديث يسرا عن ضغوط التواصل الاجتماعي، وتفسير مريم أبو عوف لمخاطر الإنتاج، وملاحظات إيناس الدغيدي حول تحوّل سلطة القرار، تتضح أبعاد مشكلة لا يمكن ردّها إلى سبب واحد.
ليست القضية حربًا بين النساء والرجال، ولا بين الفن والربح.
إنها مسألة تتعلق بمن يحصل على فرصة تقديم حكاية مختلفة، ومن يتحمل مخاطرتها، وكيف تُقاس قيمتها بعد وصولها إلى الشاشة.
وقد تكون الخطوة الأولى للخروج من دائرة الشك هي التوقف عن سؤال ما إذا كانت المرأة قادرة على قيادة فيلم ناجح، والبدء بفحص الظروف الفعلية التي تحدد نجاح الأفلام وفرص إنتاجها.
فالسينما التي تخاف من المغامرة لا تخسر بطولة النساء وحدها؛ بل تخسر قدرتها على اكتشاف شخصيات جديدة، وحكايات لم تُروَ بعد.
ولعل السؤال الحقيقي ليس مَن يخاف من بطلة الفيلم، بل مَن قرر أن وجودها في الصدارة مخاطرة تحتاج في كل مرة إلى إثبات جديد؟


