تخيّل أن تستيقظ فتاة على صورة لها تتداولها مجموعة من زملائها.
الوجه وجهها، والملامح ملامحها، والاسم اسمها. لكن الجسد ليس جسدها، والمشهد لم يحدث، والصورة لم تُلتقط يوماً.
ورغم ذلك، يبدأ الهمس.
تنتقل الصورة من هاتف إلى آخر، ثم إلى مجموعة أوسع. وقد لا يهتم جميع من يشاهدونها بالسؤال عن حقيقتها، بقدر اهتمامهم بما توحي به.
في تلك اللحظة، لا تحتاج الصورة إلى أن تكون حقيقية كي تؤذي.
يكفي أن يصدّقها أحد، أو أن يخشى صاحبها أن يصدّقها الآخرون.
هذه الصورة الافتراضية تختصر آلية باتت وراء وقائع حقيقية وثّقتها تقارير صحافية وأمنية: تحويل هوية الإنسان إلى مادة قابلة للتلاعب، ثم استخدام النتيجة للإهانة أو الابتزاز أو التشهير.
لقد تغيّر شكل الاعتداء.
ففي السابق، كان المبتزّ يعتمد غالباً على الحصول على صورة أو تسجيل خاص، سواء عبر الخداع أو الاختراق أو استغلال الثقة.
أما اليوم، فلم يعد امتلاك ذلك المحتوى شرطاً دائماً.
يمكن إنتاج صورة مزيفة تبدو مقنعة، ثم استخدامها لتهديد شخص لم يفعل شيئاً ولم يُصوَّر في المشهد أصلاً.
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة: قد تجد الضحية نفسها مضطرة إلى إثبات براءتها من فعل لم ترتكبه، بينما يبقى من اختلق الصورة بعيداً عن الأنظار.
في لبنان… حين تصبح صور الطالبات بضاعة
في شباط 2026، انتقلت القضية من التحذيرات العامة إلى واحدة من أكثر البيئات حساسية: المدرسة.
فبحسب تقرير نشره التلفزيون العربي في 14 شباط، شهدت مدرسة لبنانية قضية تتعلق بتعديل صور طالبات بالذكاء الاصطناعي بطريقة مسيئة، وتداولها بين طلاب آخرين مقابل مبالغ مالية.
ونقل التقرير عن وسائل إعلام محلية أن أهالي الطالبات تقدموا بشكاوى، وأن مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية باشر التحقيق في القضية.
كما أشار إلى بيان من إدارة المدرسة بشأن وقوع الأحداث خارج الدوام المدرسي.
ولا تكفي المعلومات المنشورة لإصدار أحكام نهائية بحق الأشخاص الذين ورد ذكرهم في القضية، أو تحديد مسؤولياتهم الفردية قبل انتهاء الإجراءات المختصة.
لكن الواقعة، وفق ما نُشر عنها، تطرح سؤالاً يتجاوز سلوك الطلاب إلى طبيعة الحماية داخل المؤسسات التربوية.
فإذا كان بإمكان طالب استخدام صورة زميلته لصناعة محتوى مسيء، ثم تحويله إلى مادة يتبادلها آخرون مقابل المال، فما الذي يمنع تكرار هذه الممارسات؟
وهل تستطيع المدرسة أن تعتبر أن مسؤوليتها انتهت عند بوابتها إذا وقع الاعتداء رقمياً خارج ساعات التدريس، لكنه طال طلابها وأثر في سلامتهم داخل المجتمع المدرسي؟
إنّ الفرق بين شجار مدرسي تقليدي واعتداء رقمي أن الأخير قد يستمر بعد انتهاء اليوم الدراسي، ويصل إلى هواتف أشخاص لم يشهدوا الواقعة، ويبقى قابلاً لإعادة التداول حتى بعد محو النسخة الأولى.
ولهذا، لا تكفي معاقبة طالب ثبت تورطه من دون معالجة الظروف التي سمحت بوقوع الاعتداء، وحماية المتضررات من مزيد من الإذلال والتداول.
فالمدرسة التي تعلّم طلابها استخدام التكنولوجيا مطالبة أيضاً بتعليمهم حدود استخدامها، ومعنى الموافقة، والخصوصية، ومسؤولية من يصنع الصورة ومن يشاركها ومن يدفع المال للحصول عليها.
طفلة في الثالثة عشرة… التهديد بصورة لا وجود لها
في قضية أخرى نشر تفاصيلها موقع «ليبانون ديبايت» في 30 أيلول 2026، أرسلت فتاة تبلغ الثالثة عشرة رسالة استغاثة عبر خدمة «بلّغ» التابعة لقوى الأمن الداخلي.
وبحسب التقرير، تعرضت الطفلة لتهديدات بنشر صور ومقاطع خاصة بها، إلى جانب صور عارية مفبركة بالذكاء الاصطناعي، في إطار مطالب مالية وجنسية.
ونقل التقرير تفاصيل إجراءات أمنية وقضائية أدت إلى توقيف مشتبه به والادعاء عليه، وإحالة الملف إلى التحقيق القضائي.
ولا تشكل هذه الإجراءات حكماً بالإدانة، كما ينبغي الفصل بين ما ورد في إفادات التحقيق وما ثبت بقرار قضائي نهائي.
لكن الخطورة الاجتماعية للقضية واضحة.
فالتهديد لم يكن قائماً على نشر مواد حقيقية فقط، بل شمل التلويح بصناعة صور مزيفة يمكن استخدامها لإخضاع الطفلة.
هنا يتحوّل الخوف من الصورة إلى أداة للسيطرة.
والمبتزّ لا يحتاج دائماً إلى نشر المحتوى كي يحقق غايته. فقد يكفي أن يقنع الضحية بأن نشره ممكن، وأن المجتمع قد يصدقه، وأن العائلة قد لا تتفهم ما جرى.
وبذلك يصبح الخوف من ردود فعل المحيط الاجتماعي جزءاً من قوة التهديد.
وهذه واحدة من أعقد المشكلات المرتبطة بالابتزاز الرقمي في المجتمعات التي قد تتعامل مع سمعة الفتاة باعتبارها مسؤوليتها الفردية، حتى عندما تكون هي المعتدى عليها.
فحين تخشى الضحية رد فعل أسرتها أكثر مما تخشى الجاني نفسه، يجد المعتدي مساحة أوسع لممارسة الضغط.
صناعة الإذلال… أرباح بالملايين
لو كانت هذه الاعتداءات مجرد ممارسات فردية معزولة، لاقتصر النقاش على ملاحقة المسؤولين عنها.
لكن التحقيقات الدولية تكشف بُعداً اقتصادياً أكثر تعقيداً.
في 15 نيسان 2026، نشر مشروع الشفافية التقنية الأميركي Tech Transparency Project تحقيقاً حول انتشار تطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعديل صور الأشخاص وإظهارهم عراة أو في أوضاع جنسية وهمية.
وبحسب نتائج البحث، ظهرت عشرات التطبيقات ذات الصلة في متجري تطبيقات آبل وغوغل، فيما استطاع نحو 40% من التطبيقات التي خضعت للاختبار إنتاج صور لنساء عاريات أو شبه عاريات.
ولم يقتصر الاعتراض على وجود التطبيقات، بل شمل ظهور بعضها في الإعلانات ونتائج البحث والاقتراحات التلقائية داخل المتاجر.
لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق جاء من تقديرات تجارية أوردها التحقيق.
فالتطبيقات التي شملها الرصد حققت، وفق بيانات شركة متخصصة بتحليل سوق التطبيقات، نحو 483 مليون عملية تنزيل وأكثر من 122 مليون دولار من الإيرادات التراكمية.
ولا يعني ذلك أن كل عملية تنزيل استُخدمت للإساءة إلى شخص، أو أن الإيرادات كلها جاءت من إنتاج صور غير رضائية؛ فهي تقديرات تجارية للتطبيقات المشمولة، لا حساب قضائي لأرباح جرائم مثبتة.
مع ذلك، تكشف الأرقام حجم السوق الذي تتحرك فيه هذه المنتجات.
فالتطبيق ليس مجرد برنامج ينتظره مستخدم في هاتفه.
وراءه مطوّر، ونظام اشتراك، ووسائل دفع، ومتجر يوزعه، وربما شبكة إعلانات تدفع الناس إلى تجربته.
وبين هذه الحلقات تتوزع منافع مالية، حتى عندما تكون بعض الاستخدامات المحتملة للتطبيق ضارة للغاية.
من هنا يتبدّل السؤال: لم يعد الأمر محصوراً بمن يصنع الصورة المسيئة، بل بمن يبيع الأدوات التي تتيح صناعتها، ومن يسهّل انتشارها، ومن يستفيد مالياً من استخدامها.
من يربح عندما تُهان امرأة؟
في تموز 2026، نشر مشروع الشفافية التقنية تحقيقاً آخر اتهم فيه شبكة إعلانية مرتبطة بوكالة صينية تدعى GatherOne بالمساهمة في نشر آلاف الإعلانات لتطبيقات قادرة على إنتاج صور جنسية مفبركة.
وبحسب التحقيق، ارتبطت الوكالة بنحو 7,600 إعلان عبر فيسبوك وإنستغرام.
هذه النتائج هي استنتاجات الجهة البحثية، وليست أحكاماً قضائية تثبت مسؤولية جنائية للشركات المعنية.
في المقابل، أعلنت شركة ميتا في حزيران 2025 أنها رفعت دعوى ضد الجهة المشغّلة لإحدى خدمات التعرية الرقمية، وأنها طورت وسائل لرصد الإعلانات المخالفة وحظر الروابط والحسابات التي تروّج لتلك التطبيقات.
كما قالت إنها بدأت مشاركة مؤشرات تقنية عن التطبيقات والمواقع المخالفة مع شركات أخرى، لمساعدتها على الحد من انتشارها.
وتؤكد ميتا أن سياساتها تحظر الصور الحميمة المنشورة دون موافقة أصحابها، سواء كانت حقيقية أو مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
لكنّ وجود سياسة تمنع الانتهاك لا يجيب وحده عن سؤال مدى نجاح تطبيقها.
فإذا كانت أدوات رقابية مستقلة لا تزال ترصد إعلانات لهذه الخدمات، يصبح من المشروع السؤال عن سبب استمرار ظهورها، وعن سرعة إزالتها، وعن مدى قدرة أنظمة مراجعة الإعلانات على اكتشاف محاولات الالتفاف على القواعد.
وهنا يظهر تناقض يستحق التدقيق:
الشركات التقنية تستثمر في أدوات الذكاء الاصطناعي، وتستفيد من اقتصاد التطبيقات والإعلانات، وتعلن في الوقت نفسه التزامها بمكافحة إساءة استخدامها.
ليس هذا التناقض دليلاً تلقائياً على تواطؤ شركة بعينها، لكنه يفرض مساءلة جدية بشأن فعالية آليات الحماية، والمصالح التجارية المحيطة بالخدمات التي تتيح إنتاج الصور المؤذية.
فالضحية لا يهمها فقط أن تسمع أن التطبيق مخالف للشروط.
ما يهمها أن تتوقف الإساءة، وأن تختفي الصور، وألّا تعود من حساب آخر بعد ساعات.
الحجاب أيضاً… عندما تُنتزع الهوية من الصورة
لا يقتصر التلاعب الرقمي على إنتاج الصور الجنسية المفبركة.
ففي الأول من تشرين الأول 2026، كشفت صحيفة «الغارديان» نتائج اختبارات أجرتها على أنظمة ذكاء اصطناعي طُلب منها إزالة الحجاب عن صورة مولّدة لامرأة.
وأظهرت النتائج أن بعض الأنظمة نفذت الطلب، فيما رفضت أنظمة أخرى أو تعاملت معه بصورة مختلفة.
وفي إحدى الحالات، أدى تغيير صياغة الطلب إلى إنتاج صورة للمرأة من دون الحجاب، رغم أن النظام كان قد أبدى تحفظاً على التعديل في البداية.
وجاءت هذه الاختبارات بعد واقعة نشر سياسي فرنسي من اليمين المتطرف صورة معدّلة لامرأة مسلمة حقيقية أُزيل منها الحجاب رقمياً.
هذا النوع من التعديل ليس مطابقاً للاعتداءات الجنسية القائمة على الصور المفبركة، لكنه يثير المبدأ نفسه: حق الإنسان في أن يقرر كيف يظهر، وألّا يجري تغيير هويته البصرية من دون رضاه.
فالحجاب، بالنسبة إلى المرأة التي تختار ارتداءه، قد يحمل معنى دينياً وشخصياً واجتماعياً عميقاً.
وتغييره في صورتها دون موافقتها قد يمثّل انتهاكاً لخصوصيتها أو محاولة لتمثيلها بصورة لم تخترها.
ولا يتوقف هذا الحق عند النساء المحجبات.
فالمبدأ يشمل من تختار الحجاب ومن لا تختاره، ومن تفضّل لباساً محافظاً ومن تختار غير ذلك، وكل شخص يتعرض لتغيير مظهره بغرض السخرية أو الإهانة أو التضليل.
القضية ليست الدفاع عن شكل محدد للمرأة، بل الدفاع عن حقها في ألا يتحوّل شكلها إلى ملكية عامة يعبث بها الآخرون.
العالم العربي… حين يُضاعف المجتمع قوّة المبتزّ
في تشرين الثاني 2025، نشرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة تقريراً عن العنف الرقمي في الدول العربية، تناول الإطار القانوني والممارسات التي تواجهها النساء والفتيات.
وأشارت الهيئة إلى أن 49% من النساء المستخدمات للإنترنت ضمن بياناتها المرجعية أفدن بأنهن لا يشعرن بالأمان من التحرش الإلكتروني.
ولا يعني هذا الرقم أن نصف النساء تعرضن للتزييف العميق، بل يعكس مشكلة أوسع تتعلق بالشعور بالأمان في الفضاء الرقمي.
لكنّ الأرقام وحدها لا تكشف طبيعة الخوف.
فالعنف الرقمي ضد النساء لا يحدث في فراغ.
إنه يقع داخل مجتمعات قد ترتبط فيها صورة المرأة بنظرة العائلة والمحيط الاجتماعي، وبفرص العمل والتعليم والزواج، وبأحكام أخلاقية لا تُفرض دائماً بالدرجة نفسها على الرجال.
ولذلك قد يضاعف السياق الاجتماعي الأذى الناتج عن صورة مفبركة.
فبدلاً من أن يكون السؤال الأول: من اعتدى على هذه المرأة؟
قد يصبح: لماذا انتشرت صورتها؟
وبدلاً من مطالبة المعتدي بتفسير أفعاله، تجد الضحية نفسها مضطرة إلى شرح ما لم تفعله.
هذه الآلية تجعل التشهير أداة مؤثرة حتى عندما يعرف المعتدي أن الصورة مزيفة، لأنه يراهن على إمكانية التشكيك بالضحية، وعلى خشيتها من نظرة الآخرين.
إنها ليست مشكلة تكنولوجية فحسب.
إنها أيضاً مشكلة اجتماعية في توزيع العار والمسؤولية.
فالمحتوى المزيف لا يمكن أن يكتسب كل قوته من خوارزمية وحدها، إذا لم توجد بيئة تسمح باستخدامه لإخضاع الإنسان أو إسكاته.
مليون ومئتا ألف طفل… الرقم الذي يكشف عمق الأزمة
في الرابع من شباط 2026، أصدرت منظمة اليونيسف تحذيراً بشأن تصاعد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لصناعة صور جنسية مفبركة للأطفال.
واستند التحذير إلى دراسة مشتركة مع منظمتَي ECPAT والإنتربول في 11 دولة، قدّرت أن ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل تعرضوا خلال عام لتلاعب بصورهم وتحويلها إلى محتوى جنسي مصطنع.
وفي بعض الدول المشمولة، بلغت النسبة ما يعادل طفلاً واحداً من كل 25 طفلاً تقريباً.
وهي نتائج تتعلق بالدول التي شملتها الدراسة، ولا تمثل تقديراً لعدد الضحايا في العالم كله أو في المنطقة العربية وحدها.
لكنها تؤكد أن المشكلة تجاوزت نطاق الحالات الفردية النادرة.
فالطفل الذي تُستخدم صورته بهذه الطريقة لا يصبح أقل تعرضاً للضرر لمجرد أن المشهد مصطنع.
قد يواجه الخوف والإذلال والتهديد وفقدان الشعور بالأمان، إلى جانب إمكانية تداول المحتوى وانتشاره خارج سيطرته.
والأخطر أن بعض الأطفال قد لا يمتلكون القدرة النفسية أو المعرفية على التعامل مع التهديد، أو إدراك الخيارات المتاحة لحمايتهم.
وتبرز هنا مسؤولية الأهل والمدارس وشركات التكنولوجيا والسلطات المختصة، من دون تحميل الطفل مسؤولية جريمة ارتُكبت بحقه.
فالصورة المفبركة ليست مزحة عندما تستهدف قاصراً، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تجربة بتطبيق جديد.
هل تسبق التكنولوجيا القانون؟
في لبنان، توجد نصوص قانونية يمكن أن تكون ذات صلة ببعض صور الاعتداء الرقمي، تبعاً للوقائع وطبيعة الجرم.
ومن بينها أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالتهديد والابتزاز، وقانون تجريم التحرش الجنسي رقم 205/2020، وقانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018.
لكنّ وجود هذه النصوص لا يعني تلقائياً أنها تغطي جميع صور التزييف العميق، أو أن تطبيقها لا يثير إشكالات قانونية.
فقد تختلف المعالجة بين مجرد إنتاج صورة دون نشرها، وبين تداول صورة مسيئة، وبين استخدام محتوى مفبرك للتهديد أو الابتزاز أو التحرش.
ويتطلب تحديد المسؤولية القانونية في كل حالة دراسة عناصر الفعل والأدلة والأحكام المنطبقة عليه.
وهنا يظهر سؤال تشريعي مهم: هل تحتاج القوانين إلى نصوص أكثر وضوحاً تجرّم إنتاج الصور الحميمة المزيفة لأشخاص محددين دون موافقتهم، عندما تتوافر عناصر الاعتداء؟
وما الإجراءات التي يمكن اتخاذها لحماية المتضررين وإزالة المحتوى بسرعة، مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة وحرية التعبير المشروعة؟
وفي المقابل، شهدت الولايات المتحدة خلال عام 2026 تطبيقات فعلية لقانون TAKE IT DOWN، الذي أُقر في 2025 لمواجهة نشر الصور الحميمة دون موافقة أصحابها، بما فيها الصور المفبركة ضمن شروط محددة.
وفي حزيران 2026، أعلنت وزارة العدل الأميركية مصادرة نطاقين إلكترونيين استُخدما لنشر صور جنسية رقمية مزيفة لنساء معروفات، في إطار تحقيق عابر للحدود.
لا يمكن نقل النموذج القانوني الأميركي إلى لبنان بصورة آلية، لكنّ تطور التشريعات والملاحقات الدولية يبيّن أن التعامل مع التزييف العميق لم يعد يقتصر على حملات التوعية، بل أصبح جزءاً من النقاش حول المسؤولية القانونية والتقنية للشركات والأفراد.
حذف الصورة لا يعني محو الأذى
حتى عندما تنجح الضحية في الإبلاغ عن صورة مفبركة، تبدأ مشكلة أخرى.
فالصورة قد تكون وصلت إلى عشرات الأشخاص، أو حُفظت على أجهزة مختلفة، أو انتقلت إلى مجموعات مغلقة يصعب تتبعها.
وقد يعيد أحدهم نشرها بعد حذف النسخة الأصلية.
وهكذا تصبح السيطرة على المحتوى تحدياً مستمراً.
وتتيح مبادرات مثل StopNCII.org للبالغين المستوفين لشروط الخدمة إنشاء بصمة رقمية لبعض الصور الحميمة على أجهزتهم، لمساعدة المنصات المشاركة على اكتشاف النسخ المطابقة والحد من تداولها دون إرسال الصور نفسها إلى الخدمة.
أما بالنسبة إلى الصور الحميمة التي التُقطت عندما كان الشخص قاصراً، فتوجد خدمة Take It Down التابعة للمركز الوطني الأميركي للأطفال المفقودين والمستغَلّين، والمتاحة للمستخدمين المؤهلين خارج الولايات المتحدة أيضاً.
لكنّ هذه الأدوات ليست حلاً شاملاً لكل حالات الصور المفبركة، ولا تضمن إزالة جميع النسخ من كل المواقع أو المحادثات الخاصة.
وتبقى الحاجة إلى التبليغ القانوني والدعم النفسي والاجتماعي قائمة.
فالتكنولوجيا تستطيع المساعدة في الحد من انتشار المحتوى، لكنها لا تستطيع بمفردها إزالة الخوف الذي خلّفه.
من يحمي الضحية من المجتمع؟
لعلّ السؤال الأعمق في هذا الملف لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي، بل بطريقة تعامل المجتمع مع الاعتداء.
لماذا قد تخشى فتاة إخبار أهلها بصورة مفبركة؟
ولماذا قد تتردد امرأة في تقديم شكوى خشية أن تتحول هي نفسها إلى موضوع للاتهام أو التشهير؟
ولماذا يصبح نشر الصورة، في بعض البيئات، عبئاً على من ظهرت فيها لا على من صنعها ونشرها؟
لا يمكن بناء حماية حقيقية للنساء والفتيات إذا بقيت الضحية تخشى طلب المساعدة.
فالحماية تبدأ عندما تعرف أن البلاغ لن يتحوّل إلى محاكمة أخلاقية لها، وأن المؤسسة التي تلجأ إليها ستتعامل مع ما حدث بوصفه اعتداء يحتاج إلى تحقيق، لا فضيحة يجب إخفاؤها.
وتبدأ أيضاً عندما يدرك الأهل أن أول واجب تجاه طفلة تتعرض للابتزاز هو حمايتها وطمأنتها، لا معاقبتها على وقوعها ضحية.
أما المدرسة، فعليها أن تتعامل مع الإساءة الرقمية بوصفها خطراً على سلامة الطلاب، وأن تضمن عدم تعرّض الضحايا للتنمر أو الانتقام أثناء التحقيق وبعده.
وفي الحالات التي تصل إلى القضاء، تصبح حماية الخصوصية والهوية، ولا سيما هوية القاصرين، ضرورة أساسية.
فليس المطلوب من الضحية إثبات أنها تستحق الاحترام.
الاحترام حقّ لها أصلاً.
ماذا تفعل الضحية إذا تعرّضت للابتزاز؟
في لبنان، تدعو قوى الأمن الداخلي من يتعرضون للابتزاز الإلكتروني إلى عدم الاستجابة لمطالب المبتز أو دفع المال، والاحتفاظ برسائل التهديد والمعلومات التي تساعد في توثيق الواقعة، والتبليغ عبر مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية أو خدمة «بلّغ» على الموقع الرسمي.
ومن المهم كذلك الإبلاغ عن المحتوى عبر المنصة التي نُشر عليها، وعدم إعادة تداوله بحجة التحذير منه.
وفي حالات الأطفال، يجب عدم تنزيل الصور الجنسية المسيئة أو إرسالها إلى الآخرين بغرض جمع الأدلة؛ بل طلب المساعدة من الجهات المختصة التي تستطيع التعامل مع المواد بطريقة آمنة وقانونية.
والأهم ألّا تواجه الضحية التهديد وحدها.
فالحماية لا تبدأ عندما يُلقى القبض على المعتدي فقط، بل تبدأ منذ اللحظة التي تجد فيها الضحية من يسمعها ويصدّق حقها في الحماية، من دون لوم أو تخويف.
الصورة مزيفة… لكن السوق حقيقي
ما تكشفه الوقائع من لبنان، وتحقيقات التطبيقات والإعلانات، وتحذيرات المؤسسات الدولية، لا يقتصر على التطور السريع للذكاء الاصطناعي.
إنها قصة عن تغيّر أدوات الاعتداء، وعن مصالح تجارية قد تستفيد من أدوات قابلة للإساءة، وعن ثغرات رقابية واجتماعية وقانونية تجعل حماية المتضررين أكثر تعقيداً.
لم تعد المرأة تواجه فقط خطر تسريب صورة موجودة.
بات عليها أن تواجه احتمال اختلاق صورة كاملة باسمها، وأن تتحمل تبعات انتشارها، وأن تطلب حمايتها من اعتداء لم تكن طرفاً في صناعته.
وفي الوقت نفسه، تواصل تطبيقات ومنصات تحقيق الإيرادات من خدمات رقمية، بينما لا تزال فعالية الضوابط وآليات إزالة المحتوى موضع مساءلة.
وهنا تبرز القضية التي ينبغي ألا تضيع بين الأرقام والبرامج.
إذا كانت التكنولوجيا قد جعلت صناعة صورة كاذبة أسهل وأسرع، فلا يجوز أن تصبح حماية الإنسان من أذاها أبطأ وأصعب.
فالحق في الصورة ليس امتيازاً للنساء المشهورات، ولا للفتيات اللواتي يمتلكن القدرة على الوصول إلى القضاء، ولا لمن يحظين بدعم عائلي واجتماعي.
إنه حقّ لكل إنسان.
ولا ينبغي أن يتحوّل نشر صورة عادية إلى تنازل ضمني عن الخصوصية، أو إلى إذن مفتوح للتلاعب بالجسد والهوية.
قد يستطيع برنامج أن يصنع مشهداً لم يحدث.
وقد تستطيع منصة أن تنشره في ثوانٍ.
وقد يحقق مطوّر أو معلن ربحاً من الأدوات التي جعلت إنتاجه ممكناً.
لكن لا شيء من ذلك يجعل الاعتداء أقل حقيقة.
ففي هذا السوق الجديد، قد يكون الجسد مفبركاً، والصورة كاذبة، والفضيحة مختلقة… لكنّ الأموال التي تتحرك، والخوف الذي يُزرع، والضرر الذي يقع على النساء والفتيات، كلها أشياء حقيقية.
ويبقى سؤال المسمار: حين تصبح كرامة الإنسان قابلة للبيع والشراء في السوق الرقمية، من يحاسب من يربح من إهانتها؟


