في جبشيت، يأتي موسم الزيتون محمّلاً بما هو أثقل من الثمار.
تعود الأشجار إلى موعدها مع الخريف، وتعود الأيدي إلى أغصانها، كأنّ الأرض تصرّ على الاحتفاظ بإيقاع الحياة مهما تعاقبت فوقها الحروب. لكنّ المواسم لا تعود متشابهة، حين تتبدّل وجوه الذين كانوا يملأون الحقول، وحين يصبح للغياب مكان بين الأشجار.
في أرضها، تقطف امرأة شابة الزيتون. لا تنتظر من محصولها مالاً، ولا تجمع ثماره لتعرضها في الأسواق. إنّه زيتون البيت، المونة التي سترافق العائلة في أيام الشتاء، والزيت الذي سيحضر على مائدة طفلين أحدهما في السابعة والآخر في الرابعة.
لكنّ لهذه الأرض حكاية أخرى.
حكاية رجل استشهد، ولم يبرح أثره المكان الذي أحبّه. وحكاية شجرة زيتون بقي جثمانه تحت أغصانها ثلاثة أشهر، تمنحه من ظلّها ما تستطيع، بعدما غابت عنه الحياة.
لم تكن الشجرة تعرف أنّها ستصبح شاهدة على مأساة، ولا أنّ امرأة ستحتفظ لها في قلبها بامتنانٍ لا تستطيع الكلمات وصفه.
لكنّها بقيت.
بقيت حين رحل الرجل، وبقي ظلّها فوق جسده، وبقيت جذورها مغروسة في أرضٍ حاولت الحرب أن تجعل الحياة فوقها مستحيلة.
ولعلّ أقسى ما في هذه الحكاية أن الشجرة التي عجزت عن حماية الرجل من الموت، استطاعت أن تحمي جسده من الشمس.
ثلاثة أشهر، كانت فيها الزيتونة شاهدة صامتة على غياب إنسان، وعلى قسوة حرب لا تكتفي بأن تنتزع الأرواح، بل تترك الأحياء أمام جراح تتجاوز لحظة الفقد نفسها.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الشجرة في وجدان زوجته مجرد زيتونة.
صارت قطعة من ذاكرة زوجها، وجزءاً من حكاية عائلتها، وشاهداً على معنى الأرض حين تتحوّل إلى آخر ما يحتضن الإنسان.

الأرض التي لا تستطيع الحرب اقتلاعها من الذاكرة
في الجنوب اللبناني، لا تُقاس الأرض بمساحتها وحدها.
ليست مجرد حدود مرسومة على خريطة، أو عقار يحمل رقماً في السجلّات. إنها المكان الذي تتشكّل فيه ذاكرة العائلة، وحيث تمتدّ الجذور من جيل إلى آخر.
تلك العلاقة التي تجعل الإنسان يعرف أشجاره كما يعرف أبواب بيته، ويعود إلى أرضه في كل موسم، حتى لو لم يكن ينتظر منها سوى ما يكفي لمونة الشتاء.
ولهذا، فإنّ خسارة الأرض لا تعني خسارة مصدر رزق فحسب.
إنها تهديد لذاكرة كاملة؛ للمكان الذي عاش فيه الآباء، وللأشجار التي زرعوها، وللبيوت التي احتضنت أولادهم، وللحقّ في أن يبقى الإنسان حيث ينتمي.
حين يُجبَر الجنوبي على مغادرة قريته، لا يحمل معه أثاث منزله وبعض حاجاته فقط. يحمل قلقاً على أرض تركها وراءه، وعلى شجرة قد لا يستطيع العودة إليها، وعلى بيت لا يعرف إن كان سيجده كما تركه.
فالاحتلال لا يُقاس فقط بعدد المواقع العسكرية التي يسيطر عليها، بل بما يفرضه وجوده على الحياة اليومية للناس.
حين يُمنع مزارع من الوصول إلى حقله، وحين يخشى أهل قرية العودة إلى بيوتهم، وحين يصبح قطاف الزيتون مرتبطاً بالخطر والتنسيق الأمني، تتحوّل العلاقة الطبيعية بين الإنسان وأرضه إلى حقّ يحتاج إلى من يحميه.
وهذه هي المأساة التي تتجاوز حكاية امرأة واحدة في جبشيت.
أن تصبح العودة إلى الأرض أمنية، بعدما كانت أمراً بديهياً.
وأن يحتاج الإنسان إلى ضمانات ليقف تحت شجرة زرعها أهله، أو ليجمع محصولاً نضج في أرضه، أو ليفتح باب منزل لم يكن ينبغي أن يُحرَم منه أصلاً.

زيتونةٌ في وجه النسيان
ليس للزيتونة سلاح، ولا تستطيع أن تصدّ جيشاً أو توقف حرباً.
كل ما تملكه جذور تتشبث بالتراب، وأغصاناً تمتدّ نحو الضوء.
لكنّ لهذه البساطة معنى عميقاً في أرضٍ عرفت الاحتلال والتهجير والدمار.
فالشجرة التي تبقى، تُبقي معها شيئاً من هوية المكان. وحين يعود أصحاب الأرض ليقطفوا ثمارها، فإنهم لا يستعيدون محصولاً فحسب، بل يستعيدون جزءاً من حياتهم التي حاولت الحرب تعطيلها.
ليس لأنّ الزيتون قادر على إنهاء الاحتلال، بل لأن بقاء العلاقة بين الناس وأرضهم يجعل الاقتلاع أصعب من مجرد إفراغ المكان من سكانه.
في جبشيت، تحمل الزيتونة التي ظلّلت جثمان الشهيد معنى أشدّ خصوصية.
فقد ارتبط وجودها بغياب رجل عن عائلته، لكنّها لم تتحوّل في ذاكرة زوجته إلى رمز للموت وحده.
إنها أيضاً صورة للأرض التي بقيت حاضرة، حين غاب صاحب الحكاية.
وهنا تتداخل الذاكرة مع الانتماء.
فالشهيد لا يعود إلى بيته، لكنّ حكايته تبقى في الأرض التي شهدت أيامه الأخيرة. والشجرة لا تروي ما حدث، لكنها تحتفظ بمكانها في ذاكرة من عرفوا الحكاية.
لا تستطيع الحرب أن تمحو هذه الصلة بسهولة، لأنّ الانتماء إلى الأرض لا يتوقف عند حدود الملكية أو المنفعة.
إنه امتداد الإنسان في المكان، حتى بعد رحيله.

حقّ الأرض ليس منّةً من أحد
على امتداد القرى الجنوبية، ما زال الوصول إلى بعض الأراضي الزراعية تحدياً يواجه أصحابها.
فالأضرار التي خلّفتها الاعتداءات الإسرائيلية، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، والقيود والمخاطر التي تحيط بالعودة، جعلت من ممارسة حق بسيط، مثل قطاف الزيتون، مسألة تتجاوز الشأن الزراعي.
ولم يعد مستغرباً أن يُطرح الوصول إلى الحقول على طاولة الجهات الرسمية والدولية، أو أن تُبذل جهود لتأمين مرور المزارعين إلى أراضيهم.
لكنّ المفارقة موجعة.
كيف يصبح وصول الإنسان إلى أرضه مسألة تحتاج إلى ترتيبات استثنائية؟
وكيف يتحوّل موسم الزيتون، الذي يفترض أن يجمع العائلات حول الأشجار، إلى مناسبة يرافقها الخوف من عدم القدرة على بلوغها؟
إن حقّ الجنوبي في أرضه لا ينبغي أن يكون رهناً بموسم، ولا بظرف أمني عابر، ولا بإرادة قوة تحتلّ أرضاً لبنانية.
فالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، وعودة السكان الآمنة إلى منازلهم وحقولهم، ليست مطالب منفصلة عن حياة الناس.
إنها الشروط الأساسية لكي يعود الجنوب مكاناً يستطيع أهله أن يعيشوا فيه، لا مجرد أرض يحلمون بالوصول إليها.
فما قيمة أن يمتلك المرء بستاناً إذا كان ممنوعاً من دخوله؟ وما معنى أن تبقى الأشجار مثمرة إذا كان أصحابها عاجزين عن قطافها؟
وما جدوى الحديث عن عودة الحياة، إن لم يكن للإنسان حقّ أن يعيش فوق أرضه بحرية وأمان؟
ليس المطلوب من الجنوبي أن يعتاد الفقد
في كل مرة يتعرض فيها الجنوب للحرب، تعود الكلمات نفسها: الصمود، والتضحية، والتشبث بالأرض.
لكنّ وراء هذه الكلمات أثماناً بشرية لا يمكن اختصارها بالشعارات.
هناك أطفال يكبرون من دون آبائهم، ونساء فقدن شركاء حياتهنّ، وعائلات هجّرتها الحرب مراراً، وأشجار زيتون بقيت تنتظر أصحابها.
وليس من العدل أن يُطلب من الناس أن يحوّلوا الألم إلى عادة، أو أن يصبح تحمّل الخسارة جزءاً طبيعياً من حياتهم.
فالجنوبي الذي يتمسّك بأرضه لا يطالب بحياة استثنائية.
إنه يريد أن يزرع ويحصد، وأن يعود إلى بيته، وأن يربّي أبناءه من دون خوف، وأن يرى ثمار أشجاره تنضج من دون أن يخشى ضياع الموسم أو فقدان الأرض.
يريد حياة بسيطة، لكنها صارت في ظل الحروب المتكررة مطلباً كبيراً.
وحين تُرفع المطالبة بإنهاء الاحتلال، فإن معناها الإنساني لا ينفصل عن هذه التفاصيل.
أن يعود الناس إلى قراهم من دون حواجز مفروضة عليهم، وأن يزرعوا من دون تهديد، وأن يكبر أطفالهم في بيوت آمنة، وأن لا تكون الأرض سبباً دائماً للخوف والانتظار.
فالأرض لا تتحرر في معناها الإنساني الكامل إلا حين يستطيع أهلها العيش عليها، وحين تعود المدارس والبيوت والحقول والطرقات إلى أصحابها، وحين يصبح المستقبل حقّاً للأحياء، لا مجرد ذكرى للذين رحلوا.

من أجل الذين رحلوا… ومن أجل الذين بقوا
في جبشيت، تقطف المرأة الزيتون من أرضها.
ربما تبدو هذه الصورة أصغر من أن تختصر حكاية الجنوب، لكنها تحمل شيئاً من معناها العميق.
فالأرض التي عرفت الفقد ما زالت تُثمر، والبيت الذي غاب عنه الأب ما زال يحتاج إلى مونة وزيت، والطفلان اللذان يكبران سيبقى لهما حقّ معرفة الأرض التي انتمى إليها والدهما.
ليس مطلوباً منهما أن يرثا وجع الحرب، ولا أن تصبح طفولتهما امتداداً دائماً للخسارة.
من حقهما أن يرثا الأرض بما تعنيه من بيت وحياة وأمان، لا بما تحمله من خوف وغياب فقط.
وهنا تتجلّى مسؤولية أكبر من قدرة امرأة واحدة على الاحتمال.
أن يُصان حقّ أهل الجنوب في العودة، وأن تنتهي السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أراضيهم، وأن تتوافر لهم ظروف الحياة الكريمة، حتى لا تصبح تضحيات الأجيال السابقة مقدمةً لمعاناة أجيال جديدة.
فالتمسّك بالأرض لا يعني قبول الموت قدراً يومياً عليها.
بل يعني، قبل أي شيء، الإصرار على أن تبقى أرضاً صالحة للحياة.
حين تعود الأرض إلى أهلها
سينتهي موسم الزيتون.
ستُجمع الثمار، ويُعصر الزيت، وتُحضّر مونة البيوت. وستعود الأشجار إلى انتظار خريف جديد، كما فعلت طوال سنوات عمرها.
لكنّ الزيتونة التي ظلّلت جثمان الشهيد ستبقى تحمل معناها الخاص في ذاكرة زوجته.
تلك الشجرة التي لم تستطع أن تمنع الغياب، لكنها منحت جسده ظلّاً، ستكون شاهداً على حكاية رجل رحل، وعلى علاقة امرأة بأرض لا تستطيع الحرب أن تنتزعها من ذاكرتها.
وفي الجنوب، لكل عائلة تقريباً ما تحتفظ به الأرض من حكاياتها؛ بيت، أو شجرة، أو حقل، أو طريق كان يعبره شخص لم يعد موجوداً.
لكنّ الأرض لا ينبغي أن تتحوّل إلى متحف مفتوح للأحزان.
يجب أن تبقى مكاناً للحياة.
أن يقطف الناس زيتونهم بلا خوف، وأن يعود المزارعون إلى حقولهم بلا عوائق عسكرية، وأن تكبر الأجيال الجديدة وهي تعرف معنى الأرض من أشجارها وثمارها وبيوتها، لا من صور الخراب وحدها.
فلا يكفي أن تبقى الزيتونة واقفة، إذا ظلّ أهلها محرومين من الأمان.
ولا يكفي أن تنجو الأرض من الموت، إذا لم يجد أصحابها طريقاً آمناً للعودة إليها.
في جبشيت، كانت هناك شجرةٌ ظلّلت جثمان شهيد ثلاثة أشهر. واليوم، تبقى الحكاية أكبر من الشجرة والظلّ والغياب؛ إنها حكاية حقّ شعبٍ في أرضه، وحقّ أرضٍ في أن تعود إلى أهلها، بعيداً عن الاحتلال والحرب.
فالأرض التي احتضنت شهداءها تستحقّ أن تحتضن أبناءها أحياءً… أحراراً وآمنين.


