بين رفوف الكتب وشاشات الهواتف، تعيش بيروت مفارقة ثقافية لافتة. فبينما تتسارع التكنولوجيا ويختصر الذكاء الاصطناعي مئات الصفحات في ثوانٍ، يعود معرض بيروت العربي الدولي للكتاب ليستقبل القرّاء والكتّاب والناشرين. لكن خلف مشاهد الإقبال والاحتفاء بالثقافة، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل ما زال الكتاب الورقي قادراً على الحفاظ على مكانته، أم أن المعارض أصبحت آخر المساحات التي تذكّرنا بعلاقة تتغير بين الإنسان والقراءة؟

بيروت تعود إلى موعدها مع الكتاب
في مدينة أنهكتها الأزمات الاقتصادية والحروب والتحولات الاجتماعية، تبدو العودة إلى الكتاب حدثاً يتجاوز حدود النشاط الثقافي التقليدي.
من التاسع حتى الثامن عشر من تشرين الأول 2026، تستضيف واجهة بيروت البحرية الدورة السابعة والستين من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في مركز «سي سايد أرينا»، بمشاركة نحو 163 دار نشر، بينها 23 داراً عربية، وبرنامج ثقافي يضم أكثر من 95 ندوة ولقاءً بمشاركة نحو 280 شخصية فكرية وأدبية وفنية، وفق الأرقام التي أعلنها المنظمون قبل الافتتاح.
ويكتسب المعرض هذا العام أهمية إضافية مع توحيد جهود النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان، بعد سنوات شهدت تنظيم معارض منفصلة، في محاولة لاستعادة الزخم الثقافي والتجاري لقطاع النشر.
لكن أهمية المعرض لا تكمن في عدد الأجنحة أو الندوات وحده، بل في قدرته على استعادة جمهور يعيش تحت ضغط اقتصادي متواصل، وفي زمن تتنافس فيه الكتب مع الشاشات والمنصات الرقمية على وقت الإنسان وانتباهه.

حركة لافتة… لكن هل تعني عودة القراءة؟
شهدت الأيام الأولى من المعرض حركة زوار ملحوظة، بحسب التغطيات الصحفية وبيانات المنظمين.
فقد سُجّلت مشاركة نحو 800 طالب وطالبة في نشاطات اليوم الثاني، ونحو 600 في اليوم الثالث، إلى جانب حضور القراء والمهتمين بالندوات وحفلات التوقيع.
كما أشارت تغطية لصحيفة «النهار» إلى إقبال لافت على شراء الكتب خلال اليومين الأولين، رغم الأعباء المعيشية التي تتزامن مع بداية العام الدراسي والاستعداد لموسم الشتاء.
لكن مشاهد الازدحام، مهما بدت مشجعة، لا تكفي وحدها للحكم على صحة سوق الكتاب.
فزيارة المعرض لا تعني بالضرورة شراء الكتب، وشراء كتاب واحد لا يكشف حجم الإنفاق الثقافي أو انتظام عادة القراءة.
ومن دون بيانات تفصيلية عن المبيعات وعدد النسخ المباعة ومتوسط الإنفاق، يصعب تحديد ما إذا كانت الحركة الحالية تعكس انتعاشاً اقتصادياً لقطاع النشر، أم اهتماماً ثقافياً واجتماعياً لا يتحول بالضرورة إلى عائدات كافية.
وهنا تكمن إحدى المفارقات: قد ينجح المعرض في جذب الجمهور، فيما يستمر الناشر في مواجهة أزمة السوق.
أسماء وكتب تعيد تشكيل المشهد الثقافي
لا يقتصر المعرض على بيع الكتب، بل يشكل مساحة للقاء المباشر بين المؤلف والقارئ، وللنقاش حول الأدب والتاريخ والسياسة والفكر.
ومن أبرز الأسماء المشاركة الروائي الجزائري واسيني الأعرج، الذي حضر في لقاء حول التاريخ والحكاية، وشارك مع الروائي الأردني جلال برجس في نقاش تناول أثر الجوائز الأدبية في الكتابة ومكانة الأدب.
كما شهد البرنامج مشاركة الروائي اللبناني رشيد الضعيف في ندوة ناقشت ثلاثيته الروائية الأخيرة: «ندم إبليس»، و«الوجه الآخر للظل»، و«الأميرة والخاتم»، في قراءة نقدية للعلاقة بين الأسطورة والسرد المعاصر.
وحضرت أيضاً الروائية نجوى بركات في برنامج المعرض من خلال لقاء بعنوان «كيف تُكتب رواية؟»، فيما شملت الأسماء الأدبية والفكرية طارق العريس، وعباس بيضون، وشربل داغر، والحبيب السالمي، وريم بسيوني، إلى جانب باحثين وأكاديميين من اختصاصات متعددة.
أما الكتب التي حظيت بمساحات للنقاش، فتنوعت بين «الرؤيوي: كمال جنبلاط» لميشال كعدي، و«عقد الستينيات الفريد» لخالد زيادة، و«مذكرات مروان حماده: لبنان عسل ودم»، و«أهل الماء والنار» لطارق العريس.
وشهدت الفعاليات أيضاً إطلاق النسخة الرابعة من كتاب «لبنان كما نحلم به» لعام 2026، الذي يضم 144 نصاً من إبداعات الطلاب، في مبادرة تمنح الأجيال الشابة مساحة للتعبير عن رؤيتها للبنان.
هذه العناوين تمثل نماذج بارزة من البرنامج الثقافي، وليست ترتيباً للكتب الأكثر مبيعاً، إذ لا تتوافر حتى الآن قائمة موثقة بالإصدارات الأعلى مبيعاً خلال الدورة.

الكتاب في مواجهة الذكاء الاصطناعي
ربما يكون التحدي الأعمق الذي يواجه معرض بيروت اليوم مختلفاً عن التحديات التي واجهها قبل عشرين أو ثلاثين عاماً.
فالمنافس لم يعد التلفزيون وحده، ولا حتى مواقع التواصل الاجتماعي، بل أنظمة قادرة على تلخيص كتاب كامل، والإجابة عن أسئلة القارئ، واقتراح الأفكار، وإنتاج نصوص جديدة خلال ثوانٍ.
لم يعد الوصول إلى المعلومة يتطلب بالضرورة شراء كتاب أو زيارة مكتبة.
لكن هل الحصول على المعلومة يعادل القراءة؟
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم ملخصاً لرواية، لكنه لا يضمن نقل تجربتها الجمالية كاملة. ويمكنه اختصار أطروحة فلسفية، لكنه لا يعوّض بالضرورة مسار التفكير والتأمل الذي يبنيه النص الأصلي.
فالقراءة ليست مجرد استخراج معلومات، بل عملية ذهنية تتضمن الفهم والتفسير والمقارنة والتساؤل.
وفي كلمة ألقاها خلال افتتاح المعرض، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى المفارقة بين قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج النصوص بسرعة، وبين الكتاب الذي يحتاج إلى وقت للكتابة والقراءة والفهم.
هذه المفارقة تختصر جانباً من التحدي الثقافي الراهن: التكنولوجيا تختصر الوقت، بينما تتطلب القراءة المتعمقة استثماره.
لكن تصوير العلاقة باعتبارها حرباً بين الورق والتكنولوجيا قد يكون مضللاً.
فالكتاب الإلكتروني، والمكتبات الرقمية، والتطبيقات الصوتية، يمكن أن توسع الوصول إلى المعرفة، خصوصاً لمن تعيقهم المسافات أو الأسعار أو صعوبات الحصول على المطبوعات.
المشكلة ليست في الشاشة بحد ذاتها، بل في نوع العلاقة التي نبنيها مع المحتوى: هل نقرأ لنفهم، أم نستهلك المعلومات بسرعة قبل الانتقال إلى ما يليها؟
الورق ليس مجرد وسيلة قديمة
رغم الانتشار الواسع للأجهزة الرقمية، ما زال الكتاب الورقي يحتفظ بخصائص يصعب اختزالها في وظيفته المعلوماتية.
فالكتاب المطبوع مادة ملموسة، لها تصميمها ووزنها وغلافها وطريقة تصفحها. وهو أيضاً جزء من ذاكرة شخصية وثقافية، ينتقل بين الأفراد والأجيال، ويحمل أحياناً ملاحظات القراء وآثار استخدامهم.
لكن الدفاع عن الكتاب الورقي لا ينبغي أن يتحول إلى رفض للتكنولوجيا أو إلى افتراض أن القراءة على الورق أفضل دائماً في كل الظروف.
فالوسيط الرقمي يوفر مزايا حقيقية، من سهولة البحث وتعديل حجم الخط إلى إمكان حمل مكتبة كاملة على جهاز صغير.
وقد تكون المشكلة الأساسية في تراجع الوقت المخصص للقراءة المتأنية، سواء جرت على الورق أو الشاشة.
وهنا يصبح مستقبل الكتاب مرتبطاً بثقافة القراءة نفسها، لا بمادة الصفحات وحدها.

الكتاب الذي ينافس رغيف الخبز
إذا كانت التكنولوجيا تحدياً ثقافياً، فإن الأزمة الاقتصادية تمثل تحدياً مباشراً لشراء الكتب.
في تقرير نشرته «الجزيرة نت» بالتزامن مع المعرض، تراوحت أمثلة الأسعار بين كتب للأطفال بنحو خمسة دولارات وروايات قد يبلغ ثمنها عشرين دولاراً أو أكثر، وفق نوع الإصدار.
وفي بلد تتراجع فيه القدرة الشرائية، يصبح تخصيص مبلغ لشراء الكتب قراراً يخضع لحسابات المعيشة اليومية.
وقد نقل التقرير عن جورج قسيس، من «مكتبة لبنان ناشرون»، ملاحظته تراجع الإقبال على الكتب بفعل الضغوط الاقتصادية والتحولات التكنولوجية.
لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة أن اللبنانيين فقدوا اهتمامهم بالقراءة.
فقد يرغب القارئ في اقتناء خمسة كتب، لكنه يشتري واحداً. وقد يستبدل النسخة الجديدة بكتاب مستعمل، أو يلجأ إلى المكتبات العامة أو النسخ الرقمية.
وهكذا يصبح الفارق بين الرغبة في القراءة والقدرة على شراء الكتب أساسياً لفهم السوق.
ولا يمكن تحميل القارئ وحده مسؤولية تراجع المبيعات، كما لا يمكن مطالبة الناشر بخفض الأسعار دون النظر إلى تكاليف الطباعة والتوزيع والترجمة وحقوق النشر.
إنها أزمة تمس سلسلة إنتاج الكتاب بأكملها.
هل تكفي عشرة أيام لإنقاذ سوق النشر؟
يشكل توحيد الناشرين تحت سقف واحد خطوة تنظيمية مهمة، لكنه لا يحل وحده مشكلات القطاع.
فالناشر يحتاج إلى سوق تعمل طوال العام، لا إلى موسم قصير من النشاط. والكاتب يحتاج إلى قنوات توزيع تتيح وصول أعماله إلى القراء، فيما يحتاج القارئ إلى مكتبات وأسعار مناسبة وبرامج تشجع القراءة.
وخلال التحضيرات للمعرض، عرضت وزارة الثقافة خططاً تتعلق برقمنة المكتبة الوطنية وتجديد محتويات نحو 57 مكتبة في المناطق اللبنانية، إلى جانب العمل على مواجهة قرصنة الكتب ودعم الحضور الخارجي للناشرين.
وتشير هذه المبادرات إلى أن مستقبل الكتاب لا يرتبط بالمعارض وحدها، بل بالسياسات الثقافية والتعليمية والبنية التحتية للقراءة.
لكن نجاح هذه الخطط يبقى مرهوناً بتنفيذها وقياس نتائجها.
فكم عدد المكتبات العامة القادرة على استقبال القراء بانتظام؟ وما حجم الإنفاق العام على شراء الكتب؟ وهل تتوافر برامج مستمرة لدعم القراءة في المدارس والجامعات؟
هذه أسئلة ينبغي أن تكون جزءاً من النقاش حول مستقبل الثقافة في لبنان.
الشباب… بين الشاشة والصفحة
من أبرز ما يميز الدورة الحالية حضور النشاطات الطلابية وورش العمل المرتبطة بالكتاب والفنون.
فإلى جانب اللقاءات الأدبية، يتضمن المعرض أنشطة للأطفال والناشئة، ومساحات تتصل بتصميم الأغلفة والطباعة والتجليد والحروف، بمشاركة طلاب من اختصاصات الفنون الغرافيكية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة، لأنه يعيد تقديم الكتاب بوصفه نتاجاً ثقافياً وبصرياً وصناعياً، لا مجرد نص يمكن عرضه على شاشة.
لكن زيارة الطلاب للمعرض لا تضمن وحدها بناء جيل قارئ.
فالعلاقة مع الكتاب تحتاج إلى استمرارية داخل المدرسة والمنزل والمكتبة العامة، وإلى محتوى يتصل بأسئلة الشباب واهتماماتهم.
كما أن وجود الشباب على المنصات الرقمية لا يعني أنهم ابتعدوا تلقائياً عن القراءة؛ فقد تغيرت أشكالها ووسائطها.
والتحدي الحقيقي هو تحويل الوصول السريع إلى المحتوى إلى معرفة أعمق، وتشجيع القدرة على التفكير النقدي في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف.
بيروت عاصمة الكتاب… أم مدينة تستعيد ذاكرتها؟
منذ انطلاقه عام 1956، شكّل معرض بيروت للكتاب جزءاً من الحياة الثقافية اللبنانية والعربية.
وقد واجه انقطاعات فرضتها أزمات البلاد، بينها أحداث 2019، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، قبل استئناف تنظيمه في عام 2022.
ومع كل عودة، يتجدد الحديث عن مكانة بيروت الثقافية.
لكن الحفاظ على هذه المكانة لا يتحقق بالشعارات وحدها.
فالعاصمة الثقافية ليست فقط المدينة التي تستضيف الكتّاب، بل المدينة التي تتيح لسكانها الوصول إلى المعرفة، وتحمي مكتباتها ودور نشرها، وتمنح الإنتاج الفكري مساحة للاستمرار.
ومن هنا، فإن نجاح المعرض ينبغي ألا يُقاس فقط بعدد الزوار أو الشخصيات المشاركة، بل بقدرته على ترك أثر يتجاوز أيامه العشرة.
هل يموت الكتاب الورقي؟
ربما يكون السؤال نفسه غير دقيق.
فالكتاب الورقي لا يحتاج إلى الانتصار على التكنولوجيا كي يستمر، كما أن انتشار الكتب الرقمية لا يعني بالضرورة اختفاء المطبوعات.
الأرجح أن مستقبل القراءة سيشهد تعايشاً بين وسائط متعددة، يختار القارئ بينها وفق حاجاته وإمكاناته وتفضيلاته.
لكن الخطر الحقيقي قد لا يكون في اختفاء الورق، بل في تحول القراءة المتعمقة إلى ممارسة أقل حضوراً في الحياة اليومية، أو إلى امتياز لا يستطيع الجميع تحمل كلفته.
ويضع معرض بيروت للكتاب هذه الأسئلة أمام مدينة لا تزال تحاول الحفاظ على دورها الثقافي وسط أزمات متراكمة.
فالإقبال على المعرض مؤشر مشجع إلى استمرار الاهتمام بالكتاب، لكنه ليس دليلاً كافياً على تعافي سوق النشر، ولا ضمانة لاستمرار عادة القراءة.
في النهاية، ليست المعركة بين كتاب ورقي وشاشة مضيئة، بل بين مجتمع يجد وقتاً ومساحة للمعرفة، وآخر تستهلك يومه الأزمات والسرعة والمعلومات العابرة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه بيروت بعد انتهاء المعرض ليس كم كتاباً بيع خلال عشرة أيام، بل كم قارئاً سيواصل القراءة في الأيام التي تليها.


