في لبنان، لا تعني العتمة دائماً غياب الكهرباء. أحياناً تعني غياب الإجابة.
فحين ينقطع التيار الرسمي، تتحول المولّدات الخاصة إلى مصدر أساسي للطاقة لدى الكثير من العائلات والمؤسسات. ومع هذا الاعتماد، لا تعود العلاقة بين المواطن ومشغّل المولّد مجرد عملية بيع وشراء، بل تصبح علاقة تتصل بالحياة اليومية والقدرة على العمل والاستقرار المعيشي.
في صيدا ومحيطها، باتت هذه العلاقة موضوعاً لقرارات بلدية وإجراءات رقابية وتدخلات قضائية معلنة.
غير أن مراجعة البيانات المنشورة خلال عامَي 2025 و2026 تكشف مفارقة تستحق التوقف عندها: هناك نشاط رسمي واضح في مراقبة التسعيرات وتسطير محاضر الضبط، لكن المعلومات العلنية التي أمكن الوصول إليها لا تقدّم حصيلة متكاملة عن نتائج تلك المحاضر، أو العقوبات النهائية، أو مدى معالجة حقوق المتضررين.
وهنا يبدأ السؤال الاستقصائي.
ليس السؤال ما إذا كانت السلطات تتحرك؛ فالبيانات تؤكد أنها تتحرك. إنما السؤال عن الطريق الذي تسلكه المخالفة بعد توثيقها، وعن النتائج التي تتركها تلك الإجراءات على الأرض.
أيلول الساخن: ثلاث موجات من محاضر الضبط
لم يكن أيلول 2026 شهراً عادياً في السجل الرقابي المعلن لقطاع المولّدات الكهربائية في الجنوب.
فخلال ثلاثة أسابيع، تناقلت وسائل إعلام لبنانية ثلاثة بيانات عن حملات تفتيش وتسطير محاضر بحق مشغّلين خالفوا التسعيرة الرسمية.
في السابع من أيلول، أعلنت مصلحة الاقتصاد في الجنوب تنظيم تسعة محاضر ضبط بعد متابعة شكاوى مواطنين والتحقق من التسعيرات في بلدات ضمن قضائي صيدا وصور.
وشملت البلدات المذكورة عين الدلب والصالحية وحارة صيدا والصرفند، إلى جانب بلدات في قضاء صور، بينها دير قانون النهر والشهابية وعين بعال وباتوليه وصديقين والشعيتية ومدينة صور.
وأفاد البيان بإيداع نسخ من المحاضر لدى المخافر المختصة جغرافياً، بهدف متابعة الإجراءات القانونية بالتنسيق مع النيابة العامة في الجنوب.
بعد يومين، في التاسع من أيلول، تكرّر المشهد.
هذه المرة أُعلن عن ثمانية محاضر ضبط جديدة عقب مداهمات وتدقيق في فواتير اشتراكات المولّدات، بمؤازرة عناصر من أمن الدولة. وشملت المناطق الواردة في الإعلان الخرايب والمعمرية والعدوسية وبرج الشمالي وعبرا وصيدا وبقسطا.
ثم جاء الحادي والعشرون من أيلول بإعلان أكثر اتساعاً.
فقد نُقل عن مصلحة الاقتصاد والتجارة في الجنوب تنظيم 14 محضر ضبط بحق أصحاب مولّدات، بعد عمليات رقابية نُفّذت بالتعاون مع المديرية العامة لأمن الدولة وقوى الأمن الداخلي، وبإشارة من المدعي العام في الجنوب القاضي زاهر حمادة.
وشملت المناطق المذكورة في هذا الإعلان صيدا وحارة صيدا والبرامية والفيلات والقياعة ومجدليون وبدياس وطورا وبرج رحال وجويا وباتوليه.
ثلاث موجات رقابية، وثلاثة أرقام: تسعة، وثمانية، وأربعة عشر.
أي إن البيانات أعلنت عن 31 محضر ضبط في مجموع هذه الموجات الثلاث. لكن هذا المجموع لا يعني بالضرورة وجود 31 مشغّلاً مختلفاً، إذ لم تتوافر بيانات تفصيلية كافية للتحقق من احتمال تكرار بعض المشغّلين أو المواقع بين الحملات.
كذلك، توزعت العمليات على صيدا وأجزاء مختلفة من الجنوب، ولا يصحّ نسبتها جميعاً إلى مدينة صيدا وحدها.
هذه الفروق ليست تفاصيل ثانوية. فهي ضرورية لمعرفة حجم المخالفات الحقيقي، وتكرارها، والنطاق الجغرافي الذي بلغته.
من المحضر إلى المحكمة… أين تنتهي الطريق؟
في الإجراءات الرقابية، يشكّل محضر الضبط توثيقاً رسمياً لمخالفة رصدتها الجهة المختصة. لكنه لا يمثّل، بحد ذاته، حكماً قضائياً نهائياً أو دليلاً على تنفيذ عقوبة.
وهنا تكمن الحلقة التي لم تستطع مراجعة المصادر المنشورة إغلاقها.
فما عدد المحاضر التي استكملت مسارها القضائي؟ وكم ملفاً لا يزال قيد النظر؟ وهل انتهى بعضها إلى أحكام أو غرامات أو إجراءات إدارية؟ وهل جرى تصحيح مخالفات أو إعادة مبالغ لأصحاب الحقوق؟
هذه الأسئلة لا تعني أن الملفات أُهملت، كما لا تسمح بالقول إن المخالفين أفلتوا من المحاسبة.
لكن غياب حصيلة منشورة يمكن التحقق منها يجعل تقييم فعالية الرقابة أمراً صعباً.
فالمحاسبة ليست رقماً يظهر في بيان، بل سلسلة إجراءات تبدأ بالكشف عن المخالفة، وتمرّ بالتحقيق والدفاع والإثبات، وقد تنتهي بتدبير أو حكم وفق القانون.
أما الخبر الصحافي الذي يتوقف عند عبارة «تسطير محاضر»، فلا يتيح للمواطن معرفة النتيجة النهائية.
ولذلك، فإن نشر بيانات إحصائية دورية عن مآل الملفات، ضمن حدود السرية القضائية وحماية الحقوق، يمكن أن يشكّل خطوة أساسية لتعزيز الشفافية.
تسعيرة من الوزارة… وأخرى مشروطة في صيدا
في الأول من تشرين الأول 2026، أصدرت وزارة الطاقة والمياه تسعيرة المولّدات الخاصة عن شهر أيلول.
وحددت الوزارة السعر الأساسي للمشتركين بالعدادات في المدن عند 52,840 ليرة لبنانية لكل كيلوواط ساعة، مع رسم ثابت قدره 385 ألف ليرة لاشتراك خمسة أمبير و685 ألف ليرة لاشتراك عشرة أمبير.
كما حددت تعرفة أخرى تبلغ 58,124 ليرة للكيلوواط ساعة في الحالات المشمولة بشروط خاصة، منها امتداد شبكة التوزيع لأكثر من 300 متر، أو وجود المولّد ضمن فئة القرى التي يزيد ارتفاعها على 700 متر، وفق صياغة البيان.
واستندت الوزارة في احتساب التسعيرة إلى متوسط سعر صفيحة المازوت خلال أيلول، البالغ نحو 2.675 مليون ليرة، مع احتساب تكاليف التشغيل والصيانة والاستهلاك وعناصر الكلفة الأخرى وهامش الربح.
وبعد يوم واحد، نشرت بلدية صيدا بيان لجنة تنظيم قطاع المولّدات الخاص بشهر أيلول.
أعاد البيان اعتماد رقم 52,840 ليرة للكيلوواط ساعة، واشترط ألّا تقل ساعات التغذية من المولّد عن 12 ساعة يومياً.
لكن البيان أضاف شرطاً لافتاً: عند تجاوز ساعات التغذية 17 ساعة يومياً، يصبح السعر 61 ألف ليرة للكيلوواط ساعة.
إنه فرق مالي ملموس، لكنه لا يشكّل تلقائياً مخالفة قانونية، لأن البلدية ربطته بمستوى مختلف من ساعات الخدمة.
المسألة التي تحتاج إلى تفسير هي السند التنظيمي والتقني لهذه الحالة، وكيفية انسجامها مع آلية التسعير الصادرة عن وزارة الطاقة.
ومن هنا تنشأ مجموعة من الأسئلة:
من يثبت أن المولّد وفّر فعلياً أكثر من 17 ساعة تغذية يومياً؟ وهل توجد سجلات تشغيل مستقلة؟ وهل يكفي تصريح المشغّل، أم يفترض وجود آلية تحقق معتمدة؟
وهل تطبّق المعايير نفسها في جميع أحياء المدينة، أم تختلف الظروف التشغيلية بين منطقة وأخرى؟
لم نجد ضمن الوثائق التي راجعناها شرحاً تفصيلياً يكفي للإجابة عن جميع هذه الأسئلة.
ولهذا، فإن المقارنة بين السعرين لا يجوز تحويلها إلى اتهام، لكنها تمثّل نقطة أساسية في التحقيق بشأن شفافية احتساب التعرفة.
تفصيل صغير في بيان رسمي… لكنه يستحق التوضيح
في نص بيان بلدية صيدا المنشور في 2 تشرين الأول، وردت إشارة إلى تسعيرة وزارة الطاقة عن شهر «آب»، مع اعتماد مبلغ 52,840 ليرة للكيلوواط ساعة.
غير أن تسعيرة آب التي أعلنتها وزارة الطاقة في 31 آب 2026 كانت 48,241 ليرة للكيلوواط ساعة في الفئة الأساسية، فيما يعود مبلغ 52,840 ليرة إلى تسعيرة أيلول.
قد تكون المسألة مجرد خطأ في تسمية الشهر داخل النص البلدي.
لكن في قطاع يعتمد على جداول شهرية متبدّلة، تصبح دقة المعلومة الرسمية ضرورة عملية، خصوصاً عند استخدامها مرجعاً للمشتركين والمشغّلين والجهات الرقابية.
ولا توجد لدينا أدلة على أن هذا التباين التحريري أدّى إلى تحصيل مبالغ خاطئة أو إلى تغيير فعلي في احتساب الاشتراكات.
يبقى المطلوب توضيحاً رسمياً يزيل الالتباس، ويضمن أن تكون البيانات المعتمدة متطابقة في تاريخها ومضمونها.
تعهدات قضائية… هل أصبحت واقعاً؟
تعود إحدى المحطات المهمة في هذا الملف إلى الثالث عشر من أيار 2026.
ففي ذلك اليوم، نشرت وسائل إعلام محلية بياناً عن زيارة وفد من لجنة تنظيم قطاع المولّدات في بلدية صيدا إلى المحامي العام المالي القاضي ماهر الزين، في قصر عدل بيروت.
وضم الوفد رئيس اللجنة وعضو المجلس البلدي أحمد شعيب، والمهندس بلال شعبان، وديب نحولي.
وبحسب البيان، تناول اللقاء تجاوزات نُسبت إلى بعض أصحاب المولّدات في صيدا وضواحيها، بما فيها مخالفة التسعيرة الرسمية، والعمل بنظام اشتراك ثابت من دون عداد، وقطع الاشتراكات عن مواطنين معترضين.
وتحدث البيان أيضاً عن توجّه لاستدعاء أصحاب المولّدات، سواء الملتزمين أو المخالفين، إلى مكتب مكافحة الجرائم المالية لتوقيع تعهدات بالالتزام بالتسعيرة، واعتماد العدادات، وعدم استيفاء مبالغ إضافية غير مبرّرة.
هذه تفاصيل مهمة لأنها تنقل الملف من مستوى المطالبة العامة بالالتزام إلى إجراءات وتعهدات يفترض أن يكون لها أثر قابل للتحقق.
لكن البيان لا يقدّم حصيلة لعدد من حضروا ووقّعوا بالفعل، ولا يحدد نتائج متابعة الالتزام بالتعهدات لاحقاً.
ومن هنا يبرز السؤال: هل توافرت آلية لمتابعة هذه التعهدات وتوثيق المخالفات اللاحقة لها؟
وإذا كان الهدف من التعهد ردع المخالفات، فما المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها لقياس نجاحه؟
الجواب يحتاج إلى إحصاءات ووثائق إضافية، وليس إلى التخمين.
ضريبة تحت المجهر… اتهامات تستلزم الإثبات
لم تقتصر الملفات التي تناولها لقاء أيار على التسعيرة وحدها.
فقد وجّه رئيس لجنة المولّدات أحمد شعيب، في تصريح منشور عقب اللقاء، اتهامات إلى بعض أصحاب المولّدات بإضافة ضريبة على القيمة المضافة بنسبة 11%، رغم عدم خضوعهم لها بحسب قوله.
وهذا اتهام يتصل بمسألة مالية وقانونية حساسة، لا يجوز تعميمه على جميع أصحاب المولّدات أو اعتباره ثابتاً بحق أي شخص محدد من دون مستندات ونتائج تحقيق مختصة.
من جهتها، شددت وزارة الطاقة، في بيان تسعيرة أيلول، على عدم جواز فرض ضريبة على القيمة المضافة غير مبررة قانونياً، أو رسوم إضافية للصيانة والشبكات، أو مبالغ خاصة بالمشتركين الذين يستخدمون الطاقة الشمسية إلى جانب المولّدات.
وتشير هذه الضوابط إلى تعدد البنود التي قد تدخل في النزاعات حول كلفة الاشتراك.
لكن التحقق من واقعة تحصيل ضريبة غير مستحقة لا يقتصر على وجود نسبة ضريبية في بيان أو تصريح، بل يستدعي التحقق من الوضع الضريبي للمشغّل، والمستندات المعتمدة، وطبيعة المبلغ المستوفى، ونتائج التدقيق الرسمي.
وبالتالي، فإن وجود اتهام علني لا يختصر الحاجة إلى الأدلة، ولا يلغي حق أي طرف في تقديم تفسيره أو الدفاع عن موقفه.
منذ 2025… الدولة تتحدث عن إجراءات صارمة
لم تبدأ تعليمات تنظيم القطاع في عام 2026.
ففي 23 أيلول 2025، أصدر وزير الاقتصاد والتجارة عامر بساط مذكرة رسمية موجّهة إلى جميع أصحاب المولّدات الخاصة، في سياق متابعة تعميم رئاسة مجلس الوزراء رقم 31/2025.
وشددت المذكرة على تركيب عدادات إلكترونية للمشتركين، واعتماد العدادات لاحتساب الاستهلاك، والتقيّد بالتسعيرة الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، وعدم فرض بدلات إضافية.
كما تناولت ضرورة ضمان التغذية خلال فترات انقطاع الكهرباء الرسمية، والامتثال للمعايير البيئية، والتعاون مع الأجهزة الرقابية.
وحذّرت الوزارة من إجراءات قد تشمل تنظيم محاضر ضبط، وحجز المولّدات أو مصادرتها وفق الأطر القانونية، وإحالة المخالفين إلى القضاء المختص.
إن مقارنة هذه المذكرة بالبيانات الصادرة خلال أيلول 2026 تطرح سؤالاً عن مدى التقدم المحقق منذ التشديد الرسمي السابق.
فهل ساهمت الإجراءات في تقليص عدد المخالفات؟ وهل تحسن الالتزام بتركيب العدادات؟ وهل امتدت الرقابة إلى جميع المناطق بالمستوى نفسه؟
لا يمكن الإجابة اعتماداً على عدد المحاضر المنشورة وحده.
فارتفاع عدد المحاضر قد يعني زيادة المخالفات، وقد يعكس تكثيف التفتيش، أو تحسناً في تلقي الشكاوى، أو مزيجاً من هذه العوامل.
ولتمييز هذه الاحتمالات، نحتاج إلى بيانات عن عدد عمليات التفتيش، ونسبة المخالفات المكتشفة، وعدد المشغّلين الذين خضعوا للرقابة، والنتائج اللاحقة للإجراءات.
عندما تتغيّر إدارة الشبكة… ماذا عن حقوق المشتركين؟
يكشف بيان آخر صادر عن بلدية صيدا بتاريخ 2 تشرين الأول 2026 عن جانب مختلف من واقع المولّدات الخاصة.
فقد أعلنت البلدية رعاية انتقال إدارة شبكة المولّدات في حي رجال الأربعين من «اشتراكات المصدر» إلى «اشتراكات العكاوي»، بموجب اتفاق وقّعه الطرفان وأُودعت نسخة منه لدى البلدية.
وأكدت البلدية أن انتقال الإدارة لا يرتب تكاليف إضافية على المشتركين، وأن المشغّل الجديد تعهّد باستبدال ما يلزم من علب وعدادات وقواطع، واعتماد العدادات دون نظام المقطوعية، وإصدار فواتير رسمية والالتزام بالتسعيرة البلدية.
كما أشار البيان إلى التزامات تتعلق بتأهيل الشبكة وإنارة شوارع الحي.
هذا الإعلان لا يشكّل دليلاً على مخالفة أو احتكار، لكنه يسلط الضوء على أهمية معرفة القواعد التي تنظّم انتقال إدارة شبكات تمسّ خدمات يومية للسكان.
فكيف تُحدَّد حقوق المشتركين عند انتقال الإدارة؟ ومن يتأكد من تنفيذ التعهدات المتعلقة بعدم فرض تكاليف جديدة؟ وكيف يمكن معالجة اعتراضات السكان إذا ظهرت لاحقاً؟
إن متابعة تنفيذ هذا الاتفاق يمكن أن تكشف مدى فعالية الرقابة البلدية على الالتزامات التشغيلية، بعيداً عن موضوع التسعير وحده.
المواطن بين الكهرباء والاعتراض
تطرح المولّدات الخاصة مسألة تتجاوز الجانب المالي.
فالكهرباء خدمة ضرورية للمنازل والمحلات التجارية والمرافق المختلفة. وعندما يعتمد المستهلك على مصدر محدود البدائل، تصبح إمكانية الاعتراض على شروط الخدمة جزءاً أساسياً من حماية حقوقه.
والإشارة التي وردت في تصريح لجنة المولّدات في أيار بشأن قطع الاشتراكات عن بعض المعترضين، إذا ثبتت في حالات محددة، ستكون ذات أهمية كبيرة.
لكننا لا نملك حالياً شهادات مباشرة أو وثائق مستقلة تسمح بتأكيد وقوع تلك الممارسات لدى مشغّلين بعينهم.
المسألة المطروحة، إذن، ليست إصدار حكم مسبق، بل معرفة ما إذا كانت توجد ضمانات عملية تحول دون استخدام قطع الخدمة بصورة تعسفية في النزاعات المالية، وكيف يمكن للمستهلك تقديم شكوى من دون التعرض لإجراء انتقامي.
وفي بيان تشرين الأول، أشارت بلدية صيدا إلى آلية لإحالة شكاوى المواطنين عبر المخافر إلى النيابة العامة الاستئنافية في الجنوب، في إطار التنسيق مع لجنة المولّدات ومصلحة الاقتصاد.
لكن إعلان وجود مسار للشكوى يختلف عن معرفة عدد المواطنين الذين استخدموه، والوقت الذي تستغرقه المعالجة، والنتائج التي انتهت إليها الشكاوى.
وهذه معلومات أساسية لتقييم مدى فاعلية الحماية المتاحة.
من المسؤول عن الرقابة فعلياً؟
يكشف تسلسل الوثائق عن تعدد الجهات التي تتدخل في ملف المولّدات.
وزارة الطاقة والمياه تتولى إعلان التسعيرة الشهرية وفق الآلية الحكومية المعتمدة.
وتتولى وزارة الاقتصاد والتجارة أدواراً رقابية تتصل بحماية المستهلك ومتابعة الالتزام بالتسعيرات والقواعد المعمول بها.
وتؤدي البلديات دوراً محلياً في تنظيم القطاع ومتابعة شؤون المشتركين والتنسيق مع الجهات المختصة.
أما الأجهزة الأمنية والنيابات العامة، فتظهر أدوارها في البيانات المتعلقة بالمؤازرة والإجراءات القانونية والملاحقات.
هذا التعدد قد يتيح تكامل الرقابة، لكنه يستدعي وضوحاً في توزيع المسؤوليات وتبادل المعلومات.
فعندما تُسطّر مخالفة، من يتولى متابعة تصحيحها؟ ومن يحتفظ بسجل الإجراءات اللاحقة؟ ومن يملك إبلاغ صاحب الشكوى بنتيجتها ضمن ما يسمح به القانون؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية، ليس لأن وجود جهات متعددة يعني بالضرورة وجود خلل، بل لأن فعالية أي نظام رقابي تقاس أيضاً بوضوح مسؤولية كل طرف.
ماذا تكشف الوثائق… وماذا لا تكشف؟
حتى 14 تشرين الأول 2026، تسمح المصادر المنشورة بتثبيت مجموعة من الوقائع:
هناك محاضر ضبط أُعلن عنها في حملات مختلفة خلال أيلول في صيدا ومناطق من الجنوب.
وهناك تدخلات رقابية وأمنية، وبيانات تشير إلى إجراءات قضائية واستدعاءات.
وهناك تسعيرة شهرية صادرة عن وزارة الطاقة، وضوابط محلية أعلنتها بلدية صيدا، ومذكرة سابقة من وزارة الاقتصاد بشأن العدادات والتسعير وحماية المستهلك.
وهناك أيضاً تصريحات رسمية ومحلية عن مخالفات مزعومة وإجراءات تعهد بالالتزام، إلى جانب اتفاق معلن لانتقال إدارة شبكة مولّدات في أحد أحياء صيدا.
لكن هذه الوثائق لا تكفي، في وضعها الحالي، لإثبات تورط جهات بعينها في حماية مخالفين، أو تعطيل ملفات قضائية، أو تحصيل أموال غير مستحقة في حالات لم تُفحص مستنداتها.
كما لا تكفي لمعرفة عدد الأحكام النهائية، أو حجم الأموال التي استعيدت للمشتركين، أو النسبة الفعلية للالتزام في القطاع.
وهذا الحد الفاصل بين الوقائع المثبتة والأسئلة المفتوحة هو ما ينبغي أن يحكم أي استنتاج صحافي.
السؤال الذي لا ينبغي أن يبقى في العتمة
ليس من الدقة القول إن الدولة غائبة تماماً عن ملف المولّدات في صيدا والجنوب.
فالبيانات المتاحة توثق حملات تفتيش ومحاضر ضبط وتنسيقاً بين جهات رسمية متعددة.
لكن لا يكفي وجود إجراء معلن كي نعرف مدى تأثيره.
فالرقابة الفعّالة تحتاج إلى نتائج قابلة للقياس، والمحاسبة تحتاج إلى إجراءات واضحة تحترم حقوق جميع الأطراف، والشفافية تحتاج إلى معلومات تمكّن الناس من تقييم أداء المؤسسات.
وبقدر ما يحق للمشترك معرفة السعر الذي سيدفعه، يحق له أيضاً أن يعرف كيف تتم مراقبة الخدمة التي يحصل عليها، وما هي سبل الاعتراض عندما يعتقد أن حقه قد انتُهك.
أما صاحب المولّد الملتزم، فمن مصلحته كذلك أن تكون القواعد واضحة وعادلة، وألّا تؤدي المخالفات غير المعالجة إلى منافسة غير منصفة.
في النهاية، ليست القضية سباقاً بين بيانات الوزارات والبلديات أو عدد المحاضر التي تظهر في الأخبار.
القضية هي ما إذا كانت هذه الإجراءات تنتج حماية ملموسة للمواطن، وتؤدي إلى تطبيق القواعد على الجميع دون استثناء.
وفي مدينة اعتادت أن تبحث عن الكهرباء كلما انطفأ التيار، يبقى السؤال الأخطر: هل نعرف حقاً ماذا يحدث بعد أن يُكتب محضر الضبط، أم أن الطريق من المخالفة إلى المحاسبة ما زال بحاجة إلى ضوء؟


