أعادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة طرح أسئلة جوهرية داخل المشهد الثقافي الفلسطيني بشأن دور الفن في أوقات الكارثة، وحدود قدرة المؤسسات الثقافية على الاستمرار في إنتاج المعرفة والجمال في ظل القتل والدمار، بين من رأى في التوقف موقفاً أخلاقياً تفرضه فداحة اللحظة، ومن تمسّك باستمرار النشاط الثقافي باعتباره وسيلة للتعبير والتوثيق والحفاظ على تماسك المجتمع.
وخلال حلقة نقاش نظمتها مؤسسة عبد المحسن القطان، استعرض ممثلون عن مؤسسات ثقافية فلسطينية تجاربهم منذ اندلاع الحرب، والتحديات التي فرضتها على طبيعة عملهم وعلاقتهم بالجمهور والفنانين، إلى جانب التحولات التي طرأت على نظرة المجتمع إلى الفنون ووظيفتها في زمن الحرب.
وقالت مسؤولة الإعلام في المتحف الفلسطيني، سُرى أبو الرب، إن المتحف اتخذ قراراً بإغلاق أبوابه أمام الجمهور لأكثر من أربعة أشهر في بداية الحرب، في ظل حالة من الصدمة وشعور بعدم القدرة على تقديم فعل ثقافي يتناسب مع حجم ما يجري في قطاع غزة.
وأوضحت أن السؤال الذي واجه المؤسسة في تلك المرحلة لم يكن مرتبطاً فقط بإمكانية الاستمرار في تنظيم المعارض والأنشطة، وإنما بجدوى الفعل الثقافي نفسه أمام حجم الخسارة الإنسانية والدمار، وما إذا كان من الممكن مواصلة العمل بالأدوات المعتادة في ظل واقع استثنائي بهذا الحجم.
لكن المتحف عاد لاحقاً إلى نشاطه من خلال معرض “هذا ليس معرضاً”، في محاولة لإعادة التفكير في شكل الحضور الثقافي ووظيفته، والتعامل مع الفن بوصفه مساحة للشهادة والتوثيق وطرح الأسئلة، وليس باعتباره نشاطاً منفصلاً عن الواقع السياسي والاجتماعي.
وعلى خلاف تجربة المتحف، اختار معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى مواصلة نشاطه منذ بداية الحرب، مع تكييف برامجه وفق الظروف الجديدة. واستمر المعهد في احتضان الفنانين وطلابه في قطاع غزة، إلى جانب مواصلة التدريبات والعروض في فروعه الأخرى، وتخصيص ريع عدد من الأنشطة لدعم أطفال غزة.
وعكست التجربتان اختلاف المقاربات داخل المؤسسات الثقافية الفلسطينية إزاء السؤال ذاته: هل يصبح تعليق النشاط الثقافي في زمن الحرب تعبيراً عن احترام حجم المأساة، أم أن استمرار الفن يشكل بحد ذاته فعلاً من أفعال الصمود والحفاظ على المجتمع وذاكرته؟
وتناول المشاركون في الحلقة أيضاً التغيرات التي طرأت على علاقة الجمهور الفلسطيني بالفن، ولا سيما مع تصاعد التساؤلات بشأن جدوى الأغنية والموسيقى والعروض الفنية في ظل استمرار الحرب، وما إذا كانت أشكال التعبير التقليدية ما تزال قادرة على الاستجابة لما يعيشه الفلسطينيون.
وأشار النقاش إلى أن الحرب لم تفرض على المؤسسات الثقافية تحديات تتعلق بالبرامج والأنشطة فحسب، بل دفعتها أيضاً إلى مراجعة لغتها وأدواتها وأولوياتها، وإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الفنان والجمهور، وبين الإنتاج الثقافي والأسئلة السياسية والإنسانية التي يفرضها الواقع.
وبين التوقف والاستمرار، بدا أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان للفن مكان في زمن الحرب، بقدر ما أصبح يتمحور حول أي فن يمكن إنتاجه، ولمن، وبأي أدوات، وما المسؤولية التي ينبغي أن يتحملها في مواجهة المحو والدمار.
وفي ظل ما يتعرض له قطاع غزة، تتسع مهمة المؤسسات الثقافية الفلسطينية لتتجاوز تنظيم المعارض والحفلات والفعاليات، نحو الحفاظ على الذاكرة الجماعية، وتوثيق التجربة الفلسطينية، وتأمين مساحات للفنانين والجمهور للتعبير عن الفقد والخوف والغضب والأمل.
وتكشف هذه النقاشات عن تحول أعمق في موقع الثقافة داخل المجتمع الفلسطيني؛ إذ لم تعد تُطرح باعتبارها ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، بل كجزء من معركة الحفاظ على الإنسان وذاكرته وروايته، في مواجهة واقع يسعى إلى تدمير المكان وما يحمله من حياة وهوية وتاريخ.





