آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق اختفت مع المنازل المدمرة، فيما لا تزال الخسارة الثقافية خارج عمليات الإحصاء والتعويض
لم تكن المنازل وحدها ما انهار تحت القصف في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. خلف الجدران التي تحولت إلى ركام، دُفنت مكتبات شخصية وعامة راكم أصحابها محتوياتها خلال عقود، وضمت كتباً نادرة ومخطوطات غير منشورة ووثائق عائلية وبحثية وأعداداً قديمة من الصحف والمجلات العربية.
وسط الأرقام اليومية للقتلى والجرحى والنازحين والمباني المدمرة، بقي هذا النوع من الخسائر شبه غائب عن عمليات التوثيق. فلا توجد، حتى الآن، صورة متكاملة لحجم الأرشيف الثقافي الذي اختفى، ولا لعدد المكتبات التي احترقت أو سُحقت تحت الأبنية أو تعذر الوصول إليها بسبب استمرار العمليات العسكرية.
الحرب التي امتدت آثارها من المواجهات الواسعة بين سبتمبر ونوفمبر 2024 إلى جولة التصعيد التي بدأت في الثاني من مارس 2026، تسببت، وفق الأرقام المتداولة، في سقوط أكثر من 6900 قتيل ونحو 25 ألف جريح، ونزوح ما يقارب 1.6 مليون شخص، إضافة إلى تدمير أعداد هائلة من المنازل والمدارس والمراكز الدينية والمنشآت العامة وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.
لكن هذه الإحصاءات لا تتضمن عادة ما فُقد داخل البيوت: المخطوطات، والمراسلات، والمسودات، والأبحاث غير المنشورة، والأرشيفات العائلية، والصور القديمة، والمجموعات الكاملة من الدوريات والطبعات التي لم تعد متوافرة في الأسواق أو حتى في بعض المكتبات الرسمية.
خسارة لا تظهر في صور الأقمار الاصطناعية
يمكن للصور الجوية أن ترصد اختفاء مبنى أو تسوية حي بالأرض، لكنها لا تستطيع تحديد ما كان موجوداً داخل غرفة في الطابق الثالث من منزل مدمر. ولا تستطيع معرفة ما إذا كانت تلك الغرفة تحتوي أثاثاً عادياً، أم آلاف الكتب والوثائق التي تشكل حصيلة حياة فكرية كاملة.
في مناطق عديدة من جنوب لبنان، لم تكن المكتبة المنزلية مجرد رفوف للزينة. كان بعضها بمنزلة أرشيف خاص لتاريخ القرى والحركات الثقافية والسياسية والتعليمية، وبعضها الآخر يضم وثائق أصلية ومخطوطات بخط اليد وطبعات أولى وكتباً يعود تاريخها إلى قرنين أو ثلاثة قرون.
هذه المجموعات نشأت في بيئة عُرفت تاريخياً بكثافة مدارسها الدينية والأدبية وبحضور المعلمين والباحثين والشعراء والمؤرخين. وعلى امتداد عقود، تحولت منازل كثيرة إلى مراكز بحث غير معلنة، يقصدها طلاب الجامعات والدارسون للحصول على نسخة من وثيقة أو عدد قديم من مجلة أو مرجع لم يعد متوافراً في المكتبات التجارية.
ومع تدمير المنازل، لم يخسر أصحابها مقتنيات شخصية فحسب، بل اختفى جزء من المادة الأولية التي كان يمكن استخدامها في كتابة تاريخ المنطقة.
مكتبات موزعة بين القرية والعاصمة
تكشف شهادات أصحاب المكتبات المتضررة عن نمط متكرر: مكتبة كبيرة قُسمت بين منزل في القرية وشقة في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم تعرض الموقعان للتدمير في مراحل مختلفة من الحرب.
هذا التوزيع لم يكن عشوائياً. فقد دفعت الحروب والاجتياحات المتعاقبة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي كثيراً من سكان الجنوب إلى الانتقال نحو العاصمة. وخلال سنوات النزوح، أنشأ عدد من المدرسين والباحثين والكتاب مكتباتهم الأساسية في بيروت، قبل أن يعيدوا نقل أجزاء منها إلى قراهم بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
كانت العودة يومها مرتبطة بشعور نسبي بالأمان وبالاعتقاد أن مرحلة الاحتلال والحروب الواسعة أصبحت من الماضي. بُنيت منازل جديدة، ورُممت بيوت قديمة، ونُقلت إليها الكتب والوثائق والمجموعات التي حُفظت سنوات طويلة بعيداً من القرى الحدودية.
لكن الحرب الأخيرة أصابت المكانين معاً. ففي حالات موثقة، دُمّرت المكتبة الموجودة في القرية، ثم دُمّرت بعد ذلك المكتبة الرئيسة في الضاحية الجنوبية، أو حدث العكس. وهكذا فقد أصحابها النسخة الأصلية وما كانوا يعتقدون أنه النسخة الاحتياطية في الوقت نفسه.
عشرون ألف عنوان في منزلين
إحدى الحالات التي جرى تتبعها تعود إلى مكتبة شخصية تجاوزت محتوياتها 20 ألف عنوان، موزعة بين منزل جنوبي وشقة سكنية في بيروت.
لم تكن المجموعة مكونة من كتب منفردة فقط، بل من سلاسل موسوعية وأعمال متعددة المجلدات، وأعداد شبه كاملة من مجلات ثقافية عربية صدرت منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى جانب صحف قديمة ودوريات أدبية وتربوية ومجموعات مخصصة للأطفال.
كما احتوت المكتبة مخطوطات غير منشورة وأبحاثاً قيد الإعداد ومواد جمعها صاحبها خلال أكثر من نصف قرن من العمل في التدريس والبحث والكتابة.
عندما دُمّر المبنى في بيروت، حاول أفراد العائلة الاستعانة بعمال للبحث بين الأنقاض. أُنقذ عدد محدود من الكتب، معظمها كان ممزقاً أو متضرراً بالغبار والرطوبة والضغط. أما القسم الأكبر فبقي تحت الركام أو تحول إلى أوراق متناثرة يصعب فرزها وإعادة تجميعها.
في القرية الحدودية، لم تكن هناك فرصة مماثلة. المنزل دُمّر على نحو كامل، وتعذر الوصول إلى الموقع خلال فترة العمليات. ومع انهيار الجدران والأسقف وتعرض المكان للأمطار والعوامل الطبيعية، تراجعت احتمالات العثور على مواد قابلة للترميم.
الخسارة الأشد لم تكن في الكتب التي يمكن شراء نسخ أخرى منها، بل في المخطوطات الأصلية والملاحظات المكتوبة على الهوامش والوثائق الشخصية والمراسلات التي لا توجد منها نسخ ثانية.
ما يُنشر ليس سوى قمة الأرشيف
في تجربة الباحثين والكتاب، لا تمثل الكتب المنشورة إلا جزءاً صغيراً من عملهم. خلف كل مؤلَّف مطبوع ملفات أولية ومسودات وملاحظات ومقابلات ووثائق وصور ومراسلات ونسخ متعددة من النص.
هذه المواد قد لا تحمل قيمة تجارية، لكنها تحمل قيمة بحثية لا يمكن تقديرها بسهولة. فهي تكشف كيف تطورت الأفكار، وما المصادر التي استُخدمت، وما الوقائع التي جرى استبعادها من النسخة النهائية، كما تسمح للباحثين اللاحقين بإعادة قراءة المرحلة التاريخية من زوايا مختلفة.
في إحدى المكتبات المدمرة، فُقد نحو نصف الأوراق والملفات التي جمعها صاحبها طوال حياته. وكان الجزء الأقدم هو الأكثر تضرراً، أي ذلك الذي يعود إلى البدايات ولا توجد منه نسخ رقمية.
هذه الحالة تلخص مشكلة أوسع: كثير من الأرشيفات الخاصة في لبنان بقيت ورقية، ولم تخضع للرقمنة أو الفهرسة. وبعض أصحابها كانوا يحتفظون بنسخة واحدة من المخطوط أو الوثيقة، إما بسبب محدودية الإمكانات أو بسبب الاعتقاد أن المنزل هو المكان الأكثر أمناً لحفظها.
المكتبات العامة ليست بمنأى عن الدمار
الخسارة لم تقتصر على مجموعات الكتاب والباحثين. فقد أنشأت بلديات وجمعيات وأندية ومدارس خلال العقود الماضية عشرات المكتبات العامة في المدن والقرى الجنوبية، بعضها بتمويل محلي وبعضها الآخر بدعم جهات دولية أو مانحين.
كانت هذه المكتبات تؤدي أدواراً متعددة، من إعارة الكتب وتنظيم الأنشطة الثقافية إلى توفير مكان للدراسة للطلاب الذين لا تتوافر في منازلهم ظروف مناسبة.
في عدد من البلدات التي تعرضت لقصف واسع، دُمّرت المباني التي كانت تضم تلك المكتبات أو أصيبت بأضرار جعلت محتوياتها عرضة للمياه والغبار والحرائق والسرقة. وفي بلدات أخرى، بقيت الكتب داخل مناطق مهددة أو مغلقة، من دون قدرة العاملين على الوصول إليها أو نقلها.
ولا يبدو أن هناك حتى الآن سجلاً موحداً يحدد عدد المكتبات العامة المتضررة، أو حجم مجموعاتها، أو طبيعة الكتب والوثائق التي كانت تحتويها. كما لم يُعلن عن برنامج شامل لإنقاذ ما بقي منها أو ترميم المواد المتضررة.
إنقاذ الكتب لا يقل تعقيداً عن انتشال الركام
الكتاب الذي يُستخرج من منزل مدمر لا يكون بالضرورة قد نجا. فالورق يتأثر سريعاً بالماء والرطوبة والرماد والغبار، وقد تتحول محاولة تنظيفه بطريقة غير متخصصة إلى سبب إضافي لتلفه.
أما المخطوطات والوثائق القديمة فتحتاج إلى تدخل سريع من خبراء في الترميم والحفظ، وإلى غرف ذات درجات حرارة ورطوبة مضبوطة. وفي غياب هذه الإمكانات، قد تتعفن الأوراق أو تلتصق صفحاتها أو تنتشر فيها الفطريات خلال أيام.
كذلك فإن نقل الكتب عشوائياً من تحت الأنقاض قد يؤدي إلى فصل أوراقها أو فقدان الأغلفة والملحقات أو خلط مجموعات كانت مرتبة وفق نظام خاص بصاحبها.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما لا تكون المكتبة مفهرسة أصلاً. ففي هذه الحالة، لا يعرف أفراد العائلة على وجه الدقة ما فُقد وما بقي، ولا يستطيعون إعداد لائحة يمكن استخدامها لاحقاً للبحث عن نسخ بديلة.
هل يمكن تعويض المكتبة؟
قد يكون من الممكن إعادة شراء بعض الكتب الحديثة، لكن استعادة مكتبة كاملة ليست مسألة جمع عناوين متفرقة من الأسواق.
قيمة المكتبة الخاصة تتكون أيضاً من تاريخ اقتناء كتبها، والهوامش التي كتبها أصحابها، والقصاصات المحفوظة بين الصفحات، والتوقيعات والإهداءات، وترتيب المواد وعلاقتها بالمشروعات البحثية التي أُنجزت أو بقيت غير مكتملة.
أما مجموعات الصحف والمجلات القديمة، فكثير منها لم يعد متوافراً بصورة كاملة. وقد توجد أعداد منفردة في مكتبات جامعية أو لدى هواة جمع الكتب، لكن إعادة تكوين سلسلة تمتد عشرات السنين قد تحتاج إلى وقت طويل وموارد مالية كبيرة، وقد تكون مستحيلة في بعض الحالات.
وتصبح فكرة التعويض أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بوثيقة أصلية أو مخطوط لم يُنشر أو صور عائلية وتاريخية لم تُنسخ. هنا لا تكون الخسارة مادية، بل نهائية.
فراغ في سياسات التعويض
عادة ما تركز عمليات مسح الأضرار بعد الحروب على سلامة المباني وتكاليف إعادة الإعمار وعدد الوحدات السكنية المتضررة. أما محتويات المنازل، وخصوصاً المقتنيات الثقافية، فتبقى في منطقة رمادية.
كيف يمكن تقدير ثمن مخطوط غير منشور؟ ومن يقرر القيمة المالية لمجموعة صحف تراكمت على مدى 60 عاماً؟ وهل تعامل المكتبة الشخصية باعتبارها أثاثاً منزلياً، أم أرشيفاً ثقافياً يستحق حماية مستقلة؟
هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات واضحة. وفي غياب معايير متخصصة، قد يحصل صاحب مكتبة تضم آلاف الكتب على تعويض مماثل لما يحصل عليه منزل لا يحتوي إلا على مقتنيات عادية، أو قد لا تدخل الكتب في التقييم أساساً.
كما أن إجراءات التعويض، مهما بلغت قيمتها، لا تعالج مسألة الملكية الثقافية العامة. فالوثيقة التي يحتفظ بها شخص في منزله قد تكون ملكاً خاصاً من الناحية القانونية، لكنها تحمل معلومات تتصل بتاريخ قرية أو مؤسسة أو مرحلة سياسية، ما يمنحها قيمة تتجاوز حدود العائلة.
سباق مع الزمن
مع استمرار القصف وتعذر الوصول إلى عدد من المناطق، يتآكل ما تبقى من المكتبات المتضررة. فكل يوم يمر يزيد من تأثير الرطوبة والأمطار والغبار، ويرفع احتمال فقدان الأوراق والوثائق أو انتقالها من مواقعها.
إنقاذ هذا الإرث يحتاج إلى خطة طوارئ تشمل توثيق المكتبات المتضررة، وتشكيل فرق متخصصة للدخول إلى المواقع الآمنة، وتوفير مستودعات موقتة، وإطلاق برنامج للترميم والرقمنة.
كما يتطلب إنشاء قاعدة بيانات تسمح لأصحاب المكتبات بتسجيل المجموعات المفقودة، وتحديد الكتب والدوريات والمخطوطات التي كانت بحوزتهم. وقد تساعد هذه القاعدة مستقبلاً في العثور على نسخ بديلة أو صور رقمية أو مواد مشابهة محفوظة في جامعات ومكتبات خارج لبنان.
من دون ذلك، ستبقى كل عائلة تواجه خسارتها وحدها، وسيختفي حجم الكارثة الحقيقي مع مرور الوقت ووفاة أصحاب الأرشيفات وتشتت ذاكرتهم الشفوية.
حرب على المكان والذاكرة
تدمير المكتبات ليس تفصيلاً جانبياً في مشهد الحرب. فالاستهداف الذي يزيل المنازل والمدارس ودور العبادة والبنى التحتية يعيد تشكيل علاقة السكان بأماكنهم، فيما يؤدي اختفاء الوثائق والكتب والصور إلى قطع صلتهم بتاريخ تلك الأماكن.
يمكن إعادة بناء منزل، حتى لو استغرق الأمر سنوات. ويمكن شق طريق جديد وإصلاح شبكة مياه وإعادة افتتاح مدرسة. لكن المخطوط المحترق لا يعود، والوثيقة التي دُفنت تحت الركام قد تختفي إلى الأبد، والملاحظات التي كتبها باحث خلال خمسين عاماً لا يمكن لشخص آخر إعادة إنتاجها.
لهذا لا تقاس خسائر الحرب بعدد الأبنية التي هُدمت وحده، بل أيضاً بعدد القصص التي لن تُروى، والأبحاث التي لن تكتمل، والوثائق التي لن يراها أحد، والكتب التي كانت شاهدة على أجيال ثم اختفت في لحظة واحدة.
تحت أنقاض جنوب لبنان والضاحية الجنوبية والبقاع، لا تزال هناك مكتبات لم تُحصَ، وأرشيفات لم يُعرف مصيرها، وذاكرة ثقافية كاملة تنتظر من ينتشلها قبل أن تصبح جزءاً آخر من المفقودات التي لا يمكن استعادتها.





