بيروت — توفي الياباني كوزو أوكاموتو، المعروف في الأوساط الفلسطينية واللبنانية بلقب «أحمد الياباني»، عن عمر ناهز 78 عاماً، بعد عقود أمضاها في لبنان لاجئاً سياسياً، منهياً مسيرة مثيرة للجدل ارتبطت بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وبالهجوم الدامي على مطار اللد عام 1972.
ونعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أوكاموتو في بيان، واصفة إياه بـ«المناضل الأممي»، ومشيدة بما اعتبرته تضحيات امتدت لعقود إلى جانب القضية الفلسطينية. كما أصدرت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بياناً قالت فيه إن مسيرته جسدت الالتزام بنصرة الشعب الفلسطيني وحقوقه.
لكن اسم أوكاموتو ظل مرتبطاً، على نحو أساسي، بهجوم مطار اللد، المعروف اليوم بمطار بن غوريون، الذي أسفر عن مقتل 26 شخصاً وإصابة عشرات آخرين، بينهم عدد كبير من الحجاج المسيحيين القادمين من بورتوريكو. وبينما تصف الفصائل الفلسطينية الهجوم بأنه «عملية فدائية»، يُشار إليه في الأدبيات الإسرائيلية والدولية بوصفه هجوماً مسلحاً أو مجزرة استهدفت مدنيين.
من كوماموتو إلى الشرق الأوسط
وُلد أوكاموتو في مدينة كوماموتو جنوبي اليابان، ودرس علم النبات قبل أن ينخرط، في شبابه، في أوساط اليسار الياباني الراديكالي. وقد تزامن نشاطه السياسي مع صعود الحركات الثورية والطلابية في اليابان وعدد من دول العالم خلال ستينيات القرن العشرين.
لاحقاً، انتقل إلى صفوف الجيش الأحمر الياباني، وهو تنظيم مسلح تبنى توجهاً ثورياً عابراً للحدود، وأقام علاقات مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وفي هذا السياق، تلقى أوكاموتو ورفاقه تدريبات في الشرق الأوسط قبل تكليفهم بتنفيذ هجوم مطار اللد.
وأشارت الجبهة الشعبية، في بيان نعيه، إلى ما وصفته بقدراته الفكرية واللغوية، قائلة إنه أتقن عدداً من اللغات وسخّر معارفه لخدمة القضية الفلسطينية. غير أن الجانب الأكثر حضوراً في سيرته ظل انتقاله من المسار الأكاديمي إلى العمل المسلح.
هجوم مطار اللد
في 30 مايو/أيار 1972، وصل أوكاموتو برفقة اليابانيين تسويوشي أوكودايرا وياسويوكي ياسودا إلى مطار اللد على متن رحلة قادمة من روما.
وبعد دخولهم منطقة استلام الأمتعة، أخرج الثلاثة بنادق رشاشة وقنابل يدوية من حقائبهم وفتحوا النار داخل المطار. وأسفر الهجوم عن مقتل 26 شخصاً وإصابة أكثر من 70، وكان بين القتلى مواطنون من بورتوريكو وإسرائيليون وعالم الأحياء الإسرائيلي أهارون كاتسير.
قُتل رفيقا أوكاموتو خلال الهجوم، في حين أصيب هو وأُلقي القبض عليه. وقد شكّل كون المنفذين يابانيين عنصر مفاجأة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وأسهم في منح الحادثة صدى دولياً واسعاً.
وظل تقييم الهجوم منقسماً بصورة حادة؛ ففي حين عدّته الجبهة الشعبية وحلفاؤها محطة في تاريخ الكفاح الفلسطيني، رآه منتقدوه عملاً استهدف مدنيين بصورة عشوائية، ولا سيما أن غالبية الضحايا لم يكونوا مشاركين في أعمال عسكرية.
13 عاماً في السجون الإسرائيلية
حُوكم أوكاموتو أمام محكمة عسكرية إسرائيلية وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد. وأمضى نحو 13 عاماً في السجون الإسرائيلية، قضى قسماً كبيراً منها في الحبس الانفرادي، قبل الإفراج عنه في مايو/أيار 1985.
وجاء إطلاق سراحه ضمن صفقة تبادل أبرمتها إسرائيل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة، وعُرفت باسم «صفقة الجليل»، وشملت الإفراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني وعربي مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين.
بعد خروجه، تنقل أوكاموتو بين عدد من الدول قبل أن يستقر في لبنان، الذي كان يضم قواعد ونشاطات لفصائل فلسطينية وأعضاء سابقين في الجيش الأحمر الياباني.
اللجوء في لبنان
في عام 1997، أوقفت السلطات اللبنانية أوكاموتو مع عدد من رفاقه اليابانيين، ووجهت إليهم اتهامات تتعلق بالدخول غير القانوني إلى البلاد واستخدام وثائق مزورة.
وبعد قضاء عقوبته، رحّل لبنان عدداً من أعضاء المجموعة إلى اليابان، لكنه استثنى أوكاموتو ومنحه اللجوء السياسي عام 2000، وسط مطالبات يابانية بتسليمه وضغوط فلسطينية ولبنانية للإبقاء عليه.
ومنذ ذلك الحين، عاش أوكاموتو بعيداً عن الأضواء، في ظل قيود على نشاطه السياسي وظهوره الإعلامي. ولم يشارك إلا في مناسبات محدودة، كان من أبرزها حضوره في بيروت عام 2022 فعالية أقيمت في الذكرى الخمسين لهجوم مطار اللد.
إرث منقسم عليه
يعكس الجدل المحيط بأوكاموتو اختلافاً أوسع بشأن تعريف المقاومة المسلحة وحدودها الأخلاقية والقانونية. فبالنسبة إلى مؤيديه، كان يابانياً ترك بلاده وحياته الأكاديمية من أجل قضية لا تخصه قومياً أو عرقياً، وأمضى سنوات طويلة في السجن بسببها.
أما بالنسبة إلى عائلات الضحايا ومنتقديه، فيبقى مسؤولاً عن هجوم أودى بحياة مدنيين، ولا يمكن فصله عن الآثار الإنسانية التي خلّفها إطلاق النار داخل قاعة مكتظة بالمسافرين.
وبين هاتين الروايتين، يرحل كوزو أوكاموتو في الضاحية الجنوبية لبيروت، على بعد آلاف الكيلومترات من مسقط رأسه في اليابان، تاركاً سيرة تتقاطع فيها الثورة العابرة للحدود مع القضية الفلسطينية، والسجن والمنفى، والاحتفاء السياسي مع الإدانة الأخلاقية والقانونية.





