قد لا يكون الطعام دواءً يمنع سرطان المعدة، لكنه قد يشكل جزءاً مهماً من منظومة الوقاية وتقليل عوامل الخطر، بحسب مراجعة علمية واسعة أجراها فريق بحثي بقيادة البروفيسور سونغسو بارك، أستاذ جراحة الجهاز الهضمي في كلية الطب بجامعة كوريا ومستشفى أنام الجامعي.
وأظهرت النتائج أن الأنماط الغذائية الغنية بالخضروات والفواكه الطازجة والأسماك والحبوب الكاملة ارتبطت بانخفاض احتمالات الإصابة بسرطان المعدة، بينما ارتبط الإفراط في الملح والمخللات والحبوب المكررة واللحوم الحمراء والمصنّعة بارتفاع الخطر.
مراجعة واسعة وليست تجربة علاجية
الدراسة، المنشورة عام 2025 في دورية Journal of Gastric Cancer، لم تكن تجربة سريرية يُطلب فيها من المشاركين اتباع حمية محددة، بل كانت «مراجعة مظلية» أعادت تقييم نتائج أبحاث وتحليلات علمية سابقة.
ووفق الورقة المنشورة، راجع الباحثون 75 مراجعة منهجية وتحليلاً تلوياً، وأعادوا تحليل بيانات مستمدة من نحو 1900 دراسة رصدية وتجربة، لدراسة 117 ارتباطاً محتملاً بين سرطان المعدة وعوامل غذائية وصحية وبيئية ووراثية. أما الرقم المتداول عن 507 دراسات، فيشير إلى الدراسات التي شملها التحليل الخاص بالسكان الآسيويين، وليس إلى العدد الإجمالي للأبحاث التي استندت إليها المراجعة.
وشملت العوامل التي خضعت للتقييم نوعية الغذاء، واستهلاك الكحول والتبغ، والنشاط البدني، والسمنة، والعدوى، والتاريخ العائلي، وبعض الأدوية والتعرضات البيئية.
الخضروات والفواكه في مقدمة الأغذية المفيدة
بحسب العرض الصحفي لنتائج الدراسة، ارتبط تناول الخضروات والفواكه الطازجة بانخفاض خطر الإصابة بسرطان المعدة بنسب تراوحت بين 20 و40 في المئة، بينما ارتبط استهلاك الأسماك والمأكولات البحرية بانخفاض تراوح بين 10 و30 في المئة. وهذه النسب تعبر عن ارتباطات إحصائية بين مجموعات سكانية، ولا تعني أن تناول هذه الأغذية يمنع المرض بصورة مؤكدة لدى كل شخص.
وأظهر التحليل المنشور ارتباطاً وقائياً محتملاً لبعض الخضروات، ولا سيما الثوم والجزر والخضروات من فصيلة البصل، إضافة إلى الحبوب الكاملة. في المقابل، ارتبط استهلاك الحبوب المكررة بارتفاع نسبي في الخطر، ما يدعم إعطاء الأولوية للحبوب الكاملة والأطعمة الأقل خضوعاً للتصنيع.
وتوصي منظمة الصحة العالمية البالغين ومن تجاوزوا سن العاشرة بتناول ما لا يقل عن 400 غرام من الخضروات والفواكه يومياً، ضمن نظام غذائي متنوع. ولا تقتصر هذه الكمية على الفاكهة وحدها، بل تشمل مجموع الخضروات والفواكه، مع تفضيل الثمار الكاملة على العصائر المحلاة أو كثيرة الاستهلاك.
الملح والمخللات تحت المجهر
كان الملح والأطعمة المحفوظة به من أبرز العوامل الغذائية المرتبطة بارتفاع خطر سرطان المعدة، ولا سيما لدى السكان الآسيويين. وأفادت الدراسة بأن الاستهلاك المعتاد المرتفع للملح ارتبط بزيادة نسبية في الخطر، كما ظهر ارتباط مماثل مع المخللات والأطعمة شديدة الملوحة.
ويشير الصندوق العالمي لأبحاث السرطان إلى وجود أدلة قوية على أن الأطعمة المحفوظة بالتمليح، ومنها بعض الخضروات المخللة والأسماك واللحوم المملحة أو المجففة، تزيد خطر سرطان المعدة. وقد يؤدي الملح الزائد إلى إتلاف الغشاء المخاطي للمعدة وتعزيز الالتهاب، كما قد يفاقم الضرر المرتبط بعدوى جرثومة المعدة.
لكن التحذير لا يعني أن جميع المأكولات البحرية ضارة؛ فهناك فرق بين الأسماك الطازجة أو المحضرة بطرق صحية وبين الأسماك شديدة الملوحة أو المحفوظة بالتمليح. طريقة الحفظ والتحضير قد تكون أكثر أهمية من نوع الطعام وحده.
اللحوم المصنّعة والحمراء
أظهر التحليل أن الأشخاص الواقعين ضمن الفئات الأعلى استهلاكاً للحوم الحمراء والمصنّعة سجلوا خطراً أعلى للإصابة مقارنة بالفئات الأقل استهلاكاً. وسجل الارتباط مع اللحوم المصنّعة مستوى أعلى نسبياً من الارتباط المسجل مع اللحوم الحمراء.
وتشمل اللحوم المصنّعة منتجات مثل النقانق والمرتديلا واللحوم المدخنة أو المعالجة بالملح والمواد الحافظة. لذلك، لا تقتصر النصيحة العملية على الامتناع الكامل، بل تبدأ بتقليل تواتر تناول هذه المنتجات، وضبط أحجام الحصص، واستبدال بعضها بالأسماك الطازجة أو البقوليات والدواجن غير المصنّعة.
أما منتجات الألبان الغنية بالدهون والأنماط الغذائية الغنية بالأطعمة المكررة والحلويات والصلصات الدسمة، فقد ظهرت ضمن نمط غذائي ارتبط بزيادة الخطر في بعض التحليلات. إلا أن الباحثين أكدوا أن تأثيرات الغذاء لم تكن متطابقة بين المناطق، ما يجعل التوصيات الفردية أكثر تعقيداً من تصنيف كل غذاء على أنه «مفيد» أو «ضار» بصورة مطلقة.
جرثومة المعدة عامل لا ينبغي تجاهله
على الرغم من الاهتمام الكبير بالغذاء، تبقى العدوى المزمنة بجرثومة المعدة، أو الملوية البوابية Helicobacter pylori، من أهم عوامل الإصابة بسرطان المعدة. ووجد التحليل أن وجود العدوى ارتبط بارتفاع ملحوظ في الخطر. كما يصنف المعهد الوطني الأميركي للسرطان هذه الجرثومة سبباً معترفاً به لسرطان المعدة الغدي، ويشير إلى أن اكتشافها وعلاجها قد يسهمان في خفض الخطر لدى بعض الفئات.
لهذا السبب، لا يمكن تعويض تشخيص الجرثومة أو علاجها بمجرد تعديل النظام الغذائي. وينبغي استشارة الطبيب عند وجود أعراض مستمرة، مثل ألم أعلى البطن، أو فقدان الوزن غير المبرر، أو القيء المتكرر، أو صعوبة البلع، أو فقر الدم، أو البراز الأسود.
الوقاية منظومة متكاملة
تكشف الدراسة أن تقليل خطر سرطان المعدة لا يعتمد على طعام منفرد أو وصفة سريعة، بل على نمط حياة متكامل يشمل الإكثار من الأغذية النباتية المتنوعة، واختيار الحبوب الكاملة، وتقليل المخللات والأطعمة شديدة الملوحة، والحد من اللحوم المصنّعة، وتجنب التدخين والإفراط في الكحول، والمحافظة على النشاط البدني والوزن الصحي.
كما تؤكد النتائج ضرورة التعامل بحذر مع النسب المتداولة؛ فالدراسات الرصدية تستطيع إظهار الارتباط بين الغذاء والمرض، لكنها لا تثبت دائماً أن طعاماً معيناً هو السبب المباشر في زيادة الخطر أو خفضه. وقد أقر الباحثون بوجود تفاوت في قوة الأدلة ونتائج مختلفة بين السكان الآسيويين وغير الآسيويين.
الخلاصة أن النظام الغذائي الصحي قد يساعد في خفض الاحتمالات، لكنه لا يمنح حصانة من سرطان المعدة ولا يغني عن التقييم الطبي، خصوصاً لدى المصابين بجرثومة المعدة أو من لديهم تاريخ عائلي للمرض.




