طوّر باحثون من جامعة سيتشينوف الطبية في موسكو روبوت محادثة رقمياً لمتابعة مرضى اضطرابات طيف الفصام خلال مرحلة الهجوع، في خطوة تهدف إلى رصد المؤشرات المبكرة للانتكاس بين الزيارات الطبية. وأظهرت تجربة أولية محدودة أن الأداة قد تساعد المرضى على الانتظام في تسجيل أعراضهم وفهم حالتهم الصحية بصورة أفضل، إلا أن كثرة الأسئلة والإرهاق المرتبط بتعبئة المفكرة برزا بوصفهما تحديين رئيسيين أمام استخدامها على نطاق أوسع.
أعلن باحثون روس تطوير روبوت محادثة مخصص للمراقبة الصحية عن بُعد لدى المصابين باضطرابات طيف الفصام، في محاولة لسد فجوة مهمة في المتابعة السريرية خلال الفترات الفاصلة بين مراجعات الطبيب.
ونُشرت نتائج التجربة الأولية في مجلة Consortium Psychiatricum، بعدما اختبر فريق من جامعة سيتشينوف الطبية في موسكو الأداة الرقمية على مجموعة صغيرة من المرضى الذين كانوا يمرون بمرحلة الهجوع أو الاستقرار النسبي للأعراض.
وتنبع أهمية هذا النوع من الحلول من أن الفحوص السريرية الدورية قد لا تكشف دائماً التغيرات اليومية التي تسبق الانتكاسة. ففي كثير من الحالات، تظهر قبل التفاقم علامات مبكرة تشمل اضطرابات النوم، وازدياد القلق، وتراجع النشاط، وتغير الحالة المزاجية أو درجة الالتزام بالعلاج.
وقد يتيح تسجيل هذه المؤشرات بصورة منتظمة للطبيب تكوين صورة أكثر دقة عن تطور الحالة، وربما التدخل في وقت مبكر عند ملاحظة تغيرات مثيرة للقلق. ومع ذلك، لا يُعد روبوت المحادثة أداة للتشخيص أو بديلاً عن الطبيب، بل وسيلة مساندة لجمع المعلومات وتعزيز المراقبة الذاتية.
مفكرة صحية مرتين يومياً
شملت التجربة 15 مشاركاً من المصابين باضطرابات طيف الفصام في مرحلة الهجوع. وعلى مدى تسعة أيام، طُلب منهم استخدام روبوت المحادثة صباحاً ومساءً لتعبئة مفكرة رقمية للمراقبة الذاتية.
وتضمنت المفكرة أسئلة تتعلق بالأعراض النفسية، وجودة النوم، والحالة المزاجية، والنشاط اليومي، ومدى الالتزام بتناول الأدوية. كما قيّم المشاركون سهولة استخدام الأداة وتجربتهم معها استناداً إلى 21 مؤشراً مختلفاً.
وأظهرت النتائج أن 80% من المشاركين أكملوا أكثر من نصف المفكرات المطلوبة، وهي نسبة اعتبرها الباحثون متوافقة مع معدلات المشاركة المسجلة عالمياً في المراحل الأولية من التدخلات الصحية الرقمية.
وأفاد نحو 90% من المرضى بأن روبوت المحادثة ساعدهم على فهم حالتهم بصورة أفضل، فيما ذكر 53% أن تدوين الملاحظات اليومية أسهم في تحسين حالتهم المزاجية.
وقد تعكس هذه النتائج فائدة محتملة لا تقتصر على جمع البيانات، بل تشمل أيضاً تعزيز وعي المريض بالتغيرات التي تطرأ على نومه ومزاجه وأعراضه ومدى التزامه بالخطة العلاجية.
الإرهاق وكثرة الأسئلة
في المقابل، كشفت التجربة عن جوانب قد تحد من الاستخدام المنتظم للأداة. فقد وصف 47% من المشاركين عملية تعبئة المفكرة بأنها مملة أو مرهقة، بينما رأى 67% ضرورة تقليل عدد الأسئلة.
وتسلط هذه الملاحظات الضوء على أحد أبرز التحديات في تصميم تقنيات الصحة النفسية الرقمية: فالحصول على بيانات سريرية تفصيلية قد يتطلب طرح عدد كبير من الأسئلة، لكن زيادة العبء على المستخدم قد تدفعه إلى التوقف عن استخدام الأداة، ولا سيما إذا كان يعاني ضعف الدافعية أو الإرهاق أو صعوبات التركيز.
لذلك يعتزم المطورون تعديل روبوت المحادثة بما يحقق توازناً بين جمع معلومات مفيدة سريرياً وتوفير تجربة بسيطة لا تفرض عبئاً إضافياً على المريض. وقد يشمل ذلك تقليل الأسئلة، وتخصيصها وفق حالة كل مستخدم، وتطوير طريقة عرض أكثر تفاعلاً وأقل تكراراً.
نتائج مشجعة… لكنها غير حاسمة
على الرغم من المؤشرات الإيجابية، تظل النتائج أولية ولا تكفي لإثبات أن روبوت المحادثة قادر على منع الانتكاسات أو تحسين النتائج العلاجية على المدى الطويل.
فالدراسة شملت 15 مشاركاً فقط، واستمرت تسعة أيام، ولم تتضمن وفق المعلومات المنشورة مقارنة موسعة مع مجموعة ضابطة أو تقييماً طويل الأمد لمدى دقة الأداة في اكتشاف التدهور السريري.
كما أن نجاح التجربة لدى مرضى مستقرين لا يعني بالضرورة أن الأداة ستكون مناسبة لجميع المصابين باضطرابات طيف الفصام، خصوصاً خلال فترات التفاقم الحاد أو لدى من يعانون صعوبات معرفية شديدة أو محدودية في استخدام التقنيات الرقمية.
وتحتاج الأداة مستقبلاً إلى تجارب تشمل أعداداً أكبر من المرضى وفترات متابعة أطول، مع تقييم دقة التنبيهات، وحماية البيانات الصحية، وسرية المحادثات، وآليات تدخل الفريق الطبي عند ظهور مؤشرات خطر.
دور داعم للرعاية التقليدية
تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وروبوتات المحادثة في مجالات الصحة النفسية، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات تتعلق بسلامة المرضى وخصوصيتهم وحدود المسؤولية الطبية.
وفي حالة الفصام، تزداد أهمية هذه الضوابط بسبب حساسية المعلومات التي يجري جمعها واحتمال ظهور أعراض تستدعي تقييماً عاجلاً من اختصاصي، مثل الأفكار الانتحارية أو الهلاوس الشديدة أو التغيرات السلوكية الحادة.
وعليه، ينبغي دمج أي أداة رقمية من هذا النوع ضمن منظومة علاجية يشرف عليها مختصون، مع وضع بروتوكولات واضحة للاستجابة إلى الإنذارات وعدم الاعتماد على الخوارزميات وحدها في اتخاذ القرارات الطبية.
وتشير التجربة الروسية إلى أن بعض المرضى مستعدون لاستخدام وسائل رقمية لمتابعة حالتهم النفسية، وأن روبوتات المحادثة قد تصبح مستقبلاً جزءاً مساعداً من الرعاية المستمرة. لكن الانتقال من تجربة صغيرة إلى تطبيق سريري موثوق يتطلب إثبات الفعالية والسلامة وقابلية الاستخدام، إلى جانب ضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى بديل عن التواصل الإنساني والرعاية الطبية المباشرة.




