13 إصابة وثلاث وفيات في أول تفشٍ موثّق للفيروس على متن سفينة سياحية.. وانتهاء الأزمة لا يلغي الخطر في المناطق الموبوءة
أعلنت منظمة الصحة العالمية انتهاء تفشي فيروس هانتا المرتبط بسفينة الرحلات السياحية «إم في هونديوس»، بعد إتمام جميع المخالطين فترة المتابعة الصحية من دون تسجيل إصابات جديدة، في ختام أزمة صحية عابرة للحدود استدعت تنسيقاً دولياً شمل عشرات الدول والأقاليم.
وقال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، خلال إحاطة إعلامية في جنيف في 2 يوليو/تموز 2026، إن آخر شخص خالط حالة مرتبطة بالسفينة أنهى فترة الحجر الصحي، وجاءت نتيجة فحصه سلبية، قبل أن يعود إلى منزله.
وأضاف أن المنظمة لم تتلقَّ بلاغات عن حالات جديدة منذ 25 مايو/أيار، ما يتيح اعتبار التفشي منتهياً من الناحية الوبائية. واستقر العدد النهائي عند 13 إصابة، بينها ثلاث وفيات؛ إذ تأكدت 12 حالة مخبرياً، فيما صُنّفت حالة واحدة على أنها محتملة.
أكثر من 650 مخالطاً في 33 دولة وإقليماً
شكّل الانتشار الجغرافي الواسع لركاب السفينة وطاقمها التحدي الأكبر أمام السلطات الصحية، بعدما عاد المسافرون أو نُقلوا إلى دول مختلفة قبل اكتمال التحقيقات الوبائية.
وحددت السلطات أكثر من 650 شخصاً من المخالطين في 33 دولة وإقليماً، من بينهم ركاب وأفراد من الطاقم، وعاملون صحيون، وموظفون في المطارات، إضافة إلى أشخاص خالطوا المصابين خلال رحلات جوية دولية.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، خضع 317 شخصاً صُنّفوا ضمن المخالطين مرتفعي الخطورة للحجر والمراقبة الصحية، فيما أكمل نحو 336 شخصاً من ذوي الخطورة المنخفضة المتابعة الذاتية. ولم تُكتشف حالات انتقال ثانوية إضافية خلال فترة المتابعة التي امتدت 42 يوماً.
ورأت المنظمة أن انتهاء هذه الفترة من دون ظهور إصابات جديدة يثبت انقطاع سلاسل العدوى ونجاح احتواء التفشي، مؤكدة أن الحدث المرتبط بالسفينة لم يعد يمثل خطراً على الصحة العامة، ولا يُتوقع حدوث انتقال إضافي مرتبط به.
أزمة بدأت بأعراض تنفسية حادة
بدأ التحرك الدولي في 2 مايو/أيار 2026، عندما تلقت منظمة الصحة العالمية إخطاراً عن مجموعة من حالات الأمراض التنفسية الحادة على متن السفينة الهولندية «إم في هونديوس»، التي كانت تنفذ رحلة استكشافية انطلقت من أميركا الجنوبية عبر المحيط الأطلسي.
ظهرت أعراض الحالة الأولى في 6 أبريل/نيسان، قبل أن يتوفى المصاب على متن السفينة بعد أيام. ولم يُشتبه في فيروس هانتا في البداية، نظراً إلى تشابه الأعراض المبكرة مع أمراض تنفسية أخرى. ولاحقاً، ظهرت إصابات ووفيات إضافية بين أشخاص كانوا على متن السفينة، ما أدى إلى إطلاق تحقيق وبائي دولي واسع.
وبعد عمليات إجلاء طبي ونقل عدد من المرضى لتلقي العلاج، وصلت السفينة إلى جزيرة تينيريفي الإسبانية، حيث نُفذت عملية منظمة لإنزال الركاب وإعادتهم إلى بلدانهم أو نقلهم إلى أماكن الحجر الصحي. كما خضع أفراد الطاقم للمراقبة بعد وصول السفينة إلى ميناء روتردام في هولندا.
وساعدت سرعة عزل الحالات ومتابعة المخالطين وتبادل المعلومات بموجب اللوائح الصحية الدولية على منع تحول التفشي المحدود إلى سلسلة انتقال أوسع.
ما فيروس هانتا؟
فيروسات هانتا هي عائلة من الفيروسات الحيوانية المنشأ، تحملها أنواع محددة من القوارض من دون أن تظهر عليها بالضرورة علامات المرض. وينتقل الفيروس إلى الإنسان في معظم الحالات عن طريق استنشاق جزيئات ملوثة ببول القوارض المصابة أو برازها أو لعابها، ولا سيما في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية.
وقد تحدث العدوى أيضاً عند لمس الأسطح الملوثة ثم لمس الفم أو الأنف أو العينين، أو بصورة أقل شيوعاً نتيجة عضة أو خدش من قارض مصاب.
وتختلف الأمراض الناجمة عن فيروسات هانتا باختلاف السلالة والمنطقة الجغرافية. وقد تسبب بعض الأنواع الحمى النزفية المصحوبة بالمتلازمة الكلوية، بينما تسبب أنواع أخرى، ومنها فيروس الأنديز، المتلازمة الرئوية أو القلبية الرئوية لفيروس هانتا، وهي حالة قد تتطور سريعاً إلى فشل تنفسي وصدمة دورانية.
سلالة الأنديز وانتقال محدود بين البشر
أظهرت الفحوص أن التفشي على متن السفينة نجم عن فيروس الأنديز، وهو أحد أنواع فيروسات هانتا المنتشرة في أجزاء من أميركا الجنوبية.
وتكمن خصوصية هذه السلالة في أنها النوع الوحيد المعروف من فيروسات هانتا القادر على الانتقال بين البشر، إلا أن هذا الانتقال نادر ومحدود، ويرتبط عادة بالمخالطة الجسدية المباشرة أو البقاء فترة طويلة مع شخص مصاب في مكان مغلق، أو التعرض لإفرازاته وسوائل جسمه.
وأشارت التحقيقات الوبائية والجينية إلى أن ظروف السفينة المغلقة ربما سهّلت حدوث انتقال محدود خلال الرحلة. ومع ذلك، لم يظهر أي دليل على انتقال مستدام داخل المجتمعات، وظلت العدوى محصورة في تجمع صغير مرتبط بالسفينة.
أعراض تبدأ بصورة شبيهة بالإنفلونزا
تتراوح فترة حضانة مرض فيروس الأنديز عادة بين أربعة أيام و42 يوماً. وتبدأ الأعراض غالباً بحمى وإرهاق وآلام عضلية وصداع وقشعريرة، وقد يعاني بعض المرضى الغثيان والقيء والإسهال وآلام البطن.
وفي الحالات الشديدة، قد تتطور الأعراض إلى السعال وضيق التنفس وتجمع السوائل في الرئتين، مع احتمال حدوث انخفاض حاد في ضغط الدم أو صدمة قلبية دورانية، ما يستدعي العلاج العاجل والمراقبة في وحدات العناية المركزة.
ولا يتوفر حتى الآن لقاح معتمد أو علاج مضاد للفيروسات مخصص لفيروس الأنديز. ويعتمد التدبير الطبي على الرعاية الداعمة، ومراقبة السوائل والدورة الدموية، وتقديم الأكسجين أو الدعم التنفسي عند الحاجة. لذلك يمثل التشخيص المبكر ونقل الحالات الشديدة سريعاً إلى المستشفى عاملين حاسمين في تحسين فرص النجاة.
انتهاء التفشي لا يعني انتهاء الخطر
رغم إعلان احتواء الحدث المرتبط بسفينة «إم في هونديوس»، شددت منظمة الصحة العالمية على أن فيروس الأنديز لا يزال متوطناً في أميركا الجنوبية، وأن فيروسات هانتا تظل خطراً صحياً في المناطق التي تنتشر فيها القوارض الحاملة لها.
وبعبارة أخرى، فإن إعلان انتهاء التفشي يتعلق بسلسلة الإصابات المرتبطة بالسفينة تحديداً، ولا يعني القضاء على الفيروس أو زوال احتمالات ظهور تفشيات جديدة.
وأوصت المنظمة الدول الموبوءة بتعزيز الترصد الوبائي، ونشر الوعي بطرق الوقاية، وتحسين مكافحة القوارض، وتجنب تنظيف الأماكن الملوثة بطريقة تثير الغبار، إلى جانب ضمان الاكتشاف المبكر للحالات وتطبيق إجراءات الوقاية من العدوى داخل المنشآت الصحية.
دراسة دولية استعداداً لتفشيات مستقبلية
بالتوازي مع الاستجابة الصحية، بدأت مبادرة بحثية منسقة تضم مؤسسات وباحثين في 21 دولة، بهدف دراسة تطور العدوى وفترة الحضانة والاستجابة المناعية والعوامل المرتبطة بشدة المرض.
وتسعى الدراسة إلى جمع بيانات قابلة للمقارنة من الأشخاص الذين تعرضوا للفيروس، بما يساعد على سد الثغرات العلمية وتحسين الاختبارات التشخيصية وتطوير العلاجات واللقاحات والاستعداد لتفشيات مستقبلية.
ويمثل احتواء تفشي «إم في هونديوس» نجاحاً للصحة العامة، لكنه يكشف في الوقت نفسه هشاشة الرحلات البحرية الدولية أمام الأمراض المعدية، خصوصاً عندما تتأخر معرفة العامل المسبب ويتوزع المسافرون على دول متعددة.
فالدرس الأبرز لا يتمثل في خطورة الفيروس وحدها، بل في أهمية الإبلاغ المبكر، وتبادل البيانات، وتتبع المخالطين، والتعاون بين الدول قبل أن تتحول مجموعة إصابات محدودة إلى أزمة صحية أوسع.



