توصل فريق علمي من جامعة سيتشينوف الروسية إلى تطوير مواد هيدروجيلية ذكية تستفيد من التغيرات الحرارية التي تحدث في موضع الحرق، بهدف تحسين إيصال المركبات الدوائية إلى الأنسجة المتضررة ودعم عملية تجدد الجلد.
وشارك في المشروع باحثون من معهد الطب التجديدي في جامعة سيتشينوف وعيادة رحمانوف للأمراض الجلدية والتناسلية، فيما نُشرت نتائج العمل في دورية Modern Technologies in Medicine العلمية.
حرارة الجرح تتحول إلى إشارة علاجية
تعتمد الفكرة الأساسية للتقنية على أن درجة حرارة منطقة الحرق تكون عادة أعلى من حرارة الأنسجة السليمة المحيطة بها، قبل أن تنخفض تدريجيًا مع تقدم عملية الالتئام.
واستخدم الباحثون هذا التفاوت الحراري بوصفه إشارة طبيعية لتنظيم إطلاق المواد الفعالة. فقد طوروا جسيمات هلامية متناهية الصغر، حساسة للحرارة، تتغير خصائصها الفيزيائية عند درجات تتراوح بين 37 و42 درجة مئوية.
وعندما ترتفع حرارة الجرح ضمن هذا النطاق، تستجيب الجسيمات الهلامية بطريقة تسمح بتحرير المركبات المحملة داخلها بصورة مدروسة، مثل المواد المضادة للبكتيريا والمضادة للالتهاب والعوامل المساعدة على ترميم أنسجة الجلد. ومع انخفاض حرارة المنطقة أثناء التعافي، يمكن أن يتغير معدل إطلاق هذه المواد بما يتناسب مع حالة الجرح.
وقالت رئيسة المشروع، أناستاسيا شبيتشك، إن الباحثين استفادوا من الارتفاع الطبيعي في حرارة موضع الحرق لتطوير نظام قادر على التنظيم الذاتي لإطلاق المواد الفعالة، بما يتيح تكييف العلاج بصورة أدق مع تطور عملية التئام الجرح.
ضمادة متعددة المراحل
تختلف المنظومة الجديدة عن ضمادات الهيدروجيل التقليدية في بنيتها متعددة المكونات. إذ تتكون من جسيمات هلامية ميكروية ونانوية حساسة للحرارة، مدمجة داخل مصفوفة هلامية مائية تعمل بوصفها حاملًا رئيسيًا.
وتتيح هذه البنية تحميل أكثر من مادة علاجية وإطلاقها على مراحل مختلفة، بدلًا من تحرير الجرعة كاملة فور وضع الضمادة على الجلد. وقد يساعد ذلك على الحد من ظاهرة الإطلاق الدوائي السريع وغير المنضبط، والمحافظة على وجود المواد الفعالة في موضع الإصابة لفترة أطول.
كما يسمح التصميم، من الناحية النظرية، بدمج عدة وظائف علاجية في ضمادة واحدة، من بينها مكافحة العدوى، وتخفيف الاستجابة الالتهابية، والحفاظ على رطوبة الجرح، ودعم نمو الأنسجة الجديدة.
وتُستخدم الهلاميات المائية بالفعل في رعاية بعض أنواع الحروق لقدرتها على توفير بيئة رطبة للجرح وامتصاص الإفرازات والمساعدة على تبريد المنطقة المصابة وحمايتها من الملوثات. إلا أن الهيدروجيل لا يمتلك بالضرورة خصائص مضادة للميكروبات ما لم تُدمج فيه مواد علاجية إضافية، وهو ما يدفع الباحثين إلى تطوير ضمادات أكثر تفاعلاً مع بيئة الجرح.
تحمّل التعقيم وإطلاق دوائي متحكم فيه
أظهرت الاختبارات المختبرية أن الجسيمات التي طورها الفريق تتمتع بدرجة من التجانس والثبات، وأنها تستطيع الاحتفاظ بالمركبات التجريبية المحملة داخلها ثم إطلاقها بصورة متحكم فيها.
ومن النتائج المهمة أيضًا احتفاظ المادة بخصائصها بعد التعقيم، وهي خطوة أساسية لأي منتج مخصص للاستخدام على الحروق المفتوحة، نظرًا إلى ارتفاع خطر انتقال العدوى إلى الأنسجة التي فقدت حاجزها الجلدي الطبيعي.
واختبر الباحثون التوافق الحيوي للمنظومة باستخدام نموذج مخبري للجلد، إلى جانب تجارب أجريت على حيوانات المختبر، وأفادوا بأن النتائج الأولية تدعم مواصلة تطويرها للاستخدام في علاج إصابات الحروق.
نتائج واعدة وليست علاجًا معتمدًا بعد
رغم النتائج المشجعة، لا تزال التقنية في مرحلة البحث ما قبل السريري، ولم تُعرض حتى الآن نتائج تجارب سريرية واسعة تثبت فعاليتها وسلامتها لدى المصابين بالحروق مقارنة بالضمادات والعلاجات المعتمدة.
وسيحتاج انتقال المنظومة إلى الاستخدام الطبي الفعلي إلى دراسات إضافية لتحديد المواد الدوائية المناسبة للتحميل، وجرعاتها، وسرعة إطلاقها، ومدة بقاء الضمادة على الجرح، فضلًا عن تقييم احتمال حدوث الحساسية أو السمية الموضعية وتأثيرها في الندبات ومعدلات العدوى.
كما ينبغي التمييز بين إثبات قدرة المادة على الاحتفاظ بالمركبات وإطلاقها في المختبر، وبين إثبات أنها تسرّع التئام الحروق لدى المرضى؛ فالأخير يتطلب تجارب سريرية محكمة ومقارنات مباشرة مع أساليب العلاج القياسية.
ومع ذلك، تمثل المنظومة نموذجًا لما يُعرف بالضمادات الذكية، التي لا تكتفي بتغطية الجرح، بل تتفاعل مع تغيراته الحيوية والفيزيائية لتقديم العلاج في المكان والوقت المناسبين.
وفي حال أثبتت الدراسات السريرية المقبلة سلامة هذه المواد وفعاليتها، فقد تساهم في تطوير رعاية أكثر دقة للحروق، ولا سيما الإصابات العميقة أو المعرضة للعدوى والالتهاب المطول، من خلال ضمادة واحدة تجمع بين حماية الجرح والإطلاق الدوائي المتدرج ودعم تجدد الأنسجة.




