اكتب إلى أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي: «شو رأيك بهالشغلة؟»، ثم جرّب السؤال نفسه باللهجة المغربية أو العراقية أو الخليجية.
قد تحصل على إجابات مختلفة، رغم أن المعنى الأساسي للسؤال لا يتغير كثيراً.
والآن اكتب السؤال نفسه بالأحرف اللاتينية: «shu ra2yak bhal sheghle?».
بالنسبة إلى ملايين العرب، هذه ليست تجربة لغوية غريبة، بل طريقة طبيعية للتواصل عبر الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، تمثل هذه الاختلافات تحدياً حقيقياً.
فاللغة العربية التي تظهر في الكتب والصحف ليست دائماً اللغة التي يتحدث بها الناس في منازلهم وشوارعهم، كما أن الانتقال بين اللهجات لا يغيّر المفردات وحدها، بل قد يغيّر المعنى والسياق الاجتماعي وطريقة التعبير عن المشاعر.
في 15 تشرين الأول 2026، أعلنت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع شركة Inception42، إطلاق الجيل الثالث من نماذج «جيس» (Jais 3)، المصممة للتعامل مع العربية الفصحى واللهجات المحلية والكلام المكتوب بالأحرف اللاتينية.
ويضم المشروع ستة نماذج لغوية بأحجام مختلفة، إلى جانب نظام للتعرف على الكلام العربي وتحويله إلى نص.
لكن أهمية الإعلان لا تكمن فقط في عدد المعالجات أو حجم النموذج.
بل في سؤال أكبر يواجه المنطقة العربية بأكملها:
هل يستطيع العرب تطوير ذكاء اصطناعي يفهم لغتهم كما يستخدمونها فعلاً، أم سيظل يتعامل معها بوصفها نسخة مترجمة من الإنجليزية؟
من أبوظبي… ستة نماذج تتحدث العربية
لم تبدأ قصة «جيس» هذا الشهر.
فقد ظهر الجيل الأول منه عام 2023 بوصفه أحد المشاريع البارزة لتطوير نماذج لغوية تركّز على العربية والإنجليزية.
ثم جاء «جيس 2» في كانون الأول 2025.
أما الإصدار الجديد، «جيس 3»، فقد اتخذ اتجاهاً أكثر طموحاً.
فبدلاً من التركيز على إنتاج إجابات عربية سليمة لغوياً، تقول الجهات المطوّرة إنها صممت النماذج لتنفيذ أعمال عملية، مثل قراءة العقود، والتعامل مع المستندات، والبحث، وتحديث الملفات، واستخدام أدوات برمجية خارج المحادثة.
ويضم المشروع ستة أحجام تبدأ من 900 مليون مُعامل، وتصل إلى 375 مليار مُعامل.
لكن الرقم الأخير يحتاج إلى توضيح.
فالنموذج الأكبر يستخدم بنية تُعرف باسم «مزيج الخبراء»، تضم 375 مليار مُعامل إجمالاً، بينما يُفعَّل نحو 23 ملياراً منها عند معالجة الرمز الواحد.
وهذا لا يعني أنه يعادل نموذجاً كثيفاً يستخدم 375 مليار مُعامل في كل خطوة.
بل إن طريقة توزيع الحسابات تختلف، وهو ما يؤثر في استهلاك الموارد وسرعة التشغيل.
وتقول الجهة المطوّرة إن النماذج الصغيرة يمكن تشغيلها على تجهيزات محدودة نسبياً، بينما يتطلب النموذج الأكبر بنية حاسوبية متقدمة.
وهنا تظهر إحدى نقاط أهمية المشروع: لم يعد تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي العربية مقتصراً بالضرورة على نموذج عملاق واحد، بل أصبح بالإمكان اختيار أحجام مختلفة وفق طبيعة الاستخدام والموارد المتاحة.
لماذا لا تكفي العربية الفصحى؟
قد يبدو السؤال غريباً.
إذا كان النموذج يفهم العربية الفصحى، فلماذا يحتاج إلى تعلّم اللهجات؟
الجواب أن اللغة المستخدمة يومياً في المجتمعات العربية مختلفة بدرجة كبيرة عن اللغة المستخدمة في النصوص الرسمية.
فالمستخدم اللبناني قد يكتب «بدي»، بينما يكتب المصري «عايز»، والمغربي «بغيت».
وقد تتغير دلالة الكلمة نفسها من بلد إلى آخر.
ولا يقتصر الاختلاف على المفردات.
فهناك تعبيرات ساخرة، وأمثال شعبية، وإشارات ثقافية، وصيغ مجاملة أو رفض تختلف بين المجتمعات.
وقد تكون الجملة صحيحة نحوياً، لكنها غير مناسبة اجتماعياً إذا استُخدمت في المكان الخطأ.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما يخلط المستخدم العربية بالإنجليزية أو الفرنسية، أو يكتب العربية بالأحرف اللاتينية والأرقام.
ولهذا أعلنت الجهة المطوّرة لـ«جيس 3» أن بيانات التدريب تضمنت نصوصاً باللهجات العربية، ونصوصاً مكتوبة بأسلوب Arabizi، إلى جانب مواد ثقافية وأدبية ودينية.
لكن إدراج هذه البيانات لا يكفي وحده لإثبات أن النموذج يفهم جميع اللهجات بالمستوى نفسه.
دراسة مستقلة تكشف المشكلة
في تموز 2026، نُشرت دراسة علمية ضمن مؤتمر ACL المتخصص في معالجة اللغات الطبيعية، تناولت قدرة النماذج اللغوية على فهم الثقافة العربية عبر المحادثات اليومية.
طوّر الباحثون مجموعة تقييم باسم ArabCulture-Dialogue، تضم محادثات من 13 دولة عربية، بالفصحى ولهجات البلدان المعنية.
وشملت موضوعات حياتية متنوعة، مثل الطعام والزواج وتربية الأطفال والعادات الاجتماعية.
اختبر الباحثون النماذج في ثلاث مهام: اختيار الرد المناسب ثقافياً، والترجمة بين الفصحى واللهجات، ومواصلة المحادثة بلهجة محددة.
وأظهرت النتائج استمرار فجوة بين أداء النماذج باللغة الفصحى وأدائها باللهجات.
وكانت الصعوبة أكثر وضوحاً عندما طُلب من النماذج إنتاج لهجة محلية بصورة طبيعية، وليس فقط فهم معناها.
وهذا يكشف فرقاً مهماً بين قدرتين مختلفتين.
فقد يستطيع النموذج تفسير كلام شخص مغربي، لكنه يفشل في كتابة رد يبدو طبيعياً لمتحدث مغربي.
وقد يتعرف على كلمات خليجية، لكنه لا يفهم بالضرورة السياق الاجتماعي الذي تُستخدم فيه.
فمعرفة معنى الكلمات لا تعني دائماً فهم الناس الذين يستخدمونها.
ويجب الانتباه إلى أن الدراسة سبقت إطلاق «جيس 3»، وبالتالي لا تمثل اختباراً مستقلاً للإصدار الجديد نفسه.
إنها تكشف مشكلة أوسع في النماذج العربية والمتعددة اللغات، وتحدد نوع التحديات التي ينبغي اختبار النماذج الجديدة في مواجهتها.
15 ألف سؤال تكشف اختلاف أداء اللهجات
لم تكن هذه الدراسة الوحيدة التي أثارت المسألة.
ففي أيار 2026، قدّم باحثون مجموعة تقييم أخرى باسم DialectalArabicMMLU، خصصت لقياس قدرة النماذج على فهم المعرفة والاستدلال عبر اللهجات العربية.
اعتمد المشروع على ثلاثة آلاف سؤال جرى تكييفها يدوياً إلى خمس لهجات: السورية والمصرية والإماراتية والسعودية والمغربية.
ونتج عن ذلك 15 ألف زوج من الأسئلة والأجوبة باللهجات، موزعة على 32 مجالاً أكاديمياً ومهنياً.
واختبر الباحثون 19 نموذجاً لغوياً عربياً ومتعدد اللغات، تتراوح أحجامها بين مليار و13 مليار مُعامل.
وأظهرت النتائج اختلافات ملحوظة بين أداء النماذج على اللهجات المختلفة.
لم تكن المشكلة مجرد نقص في القدرة على ترجمة كلمة.
بل ظهرت صعوبات في تعميم المعرفة والاستدلال عندما يتغير شكل السؤال من الفصحى إلى العامية.
وهذا مهم خصوصاً عندما تبدأ المؤسسات باستخدام الذكاء الاصطناعي في خدمات حساسة.
فالمستخدم الذي يطرح سؤالاً مالياً أو إدارياً بلهجته لا ينبغي أن يحصل على معلومات أقل موثوقية لمجرد أنه لم يكتب بالفصحى.
لكن الدراسة، مثل سابقتها، ليست اختباراً للإصدار الجديد من «جيس».
إنها تقدم معياراً مستقلاً يمكن الاستفادة منه عند تقييم الادعاءات المتعلقة بتطور الذكاء الاصطناعي العربي.
ماذا تقول أرقام «جيس 3»؟
وفق التقرير التقني المنشور من معهد النماذج التأسيسية في جامعة محمد بن زايد، حققت نماذج «جيس 3» نتائج متقدمة ضمن مجموعة اختبارات عربية راجعتها الجهة المطوّرة.
فعلى سبيل المثال، سجّل الإصدار ذي السبعة مليارات مُعامل متوسطاً يبلغ نحو 79.4 في التقييمات العربية التي عرضها التقرير، مقارنةً بنحو 66.7 للجيل السابق «جيس 2» ذي السبعين مليار مُعامل.
أما النموذج الأكبر فسجّل متوسطاً بلغ 84.0، متقدماً بصورة طفيفة على عدد من النماذج المفتوحة التي شملتها المقارنة.
وهذه نتيجة لافتة، خصوصاً أن بعض النماذج الأصغر حجماً استطاعت التفوق على إصدارات أكبر منها.
لكن ماذا تعني هذه الدرجات؟
هي متوسطات أداء ضمن اختبارات اختارتها وأجرتها الجهة المطوّرة، وليست نسباً لعدد الإجابات الصحيحة في جميع الأسئلة التي قد يطرحها العرب.
كما أن نتائج الشركات لا تصبح بالضرورة مستقلة لمجرد إعلانها عن تفاصيل الاختبارات.
ومع ذلك، قدّمت الجهة المطوّرة خطوة مهمة نحو إمكانية التحقق، إذ نشرت أوزان النماذج وشيفرة التقييم ومجموعات اختبار مدققة، ما يسمح للباحثين بإعادة إجراء المقارنات.
ويبقى الحكم الأوسع على الأداء بحاجة إلى تقييمات مستقلة تشمل لهجات متنوعة، وبيانات جديدة، ومواقف عملية خارج الاختبارات المنشورة.
المفاجأة في بيانات التدريب: 59% اصطناعية أو مترجمة آلياً
من أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام في التقرير التقني أن نحو 59% من الرموز العربية المستخدمة في مرحلة رئيسية من تدريب «جيس 3» جاءت من مصادر اصطناعية أو مترجمة آلياً.
كما أفادت الجهة المطوّرة بأن نحو 36% من تلك البيانات ارتبط بمصادر تركز على اللهجات، بينها نصوص Arabizi ومواد لهجية متوازية وتفريغات كلامية.
هذه النسب لا تصف بالضرورة جميع البيانات المستخدمة في كل مراحل التدريب، بل تشير إلى المجموعة التي فصّلها التقرير ضمن مرحلة استكمال التدريب المسبق.
لكنها تطرح سؤالاً مهماً.
كيف يمكن بناء نموذج يفهم الثقافة العربية بالاعتماد الواسع على نصوص أنتجتها آلات أخرى؟
لا يعني استخدام البيانات الاصطناعية أن النموذج ضعيف بالضرورة.
فهي قد تساعد في إنتاج أمثلة تدريبية كثيرة، وسد نقص البيانات المتاحة لبعض المهام واللهجات.
لكن لها حدوداً واضحة.
فالنص المترجم آلياً قد ينقل معنى العبارة، من دون أن ينقل استخدامها الاجتماعي الطبيعي.
وقد تبدو المحادثة صحيحة من الناحية اللغوية، لكنها لا تشبه الطريقة التي يتحدث بها الناس في حياتهم اليومية.
وللتعامل مع هذا التحدي، توضح الجهة المطوّرة أنها استخدمت أنظمة تقييم لاختيار أمثلة أكثر ملاءمة من حيث المعنى والطبيعية ودقة اللهجة.
ومع ذلك، تبقى فعالية هذا الأسلوب بحاجة إلى قياس بشري مستقل، خصوصاً في التعبيرات المحلية شديدة الارتباط بالسياق.
هل أصبحت اللغة العربية صناعة تكنولوجية مستقلة؟
لفترة طويلة، اعتمد تطوير الذكاء الاصطناعي على مؤسسات وشركات تتمركز خارج المنطقة العربية.
وكان جزء كبير من التقدم في معالجة اللغات الطبيعية مرتبطاً باللغة الإنجليزية، بسبب وفرة البيانات والأبحاث والتطبيقات التجارية.
لكن السنوات الأخيرة شهدت ظهور عدد متزايد من المشاريع العربية.
فإلى جانب «جيس»، ظهرت نماذج مثل «علّام» في السعودية و«فنار» في قطر، إضافةً إلى مشاريع «فالكون» التي طورها معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي.
وفي 6 تشرين الأول 2026، أعلن المعهد إطلاق نموذج «Falcon-Emirati»، المصمم لفهم اللهجة الإماراتية ومفرداتها وتعبيراتها وسياقها الثقافي.
وتقول الجهة المطوّرة إنه حقق نتيجة 84.83% في اختبار إماراتي محلي، متفوقاً على النماذج المفتوحة التي شملتها المقارنة.
لكن هذا لا يثبت أنه الأفضل في جميع اللهجات العربية، أو أنه يتفوق على جميع النماذج التجارية المغلقة.
فالمقارنة كانت محددة بنماذج واختبارات معينة.
وتُظهر هذه المشاريع أن المنطقة لم تعد تعتمد حصراً على استيراد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت تنتج نماذج وتشارك في تطوير أدوات تقييمها.
مع ذلك، لا تكفي جنسية المؤسسة المطوّرة لتعريف الاستقلال التكنولوجي.
فهذا الاستقلال يرتبط أيضاً بالقدرة على امتلاك الخبرة، وتطوير البرمجيات، والوصول إلى موارد الحوسبة، وإدارة البيانات، والتدقيق في مخرجات الأنظمة.
من يملك اللغة التي تتعلم منها الآلات؟
تفتح مشاريع الذكاء الاصطناعي العربي سؤالاً يتجاوز الأداء التقني.
فإذا كانت النماذج تحتاج إلى ملايين الصفحات والمحادثات لفهم اللغة، فمن أين تأتي هذه المواد؟
هل هي نصوص منشورة بإذن أصحابها؟ أم مواد متاحة على الإنترنت؟ أم محادثات مولّدة اصطناعياً؟ وما حقوق المؤلفين وأصحاب المحتوى؟
يوضح تقرير «جيس 3» أنواعاً مختلفة من مصادر البيانات المستخدمة، بينها محتوى الويب، والكتب، والأخبار، والنصوص المترجمة، والبيانات المنتجة آلياً.
لكن الإفصاح عن فئات المصادر لا يعادل بالضرورة نشر قائمة كاملة بكل مادة استخدمت في التدريب، أو توضيح الوضع الحقوقي لكل نص.
وهذا ليس اتهاماً بوجود مخالفة قانونية.
بل سؤال يجب أن يرافق أي مشروع يعتمد على المحتوى اللغوي والثقافي لبناء منتجات يمكن استخدامها تجارياً.
فالعربية ليست مجموعة كلمات متاحة بلا أصحاب.
وراء هذه اللغة كتّاب وصحافيون ومترجمون ومؤسسات ومجتمعات تنتج المعرفة يومياً.
ومن هنا يصبح تطوير الذكاء الاصطناعي العربي مرتبطاً بمسألة أخرى: كيف يمكن أن يستفيد منتجو المحتوى العربي من القيمة التي تكتسبها بياناتهم في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟
وماذا عن الدول العربية الأقل حضوراً؟
قد تنجح النماذج الجديدة في الفصحى واللهجات الأكثر حضوراً ضمن بيانات التدريب، لكن العالم العربي ليس كتلة لغوية واحدة.
فطريقة الكلام في لبنان تختلف عن تونس، واللهجة العراقية ليست مطابقة للخليجية، كما تضم المنطقة أنماطاً لغوية محلية لا تحظى جميعها بالقدر نفسه من البيانات الرقمية.
وحتى داخل البلد الواحد، يمكن أن تتغير اللغة بحسب العمر والمنطقة والتعليم والخلفية الاجتماعية.
لهذا فإن الإعلان عن دعم «اللهجات العربية» لا يكفي وحده لإثبات جودة الأداء عبر كل المجتمعات.
وينبغي أن تشمل التقييمات اختبارات صُممت محلياً، وبمشاركة متحدثين أصليين، وعلى مهام واقعية.
فقد يكون النموذج جيداً في فهم عبارات قصيرة، لكنه أقل نجاحاً في محادثة طويلة تتضمن السخرية والتلميح والاختصار.
وقد يتعرف على اللهجة من النص، لكنه يجيب بطريقة لا يستخدمها أي متحدث محلي بصورة طبيعية.
وهذه الفجوة مهمة إذا كان الهدف بناء أدوات تخدم العرب جميعاً، وليس فقط الأسواق الأكثر قدرة على تمويل تطوير التكنولوجيا.
هل يمكن أن تصبح هذه النماذج مفيدة للمؤسسات العربية؟
تبدو التطبيقات العملية واسعة.
فقد تستفيد مؤسسة من نموذج يستطيع قراءة مستندات عربية وتلخيصها، أو معالجة طلبات العملاء باللهجات المحلية، أو التعامل مع الرسائل الصوتية والوثائق.
وقد تساعد النماذج الأصغر التي تُنشر داخل المؤسسة في تقليل الحاجة إلى إرسال بعض البيانات إلى خدمات خارجية.
كما أن إتاحة نماذج مفتوحة تحت رخصة Apache 2.0 تمنح المطورين مرونة أكبر في تجربتها وتعديلها وبناء تطبيقات عليها.
لكن الانفتاح التقني لا يضمن تلقائياً حماية الخصوصية.
فمكان حفظ البيانات، وصلاحيات الوصول إليها، وطريقة إعداد التطبيق، والعقود المبرمة مع مزودي الخدمات، كلها عوامل منفصلة عن كون النموذج مفتوح الأوزان.
كذلك فإن النجاح في اختبار لغوي لا يكفي للاعتماد على النظام في القرارات الطبية أو القانونية أو المالية الحساسة.
فهذه الاستخدامات تتطلب تقييمات إضافية وإشرافاً بشرياً وضوابط تتناسب مع المخاطر.
ومهما كانت اللغة طبيعية، فقد يظل النموذج قادراً على إنتاج معلومات خاطئة بثقة عالية.
التحدي الحقيقي ليس أن تتحدث الآلة بالعربية
لم يعد من الصعب نسبياً العثور على نموذج يستطيع كتابة فقرة عربية سليمة، أو ترجمة نص، أو إجراء محادثة بالفصحى.
لكن الانتقال إلى فهم حياة الناس اليومية أصعب بكثير.
فالعلاقة بين اللغة والثقافة لا تختصرها قائمة بالمفردات، ولا يكفي تمثيلها بمجموعة من الأسئلة متعددة الخيارات.
وقد يكون أداء نموذج معين ممتازاً في اختبار عن المفردات الإماراتية، لكنه يحتاج إلى تحسينات في فهم سياقات أخرى أو في التعامل مع لهجات لم تكن ممثلة بما يكفي في بيانات التدريب.
لهذا ينبغي أن يكون المعيار الأساسي لتطور الذكاء الاصطناعي العربي هو مدى خدمته للمستخدمين الحقيقيين.
هل يستطيع فهم سؤال بسيط باللهجة اللبنانية من دون تغيير معناه؟
وهل يفهم شكوى مكتوبة بالدارجة المغربية؟
وهل يستطيع التعامل مع طلب إداري باللغة العربية من دون اختلاق معلومات؟
وهل يحافظ على المعنى عندما ينتقل المستخدم بين الفصحى والعامية والإنجليزية خلال المحادثة نفسها؟
هذه أسئلة أكثر ارتباطاً بالواقع من الاكتفاء بإعلان عدد المعاملات أو ترتيب النموذج ضمن اختبار محدود.
هل بدأ العرب استعادة لغتهم من الذكاء الاصطناعي؟
يمثل إطلاق «جيس 3» تطوراً ملموساً في صناعة النماذج اللغوية العربية.
فالمشروع لا يكتفي بإعلان منتج جديد، بل يتضمن نماذج مفتوحة، ووثائق تدريب، ونتائج تقييم قابلة للمراجعة، ومحاولة واضحة لتطوير قدرات استخدام الأدوات والملفات باللغة العربية.
وفي الوقت نفسه، تكشف الدراسات المستقلة أن مشكلة اللهجات والتمثيل الثقافي لم تُحل بصورة نهائية.
والتقدم التقني الذي تحققه المؤسسات العربية لا يلغي الحاجة إلى مساءلتها حول جودة بيانات التدريب، وشمول اللهجات، وحقوق المحتوى، ونتائج الاختبارات المستقلة.
فالمنافسة الحقيقية لن تكون فقط بين «جيس» و«علّام» و«فنار» أو غيرها من النماذج.
بل ستكون بين نموذج يتحدث بالعربية بصورة تبدو مقنعة، ونموذج يمكن للناس الاعتماد عليه لأنه يفهم ما يقولونه، والسياق الذي يقولونه فيه.
فاللغة ليست مجرد وسيلة لإعطاء الأوامر للآلة، بل جزء من هوية المجتمع وذاكرته وطريقته في فهم العالم.
وقد ينجح الذكاء الاصطناعي يوماً في إتقان قواعد العربية كلها، لكنه سيظل بحاجة إلى اجتياز اختبار أصعب:
هل يستطيع أن يفهم العرب كما يتحدثون فعلاً، لا كما تتخيل الخوارزميات أنهم يتحدثون؟


