في بلدٍ لا يزال مطاره الدولي المنفذ الجوي الرئيسي إلى العالم، لا تبدو مسألة سلامة الطيران مجرّد ملف تقني يخصّ المهندسين والمراقبين. فهي تتعلق بآلاف المسافرين، وبثقة شركات الطيران، وبقدرة الدولة على إثبات أن مؤسساتها تعمل وفق معايير واضحة يمكن التحقق منها.
لكنّ تقريراً حديثاً عن مطار رفيق الحريري الدولي أعاد طرح سؤال طالما اختبأ خلف حركة الطائرات والبيانات الرسمية: هل تملك الدولة اللبنانية منظومة الرقابة والتجهيزات اللازمة لمواكبة طموحاتها في توسيع حركة الطيران؟
في السادس عشر من تشرين الأول 2026، كشفت وكالة رويترز، استناداً إلى ملخص تقرير داخلي صادر عن منظمة الطيران المدني الدولي، عن نواقص في اعتماد مطار بيروت وفي بعض عناصر السلامة والتشغيل والرقابة الجوية.
النتائج جاءت في لحظة سياسية واقتصادية حساسة، بعدما أعلنت الولايات المتحدة خطوات لإنهاء تعليق الرحلات المباشرة مع لبنان الذي استمر منذ عام 1985.
غير أنّ الطريق من القرار السياسي إلى هبوط أول طائرة أميركية مباشرة في بيروت يبدو أكثر تعقيداً مما توحي به الإعلانات.

شهادة انتهت صلاحيتها… ماذا يعني ذلك؟
بحسب رويترز، أرسلت منظمة الطيران المدني الدولي، المعروفة اختصاراً باسم ICAO، نتائج مهمة مساعدة تقنية أجرتها في لبنان خلال تموز 2026 إلى السلطات اللبنانية في أيلول.
وجاءت المهمة بناءً على طلب هيئة الطيران المدني اللبنانية نفسها، وهو تفصيل مهم لأنه يبيّن أن التقييم كان جزءاً من مسار مراجعة طلبته الجهة الوطنية المختصة، وليس إجراءً مفاجئاً فُرض عليها من الخارج.
لكنّ النتائج التي نُقلت عن ملخص التقرير كانت لافتة.
فقد أشار إلى انتهاء صلاحية شهادة الاعتماد المشروطة للمطار، وإلى نواقص في خطة الطوارئ وتجهيزات مكافحة الحرائق، إضافة إلى ثغرات مؤسسية في منظومة الرقابة والتحقيق بحوادث الطيران.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين.
انتهاء صلاحية شهادة الاعتماد لا يعني تلقائياً أنّ كل طائرة تقلع من المطار أو تهبط فيه تتعرض لخطر وشيك. وفي المقابل، فإن استمرار الرحلات بصورة طبيعية لا يكفي وحده لإثبات استيفاء جميع المتطلبات التنظيمية.
فشهادة المطار جزء من نظام رسمي يهدف إلى التأكد من توافر شروط التشغيل والسلامة وإجراءات التعامل مع المخاطر.
ومن هنا، فإن أهم سؤال لا يتعلق بوجود ورقة منتهية الصلاحية فقط، بل بسبب عدم تجديدها في موعدها، والمتطلبات التي لم تكن مستوفاة، والإجراءات اللازمة لمعالجتها.

طائرات طويلة المدى… وتجهيزات تحتاج إلى مراجعة
من أبرز النقاط التي وردت في التقرير مسألة قدرات مكافحة الحرائق.
فبحسب الملخص الذي اطلعت عليه رويترز، فإن موارد مكافحة الحرائق في مطار بيروت مجهزة لخدمة الطائرات ذات الممر الواحد، لكنها لا تستوفي الاحتياجات الموصوفة للطائرات الكبيرة ذات الممرين المستخدمة عادةً في الرحلات الطويلة.
قد يبدو هذا التفصيل تقنياً، لكنه يرتبط بجانب أساسي من تخطيط المطارات.
فالاستجابة لحوادث الطائرات تختلف بحسب حجمها وطولها وكميات الوقود وعدد الركاب والاحتياجات التشغيلية المرتبطة بها.
ولهذا تعتمد المعايير الدولية تصنيفات وإجراءات تحدد نوع الموارد المطلوبة للاستجابة للحوادث والطوارئ.
لكنّ التقرير المنشور إعلامياً لا يتيح لنا معرفة القائمة الكاملة بالمعدات المتوافرة في بيروت، أو المعدات المطلوب إضافتها، أو المدة اللازمة لتأمينها.
ولا يجوز من دون هذه المعلومات استنتاج أن جميع عمليات المطار تفتقر إلى وسائل الحماية، أو أن المطارات الأخرى تتعامل مع المتطلبات نفسها بالطريقة ذاتها.
السؤال القابل للتحقيق هو: ما فئة قدرات الإنقاذ ومكافحة الحرائق المعتمدة حالياً في مطار بيروت، وما الفئة المطلوبة لكل نوع من الطائرات المراد تشغيله؟
والأهم: هل وُضعت خطة محددة لتأمين التجهيزات والتدريبات اللازمة، ومتى يفترض إنجازها؟
أين خطة الطوارئ؟
الملاحظة الثانية في تقرير المنظمة الدولية تتعلق بغياب خطة طوارئ مستوفية، وفق ما ورد في الملخص.
وهذا البند يستحق توضيحاً مستقلاً.
فإدارة الطوارئ لا تقتصر على امتلاك سيارات إطفاء أو وجود فرق إنقاذ.
إنها تشمل إجراءات التنسيق بين الجهات المسؤولة عند وقوع حادث، وتحديد الصلاحيات، وسرعة الاستجابة، وطرق التعامل مع الإصابات، وإخلاء المناطق المتضررة، وإجراء التدريبات اللازمة.
ولا يعني وصف التقرير وجود نقص في خطة الطوارئ بالضرورة عدم وجود أي إجراءات محلية أو خطط تشغيلية على الإطلاق. فقد يتعلق الأمر بغياب خطة موحدة تستوفي المعايير المطلوبة أو بنقص في اعتمادها وتنفيذها.
لذلك، ينبغي أن يكون السؤال الموجّه إلى الجهات المختصة محدداً: هل توجد خطة مكتوبة ومعتمدة ومحدّثة لطوارئ المطار؟ ومتى أُجري آخر تمرين عملي عليها؟ وما البنود التي طلبت المنظمة الدولية استكمالها؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة أكثر فائدة للجمهور من الاكتفاء بعنوان يثير القلق ثم يتركه من دون تفسير.
خلل يتجاوز المطار إلى الجهة الرقابية
لم تقتصر الملاحظات على المدرج والتجهيزات.
فبحسب التقرير الذي نقلته رويترز، رُصد أيضاً نقص في المفتشين المؤهلين للإشراف على تراخيص مراقبة الحركة الجوية، وعدم وجود هيئة مستقلة ومكتملة التشغيل للتحقيق في حوادث الطائرات بصلاحيات محددة بوضوح.
وهذا الجانب قد يكون أكثر عمقاً من مسألة شهادة الاعتماد.
فالمطار لا يُدار بالآلات وحدها، وإنما بمنظومة تشمل العاملين والتدريب والتراخيص والرقابة والتحقيق والمساءلة.
وجود مفتشين مؤهلين يعني القدرة على فحص الالتزام بالمتطلبات الفنية، ومتابعة التصحيح، وتوثيق النتائج بصورة منتظمة.
أما استقلال التحقيق في حوادث الطيران، فيُفترض أن يساعد على تحديد أسباب الحوادث واستخلاص الدروس اللازمة لمنع تكرارها، بعيداً عن تضارب المصالح بين الجهات التي تدير العمليات والجهات التي تحقق في الإخفاقات.
ولا تسمح المعلومات المنشورة باعتبار وقوع حادث معين نتيجة لهذه الثغرات.
لكنها تشير إلى تحديات مؤسسية تستدعي معالجة لا تقتصر على شراء معدات جديدة.
فيمكن للمطار أن يحصل على تجهيزات حديثة، فيما تظلّ فعالية النظام ناقصة إذا لم تتوافر الكفاءات الرقابية والهياكل المستقلة القادرة على مساءلة الأداء.
الرد اللبناني: الإجراءات بدأت والعمليات مستمرة
لم تنكر السلطات اللبنانية وجود الملاحظات.
ففي تصريح نقلته رويترز، أكد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أن العمل جارٍ لمعالجة النواقص، وأن معظم المسائل التي وردت في التقرير كانت قد حُددت مسبقاً من هيئة الطيران المدني اللبنانية، وبدأت إجراءات تصحيحية بشأنها.
وعزا الوزير التأخير في التقدم إلى الظروف الناجمة عن الحرب.
كما أشار إلى بدء جهود إعادة اعتماد المطار، وتوقع الحصول على شهادة مشروطة خلال الأيام التالية.
وفي السادس عشر من تشرين الأول، أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، الكابتن محمد عزيز، لصحيفة «النهار» أن إجراءات تجديد شهادة الاعتماد مستمرة، وأن العملية قد تستغرق نحو أسبوع.
وأوضح أن انتهاء الصلاحية لا يترتب عليه بالضرورة توقف فوري لحركة الطيران، وأن العمليات مستمرة بصورة طبيعية.
وفي اليوم التالي، نقلت «العربية/الحدث» عن مصادر في الهيئة أن لبنان هو الذي طلب مهمة المنظمة الدولية، وأن المسار الجاري يهدف إلى تجديد الاعتماد واستكمال المتطلبات، مع التأكيد على عدم وجود خوف على حركة الطيران المعتادة.
هذه الردود أساسية لفهم الصورة كاملة.
فهي تبيّن أن السلطات لا تتعامل مع التقرير بوصفه حكماً بإغلاق المطار، بل جزءاً من عملية تصحيح وتجديد.
لكنّ التصريحات الإيجابية لا تلغي الحاجة إلى معرفة نتائج الإجراءات: ما الذي أُنجز فعلياً، وما الذي بقي معلقاً، وما الموعد الذي يمكن عنده التحقق من اكتمال الشروط؟

واشنطن فتحت الباب سياسياً… فلماذا لم تُفتح خطوط الطيران؟
في تموز 2026، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجهاً إلى السماح باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، بعد تعليق يعود إلى عام 1985، على خلفية خطف طائرة الرحلة 847 التابعة لشركة TWA.
ولاحقاً، وقّع أمراً يتيح المضي في الإجراءات الأميركية المتعلقة بإعادة الخدمة المباشرة.
لكنّ القرار السياسي ليس تصريحاً تشغيلياً نهائياً لشركة طيران.
فاستئناف الخطوط يتطلب تقييمات أمنية وفنية من الجهات الأميركية المختصة، بينها إدارة الطيران الفيدرالية وإدارة أمن النقل.
كما يتطلب استعداد شركات الطيران نفسها لتشغيل رحلات تجارية ضمن بيئة تراعي المخاطر والتكاليف والطلب المتوقع.
وقالت رويترز إن ثلاثة مسؤولين في شركات طيران أميركية لا يتوقعون عودة الرحلات إلى لبنان في المدى القريب، بسبب المخاوف الأمنية القائمة.
وهذه المخاوف ليست كلها مرتبطة بشهادة مطار بيروت.
فالاضطرابات العسكرية في المنطقة، ومخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة والمجالات الجوية المحيطة، تشكّل بدورها عوامل تؤثر في قرارات شركات الطيران.
ولهذا ينبغي الفصل بين مشكلتين: متطلبات الاعتماد والتشغيل الفني للمطار، والمخاطر الأمنية الإقليمية التي لا تستطيع إدارة المطار التحكم فيها وحدها.
من يدفع ثمن التأخير؟
لا يمكن التعامل مع الرحلات المباشرة إلى الولايات المتحدة باعتبارها مسألة بروتوكولية فقط.
فهي ترتبط بحركة المسافرين اللبنانيين والمغتربين، وبالعلاقات الاقتصادية والتجارية والسياحية، وبسهولة التنقل بين لبنان ودولة تضم جالية لبنانية كبيرة.
وقد تؤدي الرحلات المباشرة، إذا أصبحت متاحة ومجدية تجارياً، إلى تقليل الحاجة إلى رحلات الربط عبر مطارات أخرى.
لكنّ أي تقدير لحجم الوفر المالي أو لعدد المستفيدين يحتاج إلى بيانات تشغيلية وأسعار تذاكر فعلية، لا إلى افتراضات.
وفي المقابل، فإن تأخير معالجة النواقص التنظيمية قد يؤثر في ثقة شركات الطيران وفي خطط توسيع الرحلات مستقبلاً.
ولهذا فإن تكلفة التأخير لا تُقاس فقط بالوقت الذي ينتظره المسافر في المطارات، بل بفرص تطوير الربط الجوي التي قد تتأخر معها.
ومع ذلك، تبقى السلامة أولوية لا يجوز تجاوزها لتسريع الإعلان عن خطوط جديدة.
الأسئلة التي لا تزال من دون جواب
تتيح المعلومات المتاحة تأكيد وجود تقرير تقني تناول نواقص في منظومة الطيران المدني اللبناني، إلى جانب رد رسمي يعلن بدء العمل التصحيحي.
لكنها لا تكفي للحكم على مدى استكمال المعالجة.
فحتى تاريخ إعداد هذه المادة، لم نتمكن من الاطلاع بصورة مستقلة على النسخة الكاملة للتقرير الداخلي، أو على خطة تصحيح رسمية منشورة تتضمن كل بند والمهلة والمسؤول عن تنفيذه.
ومن هنا، تبرز أسئلة تستحق المتابعة:
لماذا انتهت صلاحية الشهادة المشروطة قبل إتمام إجراءات تجديدها؟ وما النواقص المحددة المطلوب تصحيحها؟ وما الموارد البشرية والمالية التي تحتاج إليها هيئة الرقابة الجوية؟ وهل أُقرّ مسار لإنشاء هيئة مستقلة للتحقيق بحوادث الطيران؟ ومتى تُعلن نتائج تقييم جديد يتيح التحقق من المعالجة؟
هذه الأسئلة لا تساوي اتهاماً بالإهمال أو الفساد، لكنها تحدّد ما ينبغي نشره حتى يمكن تقييم أداء الجهات المسؤولة.
سمعة المطار لا تُحمى بإخفاء الأسئلة
يشكّل استمرار حركة الطيران في بيروت، رغم الأزمات الأمنية والاقتصادية التي مرّ بها لبنان، جهداً مؤسسياً يستحق الاعتراف به.
لكنّ الاعتراف بجهود العاملين لا يتعارض مع مساءلة النظام الذي يشرف عليهم.
كما أنّ كشف النواقص لا يعني الدعوة إلى إثارة الذعر بين المسافرين، بل إلى معرفة طبيعتها وكيفية معالجتها.
فالثقة في الطيران المدني لا تقوم على طمأنة عامة وحدها، وإنما على إجراءات قابلة للفحص، وشهادات سارية، وتدريبات موثّقة، ومؤسسات رقابية تتمتع بالكفاءة والاستقلال.
لقد فُتح باب سياسي أمام عودة الرحلات المباشرة بين بيروت والولايات المتحدة، لكنّ الملف كشف أن القرار السياسي وحده لا يستطيع تعويض المتطلبات التقنية.
وبين تقرير دولي يحدد ثغرات، وسلطات لبنانية تؤكد بدء المعالجة، تبقى المساءلة مرتبطة بنتيجة يمكن قياسها، لا بمجرد الإعلان عن النوايا.
فالمطار لا يحتاج إلى شهادة ثقة من السياسيين بقدر ما يحتاج إلى منظومة تثبت سلامتها باستمرار.
والسؤال الذي يطرحه المسمار: إذا كانت النواقص معروفة وبدأ العمل على معالجتها، فمتى يصبح بإمكان اللبنانيين الاطلاع على ما أُنجز فعلياً، وما لا يزال ينتظر التصحيح؟


