هل فكّرت يوماً في مقدار الدقة التي يحتاج إليها هاتفك حتى يحدّد موقعك على الخريطة؟ أو كيف تستطيع شبكات الاتصالات حول العالم تبادل المعلومات في أجزاء ضئيلة من الثانية، من دون أن تتحوّل الفوضى الزمنية إلى مشكلة تقنية هائلة؟
خلف هذه الخدمات التي نستخدمها يومياً، تعمل أنظمة معقّدة لقياس الوقت ومزامنته، تعتمد في جانب أساسي منها على الساعات الذرية.
لكن ماذا لو لم تعد الذرة، بالطريقة التي اعتدنا قياسها، نهاية الطريق؟
في تطوّر علمي نُشرت تفاصيله في السابع من تشرين الأول 2026، كشفت دراستان في مجلة Nature عن تشغيل ساعات نووية تعتمد على انتقالات الطاقة داخل نواة الذرة نفسها.
الإنجاز حقّقه فريقان بحثيان بصورة مستقلة، أحدهما في أوروبا والآخر في الصين، مستخدمين نظيراً مشعاً من عنصر الثوريوم يُعرف باسم الثوريوم-229.
وللمرة الأولى، لم تعد الساعة النووية مجرد مفهوم نظري أو تجربة لرصد خاصية فيزيائية، بل أصبحت نظاماً يستطيع الاستفادة من انتقال نووي لضبط تردد ليزر والحفاظ على مرجع زمني قابل للقياس.
لكن السؤال الأهم ليس: هل يستطيع العلماء صناعة ساعة جديدة؟ بل لماذا نحتاج إلى ساعة أدق مما نملك أصلاً؟
كيف نقيس الثانية اليوم؟
قبل فهم الإنجاز الجديد، لا بد من العودة إلى مفهوم يبدو بديهياً: الثانية.
فنحن اعتدنا تقسيم اليوم إلى ساعات ودقائق وثوانٍ، لكن العلم الحديث لا يعتمد على حركة عقارب الساعة لتعريف الزمن.
منذ عقود، أصبح تعريف الثانية مرتبطاً بخصائص فيزيائية ثابتة للذرات.
وبحسب المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM)، تُعرَّف الثانية بالاستناد إلى تردد انتقال محدّد بين مستويين للطاقة في ذرة السيزيوم-133، يعادل 9,192,631,770 دورة في الثانية.
بمعنى مبسّط، تُستخدم ظاهرة ذرية شديدة الانتظام بوصفها مرجعاً يمكن إعادة إنتاجه وقياسه بدقة عالية.
ومع تقدّم تقنيات الليزر والفيزياء الكمّية، طوّر العلماء ساعات ذرية بصرية تستند إلى انتقالات طاقة أعلى تردداً، وتمكّن بعضُها من تجاوز ساعات السيزيوم التقليدية في الأداء المخبري.
ومع ذلك، ظل السؤال قائماً: هل يمكن العثور على مرجع فيزيائي أكثر مقاومة للمؤثرات المحيطة؟
من هنا بدأت فكرة الساعة النووية.
ما الفرق بين الساعة الذرية والساعة النووية؟
تتكوّن الذرة من نواة صغيرة في مركزها، تضم البروتونات والنيوترونات، وتحيط بها الإلكترونات.
في الساعات الذرية المعتادة، يعتمد قياس التردد على انتقال الإلكترونات بين مستويات طاقة محددة، أو على انتقالات مرتبطة بحالاتها الكمّية.
أما الساعة النووية، فتنقل المرجع إلى داخل النواة نفسها.
وهذا الفرق مهم؛ لأن النواة أصغر بكثير من الذرة، وتكون بعض انتقالاتها أقل تأثراً بالاضطرابات الكهرومغناطيسية الخارجية مقارنة بالانتقالات الإلكترونية.
نظرياً، قد تسمح هذه الخصائص ببناء ساعات أكثر ثباتاً وأقل حساسية لبعض الظروف البيئية.
لكن هناك عقبة أساسية: معظم الانتقالات النووية تتطلب طاقات مرتفعة جداً، ما يجعل التحكم بها بواسطة الليزر أمراً بالغ الصعوبة.
وهنا يظهر عنصر الثوريوم-229.
الثوريوم-229… العنصر الذي فتح الباب
يمتلك نظير الثوريوم-229 حالة نووية مثارة ذات طاقة منخفضة بصورة استثنائية مقارنة بمعظم الانتقالات النووية الأخرى.
وهذا ما يجعل الانتقال بين حالتيه النوويتين قابلاً للإثارة باستخدام ضوء ليزر في نطاق الأشعة فوق البنفسجية الفراغية، عند طول موجي يقارب 148 نانومتراً.
بالنسبة إلى الفيزيائيين، هذه الخاصية نادرة للغاية.
فبدلاً من الحاجة إلى أجهزة لإنتاج إشعاعات ذات طاقات نووية عالية، أصبح بالإمكان استخدام تقنيات ليزر متطورة للتفاعل مباشرةً مع انتقال الطاقة داخل النواة.
لكن امتلاك نواة قابلة للإثارة ليس كافياً لصناعة ساعة.
فلكي تتحول الظاهرة إلى أداة لقياس الزمن، يجب أن يتمكّن الباحثون من رصد الانتقال باستمرار، ومعرفة مدى انحراف تردد الليزر عنه، ثم تصحيح ذلك الانحراف تلقائياً.
وهذا تحديداً ما أظهرته الدراستان الجديدتان.
فريقان يتسابقان إلى قلب الذرة
قدّم الفريق الأوروبي، الذي شارك فيه باحثون من جامعة فيينا التقنية ومؤسسات أخرى، ساعة نووية تعتمد على بلورة صغيرة من فلوريد الكالسيوم تحتوي على نوى الثوريوم-229.
وباستخدام ليزر مناسب، تمكّن الباحثون من رصد امتصاص الضوء المرتبط بالانتقال النووي، ثم إنشاء نظام تغذية راجعة يصحّح تردد الليزر باستمرار.
وبصورة مستقلة، قدّم فريق بحثي في الصين تجربة مماثلة، مستخدماً تقنيات متقدمة لإنتاج الأشعة فوق البنفسجية وتطوير بلورات ملائمة لاحتواء النظير النووي.
ورغم اختلاف بعض التفاصيل التقنية، نجح الفريقان في تحقيق الهدف الجوهري نفسه: استخدام انتقال داخل نواة الذرة بوصفه مرجعاً فعلياً لضبط التردد.
كما أظهرت نتائج الفريق الصيني تقارب ترددات الانتقال المقاسة في بلورتين صُنعتا بصورة مستقلة، وهو اختبار مهم لإمكانية تكرار القياسات مستقبلاً.
وكانت الفرق البحثية قد كشفت عن نتائجها الأولية في نسخ بحثية خلال حزيران 2026، قبل نشر الدراستين المحكّمتين في مجلة Nature في تشرين الأول.
لكن هل تعني هذه النتائج أن العلماء اخترعوا الساعة الأكثر دقة في التاريخ؟
ليس بعد.
لماذا لا تتفوّق الساعات النووية على الساعات الذرية حتى الآن؟
هنا ينبغي التمييز بين نجاح الفكرة الفيزيائية والوصول إلى جهاز يتفوّق عملياً على التقنيات القائمة.
فالساعات النووية الجديدة أصبحت قادرة على العمل، لكن مستوى استقرارها الحالي لا يزال أدنى من أفضل الساعات الذرية البصرية.
والاستقرار يعني قدرة الساعة على الحفاظ على تردد منتظم خلال فترات القياس، بينما تتعلق الدقة بمدى اقتراب القياس من قيمة مرجعية صحيحة بعد احتساب المؤثرات والأخطاء المنهجية.
وقد حقّق الفريقان مستويات متقدمة من الاستقرار بالنسبة إلى هذا النوع الجديد من الساعات، إلا أن المختبرات ستحتاج إلى تحسينات إضافية في الليزر والبلورات والإلكترونيات وطرق التحكم بالمؤثرات البيئية.
ويعني ذلك أن التقنية تجاوزت مرحلة مهمة، لكنها لم تصبح بعد بديلاً تجارياً جاهزاً للساعات الذرية المستخدمة اليوم.
كما أن الثوريوم-229 نظير مشع ونادر نسبياً، ما يطرح تحديات إضافية تتعلق بتوفيره والتعامل معه وتصنيع الأجهزة المعتمدة عليه.
فالمسافة بين نجاح تجربة مخبرية وإنتاج تقنية قابلة للاستخدام الواسع قد تكون طويلة.
من الإنترنت إلى الأقمار الصناعية… لماذا تهمّنا هذه الدقة؟
قد يبدو تطوير ساعة أدق مشروعاً بعيداً عن اهتمامات الناس اليومية، لكنه يرتبط ببنية تحتية لا تستغني عنها المجتمعات الحديثة.
فأنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية تعتمد على قياسات زمنية شديدة الدقة لحساب المسافة بين المستقبل والأقمار الصناعية.
أي خطأ في توقيت الإشارات يمكن أن يتحوّل إلى خطأ في تحديد الموقع.
وفي شبكات الاتصالات، تُستخدم المزامنة الزمنية لتنظيم تبادل البيانات وعمل أجزاء مختلفة من البنية الشبكية.
كما تتطلب بعض الأنظمة المالية والصناعية والعلمية مرجعيات زمنية دقيقة وقابلة للتتبّع.
ومن حيث المبدأ، يمكن لتطوير ساعات أكثر استقراراً وموثوقية أن يساعد مستقبلاً على تحسين بعض هذه التطبيقات.
لكن لا توجد أدلة حتى الآن على أن الساعات النووية الجديدة ستُركّب قريباً داخل الهواتف أو الأقمار الصناعية، أو أنها ستؤدي مباشرةً إلى تحسين خدمات الإنترنت.
ما تحقق هو تقدّم في التكنولوجيا الأساسية التي قد تُستخدم في أجيال لاحقة من أنظمة القياس.
وبالتالي، فإن الحديث عن ثورة فورية في الملاحة والاتصالات سيكون سابقاً لأوانه.
المفاجأة الأكبر: الساعة قد تساعد في البحث عن المادة المظلمة
لا تتوقف أهمية الساعات النووية عند قياس الزمن.
فهناك سؤال فيزيائي أكبر بكثير: ممّ يتكوّن معظم محتوى الكون من المادة؟
تشير الأدلة الفلكية إلى وجود مادة غير مرئية تُعرف باسم «المادة المظلمة»، يستدل العلماء على تأثيراتها الجاذبية، لكن طبيعتها الأساسية ما تزال مجهولة.
وتفترض بعض النماذج النظرية أن أنواعاً محتملة من المادة المظلمة قد تؤثر، بدرجات ضئيلة للغاية، في بعض الثوابت الفيزيائية أو طاقات الانتقال داخل الذرات والنوى.
ولو حدث هذا التأثير، فقد يظهر في صورة تغيّرات دقيقة جداً في تردد ساعة شديدة الحساسية.
لهذا السبب استخدم الفريق الأوروبي ساعته النووية في تجربة للبحث عن انحرافات دورية أو بطيئة قد تتوافق مع نماذج محددة للمادة المظلمة فائقة الخفة.
وتمكّن الباحثون من وضع قيود جديدة على بعض هذه النماذج، من خلال مقارنة القياسات بمراجع ذرية دقيقة.
لكن التجربة لم تقدّم دليلاً على اكتشاف المادة المظلمة.
وهذا فرق جوهري؛ فالقدرة على استبعاد نطاقات معينة من الاحتمالات النظرية تُعد إنجازاً علمياً، لكنها ليست إثباتاً لوجود جسيم جديد.
مع ذلك، تظهر النتيجة أن الساعة النووية تستطيع أداء دور يتجاوز مهمتها التقليدية، لتصبح أداة في اختبار القوانين الأساسية للفيزياء.
هل ستتغير الطريقة التي نعرّف بها الزمن؟
من اللافت أن المجتمع العلمي يدرس بالفعل إمكان إعادة تعريف الثانية في المستقبل، بعد أن تفوّقت بعض الساعات الذرية البصرية على الأنظمة التقليدية المرتبطة بالسيزيوم في مستويات معينة من الدقة.
لكن هذه المناقشات لا تعني أن الساعات النووية الجديدة أصبحت المرشح المعتمد لتعريف الثانية.
فالمكتب الدولي للأوزان والمقاييس يدرس مسارات قائمة على مراجع ذرية بصرية، وتبقى أي مراجعة رسمية لتعريف الثانية خاضعة لمعايير علمية واتفاق دولي وإجراءات دقيقة.
أما الساعات النووية، فهي ما تزال في مرحلة التطوير، وتحتاج إلى مزيد من التحقق والمقارنة المستقلة قبل التفكير في استخدامها مرجعاً زمنياً عالمياً.
وقد يستغرق ذلك سنوات من الأبحاث.
حين يصبح قلب الذرة ساعة
من الساعات الشمسية القديمة إلى البندول ثم البلورات الإلكترونية والساعات الذرية، ارتبط تطور الحضارة البشرية بمحاولاتها المستمرة لقياس الزمن بصورة أفضل.
واليوم، يضيف العلماء فصلاً جديداً إلى هذه الرحلة، بالانتقال من مراقبة حركة الأجرام السماوية إلى الاستفادة من ظواهر كمّية تقع داخل نواة الذرة.
لا نملك حتى الآن ساعة نووية تتفوق على جميع الساعات القائمة، ولا جهازاً جديداً سيغيّر حياة المستخدمين بين ليلة وضحاها.
لكننا نملك إثباتاً تجريبياً مهماً على أن انتقالاً نووياً يمكن أن يتحوّل إلى مرجع مستقر لقياس التردد.
وربما يكون الأثر الأكثر إثارة لهذا الإنجاز خارج عالم الساعات تماماً؛ في التجارب التي تحاول كشف أسرار المادة المظلمة، واختبار ثبات قوانين الطبيعة، وفهم ما إذا كانت الثوابت الفيزيائية ثابتة بالفعل كما نعتقد.
فالساعة التي يبدأ العلماء اليوم بضبطها على نبض نواة الذرة قد لا تخبرنا بالوقت فحسب… بل قد تساعدنا يوماً على فهم الكون نفسه.
المصادر العلمية
1. Nature – 7 October 2026
A thorium-229 optical nuclear clock with feedback loop
https://doi.org/10.1038/s41586-026-11084-4
2. Nature – 7 October 2026
A nuclear clock synchronized to 229Th
https://doi.org/10.1038/s41586-026-11122-1
3. Nature – News & Views
Nuclear clocks tick for the first time
https://doi.org/10.1038/d41586-026-03060-9
4. المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM)
التعريف الرسمي للثانية:
https://www.bipm.org/en/si-base-units/second
5. BIPM – الأسئلة المتعلقة بإعادة تعريف الثانية


