مراجعة علمية واسعة ترصد ارتباطاً إحصائياً لافتاً… لكن فصيلة الدم ليست حكماً مسبقاً بالإصابة
أظهرت مراجعة علمية واسعة أن الأشخاص من ذوي فصيلة الدم B قد يواجهون أرجحية أعلى قليلاً للإصابة بداء السكري من النوع الثاني مقارنة بالأشخاص الذين يحملون فصائل دم أخرى، في نتيجة تفتح باباً جديداً لفهم العوامل البيولوجية التي قد تسهم في تطور أحد أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً.
غير أن الباحثين يشددون على أن فصيلة الدم لا تحدد المصير الصحي للإنسان، ولا يمكن اعتمادها بمفردها للتنبؤ بالإصابة بالسكري أو لاتخاذ قرارات طبية تتعلق بالفحص والعلاج.
ماذا وجدت الدراسة؟
الدراسة، المنشورة في دورية BMC Medicine في 20 مايو/أيار 2024، لم تكن تجربة سريرية جديدة، بل «مراجعة شاملة» أو Umbrella Review، وهي دراسة تجمع نتائج مراجعات منهجية وتحليلات تلوية منشورة سابقاً، ثم تعيد تقييم قوة الأدلة ومدى اتساقها واحتمال تأثرها بالتحيزات الإحصائية.
وحلل فريق بحثي بقيادة عالمة الأوبئة فانغ هوا ليو، من مستشفى شينغجينغ التابع لجامعة الصين الطبية، 51 مراجعة منهجية تضمنت 270 علاقة محتملة بين فصائل الدم وفق نظامي ABO وعامل ريزوس Rh، ومجموعة واسعة من النتائج الصحية.
وبعد إعادة تحليل البيانات واختبار مدى موثوقية العلاقات المرصودة، وجد الباحثون أن الرابط الوحيد الذي استوفى معاييرهم الإحصائية الأعلى كان العلاقة بين فصيلة الدم B والسكري من النوع الثاني.
وأظهرت النتائج أن أصحاب الفصيلة B سجلوا نسبة أرجحية مجمعة بلغت 1.28 مقارنة بأصحاب الفصائل غير B، مع فاصل ثقة تراوح بين 1.17 و1.40. واستند التحليل إلى بيانات شملت 6870 حالة إصابة، مع مستوى منخفض نسبياً من التباين بين الدراسات.
ماذا تعني زيادة بنسبة 28%؟
قد يساء فهم هذه النتيجة على أنها تعني أن 28% من أصحاب فصيلة الدم B سيصابون بالسكري، لكن هذا التفسير غير صحيح.
فالرقم يشير إلى زيادة نسبية في الأرجحية مقارنة بالأشخاص من الفصائل الأخرى، ولا يكشف بمفرده عن مقدار الخطر المطلق الذي يواجهه كل فرد. ويعتمد الخطر الفعلي على عوامل متعددة، من بينها العمر والوزن والتاريخ العائلي ومستوى النشاط البدني ووجود مرحلة ما قبل السكري.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الخطر الأساسي لدى مجموعة معينة منخفضاً، فإن ارتفاعه نسبياً بنسبة 28% قد يبقي الخطر المطلق منخفضاً. أما لدى شخص يجمع عدة عوامل خطر، فقد تصبح فصيلة الدم عاملاً إضافياً صغيراً ضمن صورة صحية أكثر تعقيداً.
كذلك استخدمت الدراسة «نسبة الأرجحية» لا «نسبة الخطر» المباشرة، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع تحويل الرقم إلى توقع شخصي للإصابة.
هل تشمل النتيجة الفصيلتين B+ وB-؟
نعم، تتعلق النتيجة بفصيلة الدم B عموماً، بصرف النظر عن كون عامل ريزوس موجباً أو سالباً. ولم يجد الباحثون ما يشير إلى أن عامل Rh كان العنصر الحاسم وراء الارتباط المرصود.
وتُحدَّد فصيلة الدم وفق مستضدات موجودة على سطح خلايا الدم الحمراء. ففي حين تحمل الفصيلة A المستضد A، وتحمل الفصيلة B المستضد B، تجمع الفصيلة AB المستضدين، بينما لا تحمل الفصيلة O أياً منهما. أما الإشارة الموجبة أو السالبة فترتبط أساساً بوجود عامل ريزوس أو غيابه.
ارتباط إحصائي لا يثبت السببية
على الرغم من قوة النتيجة وفق معايير المراجعة الإحصائية، لا تثبت الدراسة أن فصيلة الدم B تسبب السكري.
فالبيانات التي اعتمدت عليها كانت رصدية، وبعض الدراسات المشمولة كانت من نوع الحالات والشواهد أو الدراسات المقطعية، وهي تصميمات تستطيع كشف الارتباطات، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية.
كما أقر الباحثون بأن المراجعة لم تتمكن من ضبط جميع العوامل المربكة المحتملة، بسبب عدم توافر بيانات موحدة عن الوزن والنظام الغذائي والنشاط البدني والخلفية السكانية وغيرها من المتغيرات في المراجعات الأصلية.
ومن النقاط المهمة أيضاً أن العلاقة صُنفت «مقنعة» وفق نظام تصنيف إحصائي خاص بالمراجعات الشاملة، لكن أياً من النتائج الصحية التي فحصتها الدراسة لم يصل إلى مستوى يقين مرتفع وفق منهجية GRADE المستخدمة لتقييم جودة الأدلة الطبية. وهذا يعني أن النتيجة جديرة بالاهتمام والبحث، لكنها لا تزال بحاجة إلى دراسات مستقبلية كبيرة وطويلة المدى.
لماذا قد ترتبط فصيلة الدم بالسكري؟
لم تحدد الدراسة آلية بيولوجية مؤكدة تفسر العلاقة، لكن الباحثين طرحوا عدداً من الفرضيات.
قد تؤثر الاختلافات الجينية المرتبطة بنظام ABO في مستويات بعض البروتينات والوسائط الالتهابية، أو في طريقة تفاعل الجسم مع الإنسولين وتنظيم الغلوكوز. كما يُعتقد أن فصيلة الدم قد ترتبط باختلافات في تركيب الميكروبيوم المعوي، الذي يؤدي دوراً في استقلاب الطاقة والالتهاب منخفض الدرجة وحساسية الإنسولين.
لكن هذه التفسيرات لا تزال افتراضية، ولا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن ميكروبات الأمعاء أو مؤشرات الالتهاب هي التي تسبب زيادة الأرجحية لدى أصحاب الفصيلة B.
هل يحتاج أصحاب الفصيلة B إلى فحوص خاصة؟
لا توصي النتائج الحالية بإجراء برنامج فحص مختلف يعتمد على فصيلة الدم وحدها، ولا توجد مبررات للقلق لمجرد أن الشخص يحمل الفصيلة B.
وتظل عوامل الخطر المعروفة أكثر أهمية من فصيلة الدم، وفي مقدمتها زيادة الوزن أو السمنة، وقلة النشاط البدني، والتقدم في العمر، ووجود إصابة لدى أحد الوالدين أو الأشقاء، والإصابة السابقة بسكري الحمل أو بمرحلة ما قبل السكري. كما يمكن خفض الخطر عبر النشاط البدني المنتظم، واتباع نمط غذائي متوازن، وخفض الوزن عند وجود زيادة فيه.
أما قرار فحص سكر الدم أو الهيموغلوبين السكري HbA1c، فينبغي أن يستند إلى التقييم الطبي الشامل وعوامل الخطر المعتمدة، لا إلى فصيلة الدم بصورة منفردة.
مؤشر إضافي لا أكثر
تكمن أهمية الدراسة في أنها توضح أن الخصائص البيولوجية الثابتة، ومنها فصيلة الدم، قد تحمل معلومات إضافية عن القابلية للإصابة ببعض الأمراض. إلا أن قيمتها السريرية الحالية ما زالت محدودة.
فالإنسان لا يستطيع تغيير فصيلة دمه، لكنه يستطيع التأثير في مجموعة كبيرة من العوامل الأكثر ارتباطاً بالسكري، مثل الوزن والحركة والغذاء والمتابعة الطبية المبكرة.
وبذلك يمكن النظر إلى الفصيلة B باعتبارها إشارة بحثية محتملة ضمن شبكة واسعة من العوامل الوراثية والبيئية، لا باعتبارها تشخيصاً مبكراً أو إنذاراً حتمياً بالإصابة. والرسالة الأهم ليست الخوف من فصيلة الدم، بل معرفة عوامل الخطر القابلة للتعديل والعمل على السيطرة عليها قبل تطور المرض.




