بعد عامين من الغياب على وقع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتداعياتها التي خيّمت على المشهد الفلسطيني، عاد مهرجان القدس إلى الحياة الثقافية في المدينة، مفتتحاً دورته الثلاثين بأمسية موسيقية حملت تحية خاصة إلى الفنان والموسيقي اللبناني الراحل زياد الرحباني.
واحتضن مركز يبوس الثقافي في وسط القدس الشرقية الأمسية الافتتاحية، حيث قدّمت فرقة القدس للموسيقى العربية مجموعة من أبرز أعمال الرحباني، مستعيدةً جانباً من إرثه الموسيقي والفني الذي ترك حضوراً واسعاً في الذاكرة الثقافية العربية.
وشملت الأمسية عدداً من أغنيات الرحباني المعروفة، من بينها «اسمع يا رضا» و**«الحالة تعبانة يا ليلى»** و**«تلفن عياش»** و**«سلملي عليه»**، فيما أدى عضو الفرقة محمد بلبيسي أغنية «بلا ولا شي».
واختتمت جوقة الفرقة، المؤلفة من خمسة مؤدّين، العرض بأغنية «أنا مش كافر بس الجوع كافر»، في مشهد حمل بعداً فلسطينياً واضحاً، إذ ظهرت اثنتان من المشاركات بزي مزين بالتطريز الفلسطيني.
عودة بعد انقطاع
وتأتي الدورة الثلاثون للمهرجان بعد توقف دام نحو عامين، إذ كانت آخر دورة قد نُظمت عام 2023، قبل اندلاع الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه.
وقال رئيس مجلس إدارة مركز يبوس الثقافي، الموسيقي سهيل خوري، إن مهرجان القدس، رغم بلوغه دورته الثلاثين، يمتد تاريخه الفعلي لنحو أربعة عقود، موضحاً أن محطات مختلفة من الصراع والانتفاضات والحروب تسببت في توقفه أكثر من مرة.
وأكد خوري أن استئناف المهرجان في هذه المرحلة يحمل رسالة تتجاوز تنظيم الفعاليات الفنية، مشيراً إلى أن الهدف يتمثل في إعادة جمع الناس ومنحهم مساحة للأمل واستعادة الحياة الثقافية في المدينة.
وأضاف أن رحيل زياد الرحباني دفع القائمين على المهرجان إلى التفكير في افتتاح الدورة الجديدة بعمل يستعيد موسيقاه ويحيي ذكراه، بالنظر إلى ما تمثله أعماله من حضور في الوجدان العربي.
زياد الرحباني في ذاكرة الجمهور
بدوره، رأى المخرج الفلسطيني يوسف الصالحي أن اختيار أعمال زياد الرحباني لافتتاح المهرجان يرتبط بحجم حضور الفنان الراحل في ذاكرة أجيال واسعة من الجمهور.
وقال الصالحي إن أمسية الرحباني تستعيد جزءاً كبيراً من الذاكرة الفنية والثقافية لدى الحاضرين، مشدداً على حاجة القدس إلى المزيد من الفعاليات التي تعيد الجمهور إلى المساحات الثقافية والفنية.
ويُعد زياد الرحباني واحداً من أبرز الموسيقيين والمسرحيين العرب الذين مزجوا في أعمالهم بين الموسيقى الشرقية والجاز والمسرح السياسي والاجتماعي الساخر، وارتبطت أغنياته ومسرحياته على مدى عقود بقضايا الناس وهمومهم اليومية.
الثقافة في مواجهة العزلة
وتقول إدارة المهرجان إن تنظيم حدث ثقافي يحمل اسم القدس يهدف إلى إحياء الحياة الثقافية وإعادة الروح إلى شوارع المدينة، في ظل ظروف سياسية وأمنية واجتماعية ضاغطة يعيشها الفلسطينيون في القدس الشرقية، التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
ولا تبدو عودة المهرجان، وفق القائمين عليه، مجرد استئناف لبرنامج فني توقف بفعل الحرب، بل محاولة لاستعادة الحيز العام والثقافي، وإبقاء المدينة حاضرة بوصفها مساحة للإنتاج الفني والتفاعل المجتمعي.
ويقام مهرجان القدس هذا العام بالشراكة مع مهرجان «ليالي الطرب في قدس العرب» الذي ينظمه المعهد الوطني للموسيقى، في تعاون يوسع نطاق الفعاليات ويجمع مؤسسات ثقافية وموسيقية فلسطينية ضمن برنامج مشترك.
ومن المقرر أن تتواصل فعاليات المهرجانين على مدى نحو شهرين، وتشمل عروضاً موسيقية وغنائية، إلى جانب ندوات ثقافية ومعارض فنية تستضيفها مواقع مختلفة في القدس الشرقية حتى 15 تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وبينما افتُتحت الدورة الجديدة على أنغام زياد الرحباني، يراهن القائمون على المهرجان على أن تشكل عودته مساحة لاستعادة شيء من الحياة العامة التي عطلتها الحرب، وأن يبقى الفن، وسط واقع سياسي شديد التعقيد، وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية وتعزيز حضور القدس الثقافي.





