تحول المسلسل الكرتوني الروسي الشهير «ماشا والدب» من عمل ترفيهي موجه للأطفال إلى محور جدل سياسي واسع في بريطانيا، بعدما طالب عشرات النواب بإعادة النظر في عرضه على المنصات الرقمية، بدعوى احتوائه على رسائل دعائية تخدم صورة روسيا وتستهدف الأطفال في سن مبكرة.
العمل، الذي يروي مغامرات طفلة شديدة الحركة تدعى ماشا، تعيش سلسلة من المواقف الطريفة والفوضوية برفقة دب هادئ يجد نفسه مضطرا باستمرار إلى إصلاح ما تفسده، يعد واحدا من أكثر مسلسلات الرسوم المتحركة انتشارا في العالم.
وبحسب بيانات الشركة المنتجة، تجاوزت مشاهدات حلقات المسلسل 150 مليار مشاهدة، فيما تخطى إجمالي زمن المشاهدة تريليون دقيقة عبر المنصات والحسابات التابعة لها. كما حققت حلقة «وصفة الكارثة» وحدها نحو 4.6 مليارات مشاهدة، لتصبح من بين أكثر مقاطع الفيديو مشاهدة في تاريخ منصة يوتيوب.
أكثر من 50 نائبا يطالبون بوقف عرضه
رغم هذا النجاح الجماهيري، أصبح المسلسل موضع انتقاد داخل البرلمان البريطاني، حيث طالب أكثر من 50 نائبا بوقف عرضه أو إخضاعه لمراجعة أكثر صرامة، معتبرين أنه قد يتضمن مضامين دعائية روسية تقدم للأطفال بصورة غير مباشرة.
وتركزت انتقادات النواب بصورة خاصة على حلقة تحمل عنوان «الحدود مغلقة»، تظهر فيها ماشا وهي ترتدي قبعة عسكرية خضراء، اعتبر منتقدون أنها تشبه قبعات حرس الحدود السوفياتي خلال عهد الزعيم جوزيف ستالين، أثناء قيامها بحراسة حقل من الجزر.
وعلى الرغم من أن الحلقة أنتجت وعرضت للمرة الأولى عام 2010، فإن الجدل حولها تجدد بعد إعلان منصتي «نتفليكس» و«آي تي في إكس» اتفاقيات جديدة لعرض مواسم حديثة من المسلسل داخل المملكة المتحدة.
ويرى النواب المعترضون أن إعادة تقديم المسلسل إلى الجمهور البريطاني، في ظل التوتر السياسي والعسكري المتصاعد بين روسيا والغرب، تستدعي فحص محتواه ورموزه بعناية، ولا سيما أن جمهوره الأساسي من الأطفال.
اتهامات قديمة تتجدد مع الحرب
لا تعد بريطانيا أول دولة أوروبية تثير تساؤلات بشأن المسلسل. فقد توقفت جهات إعلامية في أوكرانيا عن عرضه بعد اندلاع الحرب مع روسيا، في حين شهدت إستونيا نقاشات مماثلة حول احتمال تأثيره الثقافي والسياسي في الأطفال.
ويعكس الجدل المتجدد اتجاها أوسع في عدد من الدول الأوروبية نحو التعامل بحذر مع المنتجات الإعلامية والثقافية الروسية، بما يشمل الأفلام والمسلسلات والبرامج الموجهة إلى صغار السن.
غير أن منتقدي المطالب البريطانية يرون أن قراءة كل رمز بصري في المسلسل بوصفه رسالة سياسية قد تمثل مبالغة، خصوصا أن الحلقة المثيرة للجدل سبقت الحرب الحالية بسنوات طويلة، وأن الملابس العسكرية أو مشاهد حراسة الحدود تستخدم كثيرا في الأعمال الكرتونية ضمن سياقات ساخرة أو خيالية.
الشركة المنتجة تنفي وجود أجندة سياسية
من جانبها، نفت شركة «أنيماكورد» المنتجة للمسلسل الاتهامات الموجهة إلى العمل، مؤكدة أنه مشروع ترفيهي بحت لا يحمل أي أجندة سياسية أو أيديولوجية.
وأوضحت الشركة أنها تعمل خارج روسيا ولا تتلقى تمويلا من الحكومة الروسية، مشددة على أن محتوى «ماشا والدب» قائم على الكوميديا والمغامرة والعلاقات الإنسانية، ولا يهدف إلى التأثير في مواقف الأطفال تجاه أي دولة أو نظام سياسي.
كما اعتبرت أوساط إعلامية روسية أن الحملة البريطانية ضد المسلسل تندرج ضمن ما وصفته بـ«الروسوفوبيا»، أي الخوف أو العداء المبالغ فيه تجاه روسيا وكل ما يرتبط بها ثقافيا أو إعلاميا.
وتداولت حسابات روسية على المنصات الرقمية مقاطع ساخرة تظهر شخصية ماشا وهي ترد بصورة كوميدية على اتهامها بالعمل لمصلحة الدعاية الروسية.
الجمهور منقسم بين الدفاع والسخرية
انتقل الخلاف سريعا من البرلمان ووسائل الإعلام إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسم المستخدمون بين من رأى في التحركات البريطانية محاولة مشروعة لحماية الأطفال من الرسائل السياسية، ومن اعتبرها مبالغة ناتجة عن المناخ المتوتر تجاه روسيا.
ودافعت مستخدمة تدعى ساجدة عن المسلسل، معتبرة أنه من الأعمال الكرتونية القليلة التي تقدم محتوى آمنا ونظيفا وممتعا للأطفال، ولا تتضمن سلوكيات أو أفكارا غير مناسبة لهم.
في المقابل، رأى ياسين أن استخدام الفن والرسوم المتحركة لنقل الأفكار والقيم ليس حكرا على روسيا، مشيرا إلى أن معظم الدول تستثمر وسائل الإعلام والأغاني والأفلام في ترسيخ رؤيتها الثقافية والوطنية في أذهان الأجيال الجديدة.
وتساءل عن سبب استنكار هذا الأسلوب حين يرتبط بروسيا، في الوقت الذي ينظر فيه إلى ممارسات مشابهة من دول أخرى بوصفها جزءا طبيعيا من الإنتاج الثقافي.
أما همداني، فركز على الجانب العملي من القضية، معتبرا أن حظر المسلسل على المنصات الرسمية لن يمنع الأطفال من الوصول إليه عبر الإنترنت، بل قد يدفع الأهالي إلى البحث عنه في مواقع ومنصات بديلة، خصوصا إذا كان الطفل مرتبطا بالشخصيات ويصر على مشاهدتها.
ورأى رشوان أن الموقف البريطاني قد يكون مرتبطا بالانزعاج من النجاح العالمي الكبير للمسلسل والعائدات التي يحققها، معتبرا أن الحساسية الأوروبية تجاه روسيا أصبحت تدفع إلى تفسير أي منتج روسي في إطار سياسي.
بين القوة الناعمة والقراءة المبالغ فيها
تفتح قضية «ماشا والدب» نقاشا أوسع حول مفهوم القوة الناعمة، ومدى قدرة الإنتاج الثقافي والترفيهي على تحسين صورة الدول والتأثير في نظرة الجمهور إليها.
فالأعمال الموجهة إلى الأطفال ليست دائما محايدة تماما، إذ قد تنقل بصورة مباشرة أو ضمنية قيما اجتماعية وثقافية ووطنية. لكن وجود رموز مستمدة من تاريخ بلد ما لا يعني بالضرورة أن العمل جزء من حملة دعائية منظمة.
كما أن الحكم على المسلسل استنادا إلى حلقة واحدة أو مشهد منفرد قد يؤدي إلى تجاهل سياقه العام، الذي يقوم أساسا على مواقف كوميدية وصراع متكرر بين اندفاع ماشا وصبر الدب.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن المنتجات الترفيهية الناجحة عالميا تمنح الدول المنتجة لها حضورا ثقافيا واسعا، حتى إن لم تكن مدعومة رسميا من الحكومات. فانتشار الشخصيات الروسية بين ملايين الأطفال يسهم، بصورة أو بأخرى، في تشكيل صورة أكثر ألفة عن الثقافة الروسية.
هل ينجح الحظر؟
يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان منع المسلسل أو تقييد عرضه قادرا فعليا على الحد من انتشاره، في ظل توفر حلقاته على منصات دولية ومواقع متعددة، وإمكانية الوصول إليها بسهولة عبر الإنترنت.
ويرى مختصون في الإعلام الرقمي أن قرارات الحظر قد تأتي أحيانا بنتائج عكسية، إذ تمنح العمل مزيدا من الشهرة وتدفع الجمهور إلى البحث عنه بدافع الفضول. كما أن الجدل السياسي المحيط بمحتوى أطفال قد يحوله إلى قضية رأي عام أكبر من حجمه الأصلي.
وبين اتهامات الدعاية الروسية ودفاع الشركة عن الطبيعة الترفيهية للمسلسل، تظل «ماشا والدب» واحدة من أبرز قصص النجاح في صناعة الرسوم المتحركة الحديثة، وأحدث مثال على قدرة عمل كرتوني بسيط على الانتقال من غرف الأطفال إلى ساحات الصراع السياسي والإعلامي الدولي.
ومهما كان مصير المطالب البريطانية، فإن الجدل يكشف أن الترفيه لم يعد بعيدا عن التنافس الجيوسياسي، وأن طفلة كرتونية مشاغبة ودبا مسالما قد يجدان نفسيهما، من دون قصد، في قلب مواجهة أكبر بكثير من عالمهما الخيالي.




