أعلنت الوكالة الفيدرالية الطبية والبيولوجية الروسية تسجيل مؤشرات أولية إيجابية لدى مرضى تلقوا اللقاح العلاجي الشخصي «أونكوبيبت» (Oncopept)، المخصص للمصابين بسرطان القولون والمستقيم النقيلي بعد استنفاد عدد من الخيارات العلاجية المعتادة.
وقالت رئيسة الوكالة، فيرونيكا سكفورتسوفا، خلال منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في 4 يونيو/حزيران 2026، إن المرضى الأوائل الذين بدأوا العلاج في أواخر مارس/آذار وأوائل أبريل/نيسان أظهروا، بعد نحو شهرين من المتابعة، الاستجابة المناعية التي توقعها الفريق الطبي، من دون تسجيل آثار جانبية خطيرة مرتبطة باللقاح.
وبحسب البيانات التي أعلنتها الوكالة، أُعطيت الجرعة الأولى لأول مريض في 31 مارس/آذار 2026، وكان قد تلقى ثلاث جرعات بحلول منتصف أبريل/نيسان مع تحمّل جيد للعلاج. كما جرى، حتى بداية يونيو/حزيران، اختيار أكثر من 40 مريضاً، كانوا في مراحل متفاوتة تشمل تحليل الأورام، وتصنيع اللقاح الشخصي، أو بدء تلقي الجرعات. ولا يعني ذلك أن المرضى الأربعين جميعاً تلقوا العلاج أو أن نتائجهم السريرية أصبحت متاحة.
لقاح علاجي لا لقاح وقائي
على خلاف اللقاحات التقليدية التي تُعطى للأصحاء للوقاية من العدوى، ينتمي «أونكوبيبت» إلى فئة لقاحات السرطان العلاجية، وهي شكل من أشكال العلاج المناعي يهدف إلى مساعدة جهاز المناعة على التعرف إلى الخلايا السرطانية الموجودة بالفعل ومهاجمتها.
ويوضح المعهد الوطني الأميركي للسرطان أن اللقاحات العلاجية تُستخدم لدى أشخاص مصابين بالسرطان، وتستهدف مستضدات أو علامات جزيئية تحملها الخلايا الورمية، بدلاً من الوقاية من مرض مستقبلي.
ويُصنَّع «أونكوبيبت» بصورة شخصية لكل مريض. تبدأ العملية بتحليل المادة الجينية لعينة مأخوذة من الورم خلال الجراحة أو الخزعة، ثم تحديد الطفرات التي أنتجت بروتينات غير طبيعية تُعرف باسم «المستضدات الورمية الجديدة». وبعد ذلك تُصنّع مجموعة من الببتيدات القصيرة المطابقة لهذه الأهداف، بهدف تدريب الخلايا المناعية، ولا سيما الخلايا التائية، على رصد الخلايا الحاملة لها ومهاجمتها.
وتستغرق صناعة الجرعة الشخصية، وفق المعلومات التي نشرتها الوكالة، نحو 49 يوماً، تتضمن فترة مخصصة لاختبارات مراقبة الجودة؛ ما يجعل العلاج مختلفاً جذرياً عن الأدوية الجاهزة والموحّدة التي تُنتج بالتركيبة نفسها لجميع المرضى.
من هم المرضى المستهدفون؟
تركز المرحلة الحالية على بالغين مصابين بسرطان القولون والمستقيم النقيلي، أي أن الورم انتشر إلى أعضاء أخرى، وسبق لهم الخضوع إلى جراحة وتلقي خطين أو أكثر من العلاجات الجهازية المضادة للسرطان من دون تحقيق النتيجة المرجوة.
ويمثل هؤلاء المرضى فئة علاجية معقدة، لأن المرض يكون قد تقدّم رغم استخدام عدة تدخلات طبية. ولذلك لا يمكن تعميم أي نتائج أولية عليهم على المرضى المصابين بالمراحل المبكرة، أو اعتبار اللقاح بديلاً عن الجراحة أو العلاج الكيميائي أو العلاجات الموجّهة والمناعية المعتمدة.
وأكدت الجهة المطوّرة نفسها أن اللقاحات الورمية الشخصية لا ينبغي تقديمها بوصفها علاجاً مستقلاً أو بديلاً من العلاجات الأخرى، بل ضمن خطة علاجية مركبة يحددها اختصاصيو الأورام لكل حالة على حدة.
ماذا تعني «الاستجابة المناعية»؟
تمثل قدرة اللقاح على تحفيز خلايا مناعية تتعرف إلى أهداف ورمية محددة إشارة بيولوجية مهمة، لأنها تُظهر أن المادة المحقونة أدت وظيفتها المناعية الأولية. لكن هذه النتيجة لا تكفي وحدها للقول إن العلاج أوقف المرض أو قلّص حجم الأورام.
فالاستجابة المناعية تختلف عن الاستجابة السريرية، التي تُقاس عادةً من خلال مؤشرات أكثر مباشرة، مثل نسبة انكماش الأورام في الفحوص التصويرية، ومدة السيطرة على المرض، والبقاء من دون تقدّم، والبقاء الكلي، ونوعية حياة المرضى.
وقد أعلنت سكفورتسوفا أن تقييم الفعالية السريرية سيبدأ اعتباراً من مرور ثلاثة أشهر على إعطاء الجرعة الأولى. ومع ذلك، ستبقى الحاجة قائمة إلى متابعة أطول، وأعداد أكبر من المرضى، وبيانات منشورة ومراجعة علمياً، قبل تحديد مقدار الفائدة العلاجية الحقيقية ومقارنتها بالمسار المتوقع للمرض أو بالعلاجات الأخرى.
وتُظهر تجارب دولية صغيرة للقاحات السرطان الشخصية أن تحفيز استجابة مناعية قوية قد يرتبط بنتائج أفضل لدى بعض المرضى، إلا أن الباحثين يؤكدون باستمرار ضرورة إجراء دراسات أكبر لتأكيد الفعالية وتحديد الفئات الأكثر استفادة.
لا دليل على «فعالية 100%» أو شفاء 48 مريضاً
تزامن الإعلان عن نتائج «أونكوبيبت» مع إعادة تداول منشورات على وسائل التواصل تزعم أن لقاحاً روسياً آخر يحمل اسم «إنتيروميكس» حقق فعالية بنسبة 100% وأدى إلى شفاء 48 مريضاً.
غير أن هذه المزاعم لا تتطابق مع البيانات المعلنة عن «أونكوبيبت». فلم تتضمن تصريحات الوكالة الروسية إعلاناً عن شفاء 48 مريضاً، أو نسبة فعالية سريرية بلغت 100%، بل تحدثت حصراً عن تحمّل العلاج وظهور استجابة مناعية لدى المرضى الأوائل بعد متابعة قصيرة.
كما أن «إنتيروميكس» مشروع مختلف عن «أونكوبيبت». الأول يرتبط بتقنيات الفيروسات الحالّة للأورام، بينما «أونكوبيبت» لقاح ببتيدي شخصي. وقد خلصت عمليات تدقيق مستقلة إلى أن منشورات «الفعالية الكاملة» خلطت بين عدة مشاريع روسية منفصلة، وأن الأدلة السريرية المنشورة لا تسند الادعاء بأن «إنتيروميكس» أصبح علاجاً مثبتاً أو شافياً للسرطان.
أمل علمي يستوجب الحذر
يكتسب تطوير علاجات جديدة لسرطان القولون والمستقيم أهمية عالمية كبيرة؛ فالمرض هو ثالث أكثر السرطانات تشخيصاً عالمياً وثاني أكثر أسباب الوفاة بالسرطان، مع تسجيل أكثر من 1.9 مليون إصابة وما يزيد على 900 ألف وفاة خلال عام 2022.
ويمثل «أونكوبيبت» اتجاهاً واعداً نحو الطب الشخصي، إذ لا يعالج الأورام باعتبارها مرضاً واحداً متطابقاً لدى جميع المرضى، بل يستهدف الخصائص الجزيئية الفريدة لورم كل شخص.
لكن القيمة الطبية النهائية لهذا النهج لن تُحسم بالتصريحات أو بالاستجابة المناعية وحدها، وإنما بقدرته المثبتة على تقليص الأورام، وتأخير تقدّم المرض، وإطالة حياة المرضى مع الحفاظ على سلامتهم ونوعية حياتهم.
وحتى صدور بيانات سريرية أوسع وأكثر شفافية، يمكن وصف النتائج الروسية بأنها إشارة مبكرة مشجعة إلى السلامة والنشاط المناعي، لا دليلاً نهائياً على الفعالية، ولا إعلاناً عن علاج يشفي سرطان القولون والمستقيم.




