لم يكن الطريق الذي قاد جون لويس إسبوسيتو إلى دراسة الإسلام طريقًا تقليديًا. فقبل أن يصبح واحدًا من أبرز الأكاديميين الغربيين المتخصصين في الإسلام والمجتمعات المسلمة، أمضى عشر سنوات من شبابه داخل دير للرهبان الكبوشيين، مستعدًا لحياة تقوم على الصلاة والصمت والانضباط الكنسي.
خرج من الدير في الرابعة والعشرين من عمره من دون أن يُرسَم كاهنًا، لكنه لم يغادر عالم الإيمان. انتقل فقط من مشروع ديني كان سيقوده إلى المذبح، إلى مشروع فكري حاول من خلاله، على امتداد أكثر من نصف قرن، الإجابة عن سؤال بالغ التعقيد: كيف يمكن للغرب أن يفهم الإسلام بعيدًا عن الخوف والصور النمطية؟
رحل إسبوسيتو في فيلادلفيا عن 86 عامًا، إثر مضاعفات جراحة في القلب، تاركًا خلفه عشرات الكتب والموسوعات ومركزًا أكاديميًا بارزًا وجيلًا من الباحثين الذين تأثروا بمنهجه. لكن إرثه الحقيقي لا يقتصر على ما كتبه، بل يتمثل في المعركة الفكرية التي خاضها ضد اختزال الإسلام في العنف، وضد تحويل المسلمين إلى كتلة صامتة متجانسة تُقرأ فقط من خلال الأزمات والحروب.
من بروكلين إلى الدير
وُلد إسبوسيتو عام 1940 في أسرة أمريكية كاثوليكية من أصول إيطالية. كان والده يعمل في صناعة كاميرات مرتبطة ببرنامج الفضاء الأمريكي، بينما كانت والدته خياطة شديدة التدين. ومنهما ورث، كما كان يروي، مزيجًا من الإيمان العميق والإحساس بالعدالة والمسؤولية تجاه الآخرين.
في سن مبكرة، اختار طريق الكهنوت. عاش داخل الدير وفق نظام صارم يبدأ قبل الخامسة صباحًا، ويتوزع بين الصلاة والتراتيل والدراسة والعمل وتناول الطعام في صمت. كانت الزيارات العائلية محدودة، كما غابت عنه الصحف والتلفاز والإذاعة، باعتبارها وسائل قد تشغله عن حياة التأمل.
غير أن العالم كان يتسلل إليه من نافذة غير متوقعة: جهاز لاسلكي للهواة، أتاح له التواصل مع أشخاص يعيشون في أماكن بعيدة. وربما كانت تلك الحوارات المبكرة مع العالم الخارجي أول مؤشر إلى فضوله تجاه البشر الذين يعيشون خارج البيئة الدينية المغلقة التي عرفها.
قبل عامين فقط من موعد ترسيمه كاهنًا، قرر مغادرة الرهبنة. كان قرارًا صعبًا، لكنه لم يكن قطيعة مع الدين بقدر ما كان بحثًا عن صيغة أخرى للإيمان والحياة.
بعد خروجه، عاد إلى والديه، ودرس اللاهوت، وعمل في تدريس اللاتينية والتربية الدينية. وفي تلك المرحلة التقى جين، التي أصبحت زوجته وشريكته في رحلة طويلة من الدراسة والسفر والعمل الأكاديمي.
مادة دراسية غيّرت مسيرته
لم يتجه إسبوسيتو إلى الإسلام بدافع خطة مسبقة. بدأت الحكاية عندما أصر أحد أساتذته على أن يدرس مساقًا عن الإسلام. رفض الفكرة أكثر من مرة، ثم وافق عليها على مضض.
لكن ما اكتشفه داخل ذلك المساق قلب مساره العلمي. وجد أمامه دينًا يؤمن بالوحي، ويعترف بأنبياء العهد القديم، ويُجل المسيح وأمه مريم. أثارت هذه الصلات بين الإسلام والمسيحية فضوله، خصوصًا أنه جاء إلى الموضوع من خلفية لاهوتية، لا من خلفية سياسية أو أمنية.
قادته الدراسة إلى جامعة تمبل في فيلادلفيا، حيث تتلمذ على يد المفكر الفلسطيني الأمريكي إسماعيل راجي الفاروقي، أحد أبرز الباحثين المسلمين في الولايات المتحدة آنذاك. أصبح إسبوسيتو أول طالب دكتوراه يشرف عليه الفاروقي، وحصل على درجته العلمية عام 1974.
كان اختيار الدراسات الإسلامية في ذلك الوقت مجازفة مهنية. فلم يكن الإسلام يحتل مكانة مركزية في الجامعات الأمريكية، ولم يكن التخصص فيه يضمن وظيفة أو جمهورًا أو اهتمامًا من دور النشر. رأى بعض زملائه أن إسبوسيتو يضيّع مستقبله في حقل هامشي، لكن ذلك الحقل نفسه أصبح لاحقًا من أكثر المجالات حضورًا في النقاشات الأكاديمية والسياسية والإعلامية.
النص والسياق
لم يكتف إسبوسيتو بدراسة الإسلام من الكتب. تعلّم اللغة العربية في لبنان، وعاش في بيروت، وزار دولًا عربية وإسلامية عديدة، من مصر والسودان والأردن والكويت إلى باكستان وماليزيا وإندونيسيا والهند.
التقى علماء دين وأساتذة جامعات وقادة حركات إسلامية وسياسيين وناشطين، وشاهد كيف يتحول الدين من نصوص ومفاهيم إلى ممارسات اجتماعية وثقافية وسياسية متباينة.
من هنا تشكل أحد أهم مبادئ منهجه: لا يمكن فهم ما يؤمن به الناس من خلال النص وحده، كما لا يمكن فهمهم من خلال أفعال جماعة سياسية أو تنظيم مسلح. فالمعرفة، في رأيه، تحتاج دائمًا إلى الجمع بين النص والسياق، وبين العقيدة كما تُدرَّس والحياة كما تُعاش.
هذا المنهج جعله ينتقد بقوة التفسيرات التي تتعامل مع الإسلام باعتباره كيانًا ثابتًا، أو تفترض وجود موقف إسلامي واحد من السياسة والحداثة والغرب والديمقراطية.
الثورة الإيرانية والانتقال إلى الواجهة
شكّلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحول في مسيرة إسبوسيتو. فجأة أصبح الإسلام موضوعًا مركزيًا في الولايات المتحدة، بعدما أسقطت الثورة نظام الشاه، ثم جاءت أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران.
بدأت الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية تبحث عن خبراء قادرين على تفسير ما يجري. وجد إسبوسيتو نفسه مطلوبًا في البرامج التلفزيونية والندوات الأكاديمية وجلسات الاستماع والاستشارات السياسية.
كان يمزح لاحقًا بأنه يدين بمسيرته المهنية لآية الله الخميني والثورة الإيرانية، لكن خلف الدعابة كان هناك تشخيص نقدي عميق: تلك الأحداث صنعت العدسة التي صار قطاع واسع من الغرب ينظر من خلالها إلى الإسلام؛ عدسةٌ يختلط فيها الدين بالثورة، والتدين بالعنف، والمسلمون بالخطر السياسي.
درّس إسبوسيتو أكثر من عشرين عامًا في كلية هولي كروس بولاية ماساتشوستس، ثم انتقل عام 1993 إلى جامعة جورجتاون في واشنطن، حيث أسس مركز التفاهم الإسلامي المسيحي، الذي أصبح لاحقًا من أبرز المؤسسات الأكاديمية المهتمة بالعلاقات بين المسلمين والغرب.
ونجح في تحويل المركز إلى منصة بحثية دولية، كما جمع له عشرات الملايين من الدولارات، قبل أن يتلقى عام 2005 هبة كبيرة من الأمير السعودي الوليد بن طلال، ليحمل المركز اسمه لاحقًا.
هل الإسلام هو العدو الجديد؟
في عام 1992 نشر إسبوسيتو كتابه الأشهر «التهديد الإسلامي: خرافة أم حقيقة؟»، في لحظة كان فيها الاتحاد السوفيتي قد انهار، والغرب يبحث عن خصم جديد يعيد ترتيب رؤيته للعالم.
جادل إسبوسيتو بأن الإسلام يجري تقديمه باعتباره بديلًا عن الخطر الشيوعي، وكأن أكثر من مليار مسلم يشكلون قوة سياسية واحدة تتربص بالغرب. ورفض فكرة أن يكون الإسلام، بتنوع شعوبه ومذاهبه وثقافاته، موضوعًا لحكم موحد.
كان التفريق هو جوهر مشروعه: التفريق بين الإسلام والتطرف الذي يتحدث باسمه، وبين التدين والعنف، وبين الحركات الإسلامية التي تقبل بالمشاركة السياسية وتلك التي تلجأ إلى السلاح، وبين ممارسات الحكومات ومعتقدات الشعوب.
كما عارض أطروحة «صدام الحضارات» لصامويل هنتنغتون، معتبرًا أنها لا تكتفي بوصف التوتر بين الغرب والعالم الإسلامي، بل قد تسهم في صناعته وتحويله إلى نبوءة تحقق نفسها.
بالنسبة إليه، لم يكن من المنطقي محاكمة الإسلام كله بسبب أعمال جماعات متطرفة، في الوقت الذي لا تُختزل فيه المسيحية أو اليهودية في الجرائم التي يرتكبها أفراد أو تنظيمات تنتمي إليهما.
اختبار الحادي عشر من سبتمبر
جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لتضع أفكار إسبوسيتو أمام أصعب اختبار. ففي الوقت الذي تصاعد فيه الخوف والغضب داخل الولايات المتحدة، حاول تقديم خطاب يرفض تبرير الإرهاب، لكنه يرفض كذلك تحميل المسلمين جميعًا مسؤولية الجريمة.
أصدر كتاب «حرب غير مقدسة: الإرهاب باسم الإسلام»، ثم كتاب «ما الذي يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام»، محاولًا شرح الإسلام لقارئ غربي يتعرض يوميًا لصور الطائرات المختطفة والحروب والتنظيمات المتشددة.
كانت رسالته أن منفذي الهجمات لم يمثلوا الإسلام بقدر ما اختطفوا رموزه ولغته، وأن تحويل الحرب على الإرهاب إلى حرب ثقافية أو دينية ضد المسلمين سيمنح المتطرفين ما يريدونه: عالمًا مقسومًا بين معسكرين لا مجال فيهما للتفاهم.
وفي كتاب «من يتحدث باسم الإسلام؟»، الذي شاركته في تأليفه الباحثة داليا مجاهد، لجأ إلى استطلاعات واسعة أجرتها مؤسسة غالوب في عشرات الدول ذات الغالبية المسلمة. أراد أن يقارن بين صورة المسلم في وسائل الإعلام وما يقوله المسلمون عن أنفسهم عندما يُسألون عن الديمقراطية والدين والغرب والعنف والحياة اليومية.
أكاديمي في مرمى النقد
لم تمر مواقف إسبوسيتو من دون معارضة. اتهمه نقاد محافظون بأنه بالغ في التقليل من خطر الحركات الإسلامية، وأنه قدم قراءة متعاطفة أكثر مما ينبغي مع الإسلام السياسي.
وذهب بعض خصومه إلى وصفه بأنه مدافع عن الإسلام الراديكالي، بينما رأى آخرون أن أطروحاته لم تساعد المؤسسات الأمريكية على توقع صعود الجماعات المتطرفة قبل هجمات سبتمبر.
رد إسبوسيتو بأن منتقديه لا يمارسون البحث الأكاديمي المحايد، بل ينطلقون من أجندات سياسية وأيديولوجية تسعى إلى إسكات الأصوات التي ترفض النظر إلى الإسلام من زاوية أمنية فقط.
لم تكن المشكلة، في نظره، أن يُنتقد الإسلام أو الحركات الإسلامية، بل أن تُستخدم الاستثناءات المتطرفة لتعريف القاعدة، وأن تصبح صور العنف بديلًا عن دراسة التاريخ والمجتمع والسياسة والاقتصاد.
ومع ذلك، تظل إحدى النقاط التي أثارت الجدل حول مشروعه هي قربه من بعض الشخصيات والحركات الإسلامية، إذ رأى منتقدوه أن حرصه على تصحيح الصور النمطية دفعه أحيانًا إلى التعامل بتفاؤل زائد مع بعض تيارات الإسلام السياسي. لكن أنصاره اعتبروا هذا الاتهام جزءًا من ثمن محاولة بناء معرفة أكثر توازنًا في مناخ تهيمن عليه لغة الخوف.
مواجهة الإسلاموفوبيا
في سنواته الأخيرة، تحولت مكافحة الإسلاموفوبيا إلى محور رئيسي في عمل إسبوسيتو. أسس عام 2015 «مبادرة الجسر» في جامعة جورجتاون، بهدف دراسة الكيفية التي يُصنع بها الخوف من الإسلام، ورصد الجهات السياسية والإعلامية والمالية التي تسهم في نشره.
كان يرى أن الإسلاموفوبيا لم تعد مجرد أحكام فردية مسبقة، بل أصبحت صناعة عابرة للحدود تتداخل فيها الحملات الانتخابية ووسائل الإعلام وجماعات الضغط وخطابات اليمين المتطرف.
وحذر من أن التركيز الإعلامي غير المتوازن على الجرائم المرتبطة بالمسلمين، مقابل التقليل من خطورة عنف اليمين المتطرف، يخلق تصورًا مشوهًا للخطر ويجعل التمييز ضد المسلمين أمرًا طبيعيًا أو مقبولًا سياسيًا.
وفي مواقفه الأخيرة، ربط بين الخطاب المناهض للمسلمين وطريقة تناول الحرب في غزة، منتقدًا الإعلام الغربي والدعم السياسي غير المشروط لإسرائيل، ومعتبرًا أن نزع الإنسانية عن الفلسطينيين لا يمكن فصله عن عقود من تصوير العرب والمسلمين بوصفهم خطرًا دائمًا.
كاثوليكي يفهم الإسلام
طارد إسبوسيتو طوال حياته سؤال متكرر: هل اعتنق الإسلام سرًا؟
كان يواجه السؤال بالسخرية، لكنه كان يدرك ما يعكسه من تقدير لدى كثير من المسلمين الذين رأوا فيه باحثًا غربيًا فهم دينهم وقدمه بصورة منصفة.
غير أنه ظل كاثوليكيًا ممارسًا حتى نهاية حياته. لم يكن يرى أن احترام الإسلام يتطلب التخلي عن المسيحية، بل كان يعتقد أن رسوخ الإنسان في إيمانه يمكن أن يجعله أكثر قدرة على فهم إيمان الآخرين.
لهذا لم يكن مشروعه دعوة إلى تذويب الفوارق بين الأديان، وإنما إلى الانتقال من الجهل المتبادل إلى المعرفة، ومن الصور النمطية إلى الحوار، ومن الخوف إلى النقد المسؤول.
ألّف وحرر إسبوسيتو أكثر من خمسين كتابًا تُرجمت إلى عشرات اللغات، وأشرف على عدد من أهم الموسوعات والمراجع التي أصدرتها جامعة أكسفورد حول الإسلام. كما أصبح كتابه «الإسلام: الصراط المستقيم» مدخلًا أساسيًا لدراسة الإسلام في جامعات غربية عديدة.
لكن أثره الأكبر ربما يظهر في مشهد شديد الدلالة: خطيب مسجد في واشنطن يوصي المصلين بقراءة كتاب لعالم مسيحي كي يفهموا كيف يُقدَّم دينهم إلى العالم.
إنها مفارقة تلخص حياة جون لويس إسبوسيتو كلها؛ رجلٌ دخل الدير ليصبح كاهنًا، ثم غادره ليصبح واحدًا من أهم بناة الجسور بين المسيحية والإسلام، وبين الغرب ومجتمعات ظل طويلًا يتحدث عنها أكثر مما يستمع إليها.
برحيله، يفقد حقل الدراسات الإسلامية صوتًا أكاديميًا مؤثرًا ومثيرًا للجدل في آن واحد. أما السؤال الذي كرس له حياته، فيبقى مفتوحًا: هل يستطيع الغرب أن يعرف الإسلام كما هو، لا كما يحتاج إلى تخيله في لحظات الخوف؟




