لم تكن الحرب الأخيرة في لبنان تُرى في أعمدة الدخان والمباني المدمرة وحدها؛ كانت تُسمع أيضًا. أزيز طائرات مسيّرة لا يغادر السماء، هدير مقاتلات تعبر فوق المدن، دوي اختراق جدار الصوت، وصفير صواريخ تعقبه انفجارات تهز النوافذ والأبواب والأجساد.
على مدى أشهر، تعلّم اللبنانيون التمييز بين الأصوات كما لو أنهم يقرأون خريطة للحرب: هذا صوت طائرة استطلاع، وذاك دوي انفجار بعيد، وهذه غارة أقرب مما ينبغي. وفي كثير من البيوت، لم يعد الصمت يعني الأمان، بل انتظار الصوت التالي.
لكن ما قد يغيب عن النقاش العام هو أن الضوضاء الحربية ليست مصدر خوف واضطراب نفسي فقط، وإنما خطر جسدي مباشر يمكن أن يترك إصابات دائمة في الأذن. فالحرب قد تنتهي باتفاق سياسي أو توقف لإطلاق النار، بينما يظل أثرها لدى بعض الناجين في صورة طنين مستمر، أو صعوبة في فهم الكلام، أو فقدان جزئي للسمع لا يظهر للعين ولا يحتل عادةً مقدمة التقارير الطبية.
لبنان تحت وطأة الصوت
منذ اتساع المواجهات المرتبطة بحرب غزة، ثم بلوغ التصعيد بين إسرائيل وحزب الله ذروته خلال خريف 2024، تعرضت مناطق واسعة من جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت وغيرها لضربات جوية وانفجارات متكررة. كما أصبحت أصوات الطائرات المسيّرة وخرق جدار الصوت جزءًا من الحياة اليومية في مناطق بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة. وقد تحدث سكان ومعالجون عن أثر الحضور المتواصل للطائرات في القلق والنوم والإحساس الدائم بأن الخطر قريب.
جاء ذلك فيما كان النظام الصحي اللبناني يعاني أصلًا من الأزمة الاقتصادية، ونقص الموارد وهجرة الكفاءات. وأدت الحرب إلى إصابات واسعة ونزوح جماعي وأضرار لحقت بالمرافق الصحية وخدمات الإسعاف؛ وقدرت منظمة الصحة العالمية عدد النازحين داخليًا خلال ذروة التصعيد بأكثر من 1.3 مليون شخص، بينما وثقت عشرات الهجمات التي طالت القطاع الصحي.
في ظروف كهذه، تذهب الأولوية الطبيعية إلى إنقاذ الحياة، ووقف النزيف، وعلاج الحروق والكسور وإصابات الرأس والصدر. أما الضرر السمعي، فيمكن أن يمر من دون تشخيص، خصوصًا عندما لا يكون مصحوبًا بنزف واضح أو تمزق ظاهر في الأذن.
وهنا تكمن المشكلة: إصابة الأذن لا تكون دائمًا صاخبة بقدر الصوت الذي تسبب فيها.
عندما لا يكون الانفجار مجرد صوت
تصل الأصوات اليومية إلى الأذن على شكل موجات تحرك طبلة الأذن، قبل أن تنتقل الاهتزازات عبر عظيمات الأذن الوسطى إلى القوقعة في الأذن الداخلية. داخل القوقعة توجد خلايا حسية دقيقة تحمل نتوءات شبيهة بالشعيرات، تحول الحركة الميكانيكية إلى إشارات كهربائية ينقلها العصب السمعي إلى الدماغ.
عندما يكون الصوت شديدًا، قد تتضرر هذه الخلايا أو تموت. والمشكلة أن الخلايا الشعرية السمعية لدى الإنسان لا تتجدد بعد فقدانها، ما يجعل جزءًا من الضرر الناجم عن الضوضاء دائمًا وغير قابل للعكس.
وتختلف ضوضاء الحرب عن صوت التلفزيون أو حركة المرور في كونها غالبًا «ضوضاء اندفاعية»: موجة شديدة القوة تقع خلال جزء صغير من الثانية. فالانفجار لا ينتج صوتًا فقط، بل يولّد موجة ضغط يمكنها إصابة طبلة الأذن وعظيماتها والقوقعة والجهاز المسؤول عن التوازن.
وتشير الإرشادات الطبية الخاصة بإصابات الانفجارات إلى أن الأذن من أكثر أعضاء الجسم حساسية لموجة الانفجار الأولية. وقد تتسبب الأصوات التي تتجاوز نحو 140 ديسيبل في رضّ صوتي حاد، بينما تتجاوز الانفجارات العسكرية هذا المستوى في حالات كثيرة، بحسب قوة الانفجار والمسافة والعوائق المحيطة به.
لذلك لا تحتاج الإصابة السمعية في زمن الحرب إلى أشهر من التعرض. انفجار واحد قريب قد يكون كافيًا لإحداث تمزق في طبلة الأذن، أو ضرر دائم في الأذن الداخلية، أو طنين يرافق المصاب سنوات.
بين الضوضاء اليومية والرضّ الصوتي
في الظروف العادية، يرتبط خطر الضوضاء بمعادلة تجمع شدة الصوت ومدة التعرض وتكراره. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يمكن الاستماع إلى صوت بمستوى 80 ديسيبل لنحو 40 ساعة أسبوعيًا، بينما ينخفض الوقت الآمن عند مستوى 90 ديسيبل إلى نحو أربع ساعات أسبوعيًا فقط. وكلما ارتفعت شدة الصوت تقلص زمن التعرض المقبول بسرعة.
لكن هذه المعايير لا ينبغي أن تمنح شعورًا زائفًا بالأمان في بيئة الحرب. فالانفجارات ودوي الأسلحة ليست ضوضاء ثابتة يمكن ببساطة حساب ساعات التعرض لها؛ إنها قمم صوتية شديدة ومفاجئة، وقد تحدث الإصابة خلالها قبل أن يتمكن الشخص من الابتعاد أو حماية أذنيه.
كما أن المسافة لا تقدم حماية مطلقة. فقد تتضاعف موجة الضغط في الأماكن المغلقة، وبين المباني، وداخل السيارات والغرف ذات النوافذ المغلقة. لهذا قد يتأذى أشخاص لم يكونوا في موقع الضربة المباشر، لكنهم وجدوا أنفسهم قريبين بما يكفي من موجة الانفجار.
أعراض قد تبدو عابرة
بعد الانفجار، قد يشعر الشخص بأن الصوت أصبح مكتومًا، أو أن إحدى أذنيه «مغلقة»، فينتظر ساعات أو أيامًا ظنًا منه أن الحالة ستزول تلقائيًا. وقد تتحسن بعض الحالات المؤقتة بالفعل، لكن الاعتماد على الانتظار وحده قد يؤدي إلى تأخر تشخيص إصابة تحتاج إلى تقييم سريع.
تشمل العلامات التي تستوجب الانتباه:
فقدانًا مفاجئًا أو تغيرًا واضحًا في السمع.
طنينًا أو صفيرًا أو أزيزًا في أذن واحدة أو الاثنتين.
ألمًا أو إحساسًا بالضغط والامتلاء داخل الأذن.
دوارًا أو اختلالًا في التوازن.
خروج دم أو سوائل من قناة الأذن.
صعوبة في فهم الكلام، رغم القدرة على سماع وجود صوت.
حساسية مؤلمة تجاه الأصوات العادية.
وتؤكد الإرشادات الطبية الخاصة بإصابات الانفجارات أن فقدان السمع والطنين والألم والدوار قد تدل على أذية في الأذن الوسطى أو الداخلية، وأن هذه الإصابات تُغفل أحيانًا عندما ينشغل الطاقم الطبي بمعالجة الجروح الأكثر تهديدًا للحياة. كما أن التعرف المبكر إلى فقدان السمع المفاجئ والتعامل معه بسرعة قد يحسنان فرص التعافي في بعض الحالات.
لذلك ينبغي ألا يُعامل التغير المفاجئ في السمع بعد غارة أو انفجار بوصفه تفصيلًا بسيطًا، حتى إن لم توجد إصابة خارجية ظاهرة.
الإصابة التي تظهر في الكلام
غالبًا ما يبدأ فقدان السمع الناجم عن الضوضاء بالترددات العالية، وهي ترددات مهمة للتمييز بين كثير من الحروف والكلمات. وقد يسمع المصاب أن شخصًا يتحدث إليه، لكنه لا يفهم بدقة ما يقوله، خصوصًا في الأماكن المزدحمة أو عبر الهاتف.
وهذا ما يجعل الإصابة خادعة. فالمصاب لا يعيش في صمت كامل، بل في عالم تصبح فيه الكلمات أقل وضوحًا. يطلب من الآخرين تكرار جملهم، يرفع صوت التلفزيون، يتحدث بنبرة أعلى من المعتاد، أو ينسحب من الأحاديث الجماعية لأنه يجد صعوبة في متابعتها.
وقد يُفسر هذا الانسحاب على أنه توتر أو انطواء، بينما يكون جزء منه ناتجًا عن جهد سمعي مرهق. ففقدان السمع غير المشخّص لا يؤثر في الأذن وحدها، بل في التواصل والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية والاستقلالية اليومية.
الطنين… صوت الحرب بعد توقفها
يمثل الطنين أحد أكثر الآثار شيوعًا بعد التعرض للأصوات الشديدة. يسمع المصاب رنينًا أو صفيرًا أو أزيزًا لا يصدر عن مصدر خارجي، وقد يظهر بصورة مؤقتة عقب الانفجار، أو يتحول إلى حالة مزمنة.
بالنسبة إلى من عاش الحرب، يمكن للطنين أن يحمل عبئًا مضاعفًا. فهو ليس مجرد عرض طبي، بل صوت داخلي قد يذكّر صاحبه بلحظة الانفجار نفسها. وفي الليل، عندما تختفي أصوات المدينة، يصبح الطنين أكثر وضوحًا، فيصعب النوم وتزداد مراقبة الشخص لأعراضه وقلقه منها.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن التعرض للأصوات العالية قد يضر خلايا الأذن الداخلية ويؤدي إلى ضعف السمع أو الطنين أو كليهما. وقد يزول الطنين الناتج عن تعرض قصير، لكنه قد يستمر إذا وقع ضرر دائم.
ولا ينبغي الخلط هنا بين آثار فقدان السمع وآثار الضوضاء العامة. فاضطرابات النوم والتوتر والنتائج القلبية الوعائية ليست «مضاعفات مباشرة» لضعف السمع في كل حالة، لكنها ترتبط بالتعرض المزمن والمفرط للضوضاء وباستجابة الجسم المستمرة للضغط.
جرح بلا حصيلة واضحة
على الرغم من اتساع الحرب، لا تظهر في التقارير الصحية الدولية المتاحة حصيلة وطنية شاملة لإصابات السمع المرتبطة بالقصف والانفجارات في لبنان. ركزت معظم البيانات، لأسباب مفهومة، على أعداد القتلى والجرحى والنازحين، والهجمات على المستشفيات، والإصابات الرضّية والجراحية الأكثر إلحاحًا. وهذه ملاحظة مستخلصة من مراجعة التقارير المتاحة، وليست دليلًا على أن الإصابات السمعية محدودة.
بل قد يعني غياب الأرقام أن المشكلة غير مرصودة بما يكفي.
فكثير من المتضررين ربما لم يخضعوا لاختبار سمع بعد العودة إلى بلداتهم، وقد يتعامل آخرون مع الطنين أو ضعف السمع بوصفهما ثمنًا ثانويًا للنجاة. أما الأسر التي فقدت منازلها أو مصادر دخلها، فمن الطبيعي أن تضع الفحص السمعي في مرتبة متأخرة أمام حاجاتها الأكثر إلحاحًا.
غير أن التأجيل لا يلغي الأثر، وخصوصًا لدى الأطفال، الذين قد لا يستطيعون وصف ما يشعرون به. يمكن أن يظهر ضعف السمع لديهم في صورة تراجع في الانتباه، أو صعوبة في متابعة الدروس، أو تأخر في النطق، أو استجابة غير منتظمة للنداء.
من يحتاج إلى الفحص؟
ينبغي أن تشمل برامج ما بعد الحرب فحوصًا سمعية للفئات الأكثر تعرضًا، وفي مقدمتها سكان المناطق القريبة من الغارات، والمسعفون ورجال الدفاع المدني والصحفيون والعسكريون، والأطفال وكبار السن، والعاملون في إزالة الأنقاض.
ولا يكفي سؤال الشخص إن كان يسمع جيدًا؛ فبعض الإصابات لا تظهر إلا من خلال تخطيط السمع، وقد يعتاد الإنسان تدريجيًا على النقص فلا يدرك حجمه.
كما يجب التعامل مع فقدان السمع المفاجئ، ولا سيما في أذن واحدة، بوصفه حالة تحتاج إلى تقييم طبي سريع، لا موعدًا روتينيًا بعد أسابيع. أما وجود دوار شديد، أو نزف، أو ألم حاد، أو خروج سوائل بعد انفجار، فيستوجب فحصًا عاجلًا لدى اختصاصي الأذن والأنف والحنجرة.
حماية السمع في بيئة غير طبيعية
لا يستطيع المدني التحكم في توقيت الغارات أو الانفجارات، ولذلك لا يجوز تحويل الوقاية إلى مسؤولية فردية خالصة. ومع ذلك، يمكن لبعض الإجراءات أن تخفف الخطر عندما يكون التعرض متوقعًا.
تساعد سدادات الأذن أو واقيات السمع المهنية في البيئات الصاخبة، وخصوصًا للعاملين في الإسعاف وإزالة الركام والمواقع العسكرية والصناعية. لكن استخدامها يجب ألا يمنع سماع الإنذارات أو تعليمات الإخلاء أو الأخطار المحيطة.
كما أن سماعات الموسيقى العادية ليست بديلًا عن وسائل الحماية. وقد يلجأ بعض الأشخاص إلى رفع صوت الموسيقى أو التلفزيون لحجب أزيز الطائرات أو ضوضاء المولدات، فيضيفون تعرضًا طويلًا إلى الضرر الذي صنعته الحرب. الأفضل تقليل الصوت، واستخدام سماعات عازلة للضجيج عند الحاجة بدل محاولة التغلب على الضوضاء بضوضاء أعلى.
وبعد التعرض لانفجار، من الضروري تجنب الأصوات المرتفعة الإضافية، وعدم إدخال أجسام أو أدوات في قناة الأذن، والحصول على فحص طبي إذا ظهر أي تغير في السمع أو التوازن.
السمع جزء من إعادة الإعمار
عادةً ما يبدأ الحديث عن إعادة الإعمار بالطرق والمنازل والمدارس وشبكات الكهرباء. غير أن إعادة بناء المجتمع تحتاج أيضًا إلى رعاية الأجساد والحواس التي خرجت من الحرب مصابة.
يحتاج لبنان إلى إدماج فحوص السمع في خدمات الرعاية الأولية وبرامج العودة إلى المناطق المتضررة، وتوفير وحدات فحص متنقلة للقرى الحدودية، وتدريب العاملين الصحيين على رصد إصابات الانفجارات، وإنشاء سجل يساعد على تحديد حجم المشكلة.
كما تحتاج المدارس إلى آليات لاكتشاف الأطفال الذين عادوا إلى الصفوف وهم يعانون ضعفًا سمعيًا غير مشخّص، ويحتاج المصابون إلى معينات سمعية وخدمات تأهيل بأسعار يمكن تحملها. أما الحالات الشديدة، فقد تستفيد بعد التقييم المتخصص من زراعة القوقعة أو وسائل التواصل والتأهيل السمعي المناسبة.
فلا يوجد دواء يعيد الخلايا الحسية التي ماتت بسبب الضوضاء، لكن التشخيص المبكر والتأهيل والمعينات السمعية يمكن أن تمنع الإصابة من التحول إلى عزلة تعليمية واجتماعية ومهنية.
حين يصمت السلاح ولا يصمت الأثر
تترك كل حرب وراءها أصواتًا لا يسمعها الجميع. هناك من ينجو من القصف لكنه يظل يسمع طنينه، ومن يعود إلى منزله لكنه لا يعود يسمع أبناءه كما كان، ومن يخرج من تحت الأنقاض بلا جرح ظاهر، بينما تحمل أذنه أثر الانفجار إلى بقية حياته.
في لبنان، حيث تراكمت أصوات انفجار المرفأ والحروب والغارات والطائرات والمولدات وحركة المدن، لا يمكن التعامل مع السمع بوصفه رفاهًا صحيًا. إنه جزء من قدرة الإنسان على التعلم والعمل والتواصل والشعور بالأمان.
قد تتوقف الطائرات عن التحليق، وتغلق نشرات الأخبار ملفات المعارك، لكن الحرب لا تنتهي بالكامل ما دام صوتها عالقًا داخل أذن أحد الناجين.
ولهذا فإن رعاية السمع ليست هامشًا في التعافي من الحرب، بل جزء من العدالة الصحية التي يستحقها من عاشوا تحت القصف، ونجوا بأجسادهم، قبل أن يكتشفوا أن شيئًا من الانفجار بقي معهم.





