مع تزايد الوقت الذي يقضيه الأشخاص أمام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب، أصبح اختيار إعدادات الشاشة المناسبة أحد الموضوعات التي تحظى باهتمام واسع. ويعتقد كثيرون أن تفعيل الوضع الداكن، أو اختيار لون معين لخلفية الشاشة، قد يكون كافياً لتقليل التعب البصري وحماية العينين.
لكن البروفيسورة تاتيانا شيلوفا، أخصائية طب العيون، أوضحت أن البحوث المتاحة حتى الآن لم تُظهر أن لون خلفية الشاشة أو لون قوائم الهاتف الذكي يؤدي، في حد ذاته، إلى تحسين الرؤية أو حماية العين من الأضرار.
وبحسب خبيرة العيون، فإن صحة العين وراحتها أثناء استخدام الأجهزة الرقمية تتأثر بعوامل أكثر أهمية، من بينها مستوى سطوع الشاشة، ودرجة التباين بين النص والخلفية، ومدة الاستخدام المتواصل، إضافة إلى طبيعة الإضاءة المحيطة بالمستخدم.
الوضع الفاتح نهاراً والداكن ليلاً
تختلف راحة القراءة من شخص إلى آخر وفق ظروف الإضاءة والاحتياجات البصرية. ففي ضوء النهار الساطع، يجد معظم المستخدمين أن قراءة النصوص الداكنة على خلفية فاتحة أكثر وضوحاً وراحة، بسبب التباين المرتفع وسهولة تمييز الحروف.
أما في الغرف المظلمة، فقد يبدو الوضع الداكن أكثر راحة لدى كثيرين، لأنه يقلل الإحساس بسطوع الشاشة الشديد مقارنة بالبيئة المحيطة. ومع ذلك، شددت شيلوفا على عدم وجود أدلة علمية قاطعة تثبت أن الوضع الداكن يقلل إجهاد العين لدى جميع المستخدمين.
وقد لا يكون الوضع الداكن مناسباً للجميع؛ إذ يمكن أن تصبح بعض النصوص أقل وضوحاً لدى أشخاص يعانون مشكلات بصرية معينة، ما يدفعهم إلى التركيز بصورة أكبر أثناء القراءة. لذلك لا توجد إعدادات موحدة يمكن اعتبارها الخيار الأفضل لجميع الأشخاص وفي مختلف الظروف.
السطوع والتباين أكثر أهمية من اللون
ترى خبيرة العيون أن الإعداد الأمثل للشاشة يتمثل في استخدام خلفية هادئة وغير شديدة السطوع، مع ضبط مستوى إضاءة الشاشة بما يتناسب مع المكان، واختيار تباين يجعل النصوص واضحة من دون التسبب في انزعاج بصري.
فالشاشة شديدة السطوع داخل غرفة مظلمة قد تؤدي إلى الشعور بعدم الراحة، كما أن الشاشة الخافتة جداً في بيئة مضاءة بقوة قد تجبر المستخدم على بذل جهد إضافي لقراءة المحتوى.
لذلك يُنصح بعدم تثبيت السطوع على مستوى واحد طوال اليوم، بل تعديله وفق الإضاءة المحيطة، سواء يدوياً أو باستخدام خاصية السطوع التلقائي المتاحة في معظم الأجهزة الحديثة.
هل تفيد الألوان الدافئة في المساء؟
عند استخدام الهاتف في ساعات المساء، تنصح شيلوفا بتقليل سطوع الشاشة وتفعيل الوضع الليلي الذي يحوّل ألوانها إلى درجات أكثر دفئاً، بدلاً من الاعتماد على تغيير لون الخلفية وحده.
وقد يساعد تقليل شدة الضوء واستخدام الألوان الدافئة ليلاً في الحد من تأثير الإضاءة الصادرة عن الشاشة على الساعة البيولوجية للجسم، التي تسهم في تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ. إلا أن تفعيل الوضع الليلي لا يعني أن استخدام الهاتف لفترات طويلة قبل النوم يصبح خالياً من التأثيرات؛ فمدة التعرض للشاشة ومستوى سطوعها يظلان عاملين أساسيين.
ما أسباب إجهاد العين الرقمي؟
لا ترتبط أعراض إجهاد العين الرقمي بلون واجهة المستخدم بحد ذاته، بل بمجموعة من العوامل السلوكية والبصرية المصاحبة لاستخدام الأجهزة.
فعند التركيز في الشاشة ينخفض معدل الرمش بصورة تلقائية، ما قد يؤدي إلى تبخر الدموع بسرعة أكبر والشعور بجفاف العين أو الحرقة والاحمرار. كما يمكن أن يسبب الوهج، والسطوع المفرط، وصغر حجم الخط، والجلوس لفترات طويلة أمام الشاشة صداعاً مؤقتاً أو تشوشاً في الرؤية وصعوبة في إعادة التركيز على المسافات البعيدة.
ويزداد الانزعاج عندما يُستخدم الهاتف من مسافة قريبة جداً أو بصورة متواصلة من دون منح العينين فترات راحة كافية.
خطوات عملية لراحة العين
للحد من أعراض الإجهاد البصري، يُنصح بضبط سطوع الشاشة ليتناسب مع الإضاءة المحيطة، وتكبير حجم النص عند الحاجة، وتجنب الوهج والانعكاسات، مع الحفاظ على مسافة مريحة بين العين والجهاز.
كما يفيد أخذ فترات راحة منتظمة والنظر إلى أجسام بعيدة بعد فترات التركيز القريب، إضافة إلى تذكّر الرمش بصورة متكررة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون جفاف العين.
وفي حال استمرار الألم أو الاحمرار أو تشوش الرؤية، أو ظهور صداع متكرر أثناء استخدام الأجهزة، يُفضّل مراجعة طبيب عيون للتأكد من عدم وجود مشكلة بصرية تحتاج إلى تصحيح أو علاج.
وتخلص شيلوفا إلى أن نمط استخدام الأجهزة الرقمية يظل العامل الأكثر تأثيراً على راحة العين، متجاوزاً بدرجة كبيرة تأثير لون خلفية الهاتف. وبعبارة أخرى، لا يكمن الحل في اختيار الوضع الفاتح أو الداكن وحده، بل في إدارة السطوع، وتحسين التباين، وتقليل الاستخدام المتواصل، ومراعاة ظروف الإضاءة المحيطة.




