ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز، في آثاره، حدود الدمار العسكري المباشر. فحين يُقدم العدو الإسرائيلي على إحراق بساتين الزيتون المعمّرة، وتجريف الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار التي رافقت عائلات وقرى لأجيال، تصبح الأرض نفسها جزءاً من ساحة الحرب، وتتحول الخسارة من تدمير ممتلكات إلى استهداف لذاكرة المكان وإمكان استمرار الحياة فيه.
في بلدة يارون الحدودية، التهم حريق واسع في مطلع آب/أغسطس 2026 أكثر من 120 هكتاراً من بساتين الزيتون والأشجار المثمرة والأحراج، واستمر أكثر من 36 ساعة، فيما تعذّر على الأهالي وفرق الإطفاء الوصول إلى المنطقة. ووفق رئيس البلدية، فقد شملت النيران أشجار زيتون يتجاوز عمر بعضها قرناً من الزمن، وهي أشجار لا يمكن تعويضها بمجرد إعادة التشجير، لأن استعادة إنتاجيتها وحضورها في المشهد الزراعي تحتاج إلى عقود.
وتختصر شهادة أحد كبار السن في البلدة حجم الخسارة حين قال إنه أكثر حزناً على الأشجار منه على المنزل. فالمنازل، مهما بلغت كلفة إعادة بنائها، يمكن تشييدها من جديد، أما شجرة الزيتون المعمّرة فهي ثمرة زمن طويل، وتحمل في جذعها وفروعها تاريخ العائلة وعلاقتها بأرضها.
المشهد نفسه يتكرر بأشكال مختلفة في بلدات جنوبية أخرى. ففي زوطر الشرقية، أُفيد عن اقتلاع مئات أشجار الزيتون المعمّرة وتجريف الأراضي بواسطة آليات ثقيلة، في اعتداءات نُسبت إلى العدو الإسرائيلي. وهنا لا تعود الخسارة محصورة بالموسم الزراعي، بل تمتد إلى بنية الأرض نفسها وإلى رأس المال الزراعي الذي راكمه السكان على مدى أجيال.
ويزداد القلق البيئي مع توثيق استخدام العدو الإسرائيلي للفوسفور الأبيض في جنوب لبنان خلال مراحل سابقة من المواجهات. وقد وثقت منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية، حالات استخدام لهذه المادة الحارقة في مناطق جنوبية، مثيرةً أسئلة جدية حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما في المناطق القريبة من التجمعات المدنية.
والأثر الذي تتركه هذه الاعتداءات يتجاوز الأشجار والمحاصيل. فالغطاء الحرجي، والتربة، والموائل الطبيعية للحيوانات، كلها تتأثر عندما تمتد النيران إلى مساحات واسعة من الأحراج وبساتين الزيتون والصنوبر والبلوط. كما أن تكرار الحرائق والتجريف يحوّل الضرر من حادثة عسكرية مؤقتة إلى أزمة بيئية طويلة الأمد، يصعب تقدير كلفة استصلاحها وإعادة التوازن إليها.
لكن أخطر ما في هذا الدمار هو تداخله مع البعدين الاقتصادي والديموغرافي. فالزراعة في قرى الجنوب ليست قطاعاً اقتصادياً منفصلاً عن المجتمع، بل إحدى الأدوات الأساسية التي تجعل بقاء السكان في قراهم ممكناً. وعندما يفقد المزارع أشجاره ومحاصيله وأرضه المنتجة نتيجة اعتداءات العدو الإسرائيلي، لا يخسر دخلاً موسمياً فحسب، بل يخسر أحد أهم أسباب قدرته على الاستمرار في مكانه.
وفي يارون وحدها، كانت المساحات التي احترقت قادرة على إنتاج كميات كبيرة من زيت الزيتون سنوياً، بما يوفر دخلاً لعشرات العائلات. ومع احتراق الأشجار المعمّرة، تصبح الخسارة ممتدة لسنوات وربما لعقود، وهو ما يضع السكان أمام تحدٍّ اقتصادي لا يقل خطورة عن تحدي إعادة إعمار المنازل.
من هنا يكتسب الحديث عن «الإبادة البيئية» بعداً يتجاوز اللغة السياسية. فالمفهوم يشير إلى الأضرار البيئية الواسعة والشديدة وطويلة الأمد التي قد تجعل مناطق كاملة أقل قدرة على إعالة سكانها. وقد استخدم مسؤولون لبنانيون هذا الوصف للحديث عن الدمار الذي خلّفته اعتداءات العدو الإسرائيلي في الغابات والأحراج والأراضي الزراعية منذ عام 2023.
أما قانونياً، فإن المسألة تحتاج إلى التمييز بين الإدانة السياسية والتوصيف القضائي. فالقانون الدولي الإنساني يحظر استهداف الممتلكات المدنية من دون ضرورة عسكرية مشروعة، ويضع قيوداً صارمة على الهجمات التي قد تسبب أضراراً واسعة وطويلة الأمد وشديدة للبيئة الطبيعية مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. ولذلك فإن توثيق كيفية اندلاع الحرائق، والأسلحة المستخدمة، وحجم الأضرار، سيكون أساسياً في أي مسار قانوني لاحق لمساءلة العدو الإسرائيلي عن هذه الأفعال.
غير أن للأشجار في جنوب لبنان معنى يتجاوز القانون والاقتصاد. فالزيتون تحديداً مرتبط بصورة الأرض الموروثة، وبالحدود القديمة للملكيات، وبذكريات مواسم القطاف والعمل العائلي المشترك. ولهذا فإن إحراق شجرة عمرها مئة عام ليس معادلاً لإتلاف محصول واحد؛ إنه إزالة معلم حي من معالم المكان.
وعندما تتكرر مشاهد الحرق والتجريف والاقتلاع في القرى الحدودية نتيجة اعتداءات العدو الإسرائيلي، يصبح السؤال أوسع من عدد الأشجار التي فُقدت: هل يراد من تدمير المقومات الزراعية والبيئية جعل العودة والاستقرار أكثر صعوبة على المدى الطويل؟
هذا هو جوهر الخطر الذي يواجهه الجنوب اليوم. فإعادة بناء منزل قد تستغرق أشهراً أو سنوات، لكن إعادة بناء منظومة زراعية وبيئية تشكلت خلال عقود تحتاج زمناً أطول بكثير. كما أن حماية الأرض لا تعني إزالة الركام فقط، بل استصلاح التربة، وإعادة زرع الأشجار، وتعويض المزارعين، وتوثيق الخسائر، وضمان قدرة السكان على العودة إلى مصادر رزقهم.
وسط ذلك كله، يتمسك أهالي القرى الجنوبية بأرضهم باعتبارها أكثر من مساحة جغرافية. فالعودة بالنسبة إليهم لا تكتمل بإعادة فتح المنازل والطرقات، بل بإحياء الحقول والبساتين واستعادة دورة الحياة التي كانت قائمة قبل الحرب.
وقد تنبت شجرة زيتون جديدة مكان شجرة أُحرقت، لكنها تحتاج إلى سنوات طويلة كي تصبح شبيهة بتلك التي عاشت قرناً. لذلك فإن ما يُفقد اليوم لا يقاس بعدد الدونمات وحده، بل بالزمن الذي استُثمر في الأرض، وبالذاكرة التي اختزنتها، وبقدرة الأجيال المقبلة على أن ترث المكان كما ورثه آباؤها.
في جنوب لبنان، المعركة على الأرض ليست مجازاً. إنها معركة على إمكانية أن تبقى الأرض مزروعة، مأهولة وقادرة على حمل الذاكرة والحياة معاً، في مواجهة اعتداءات العدو الإسرائيلي ومحاولاته المستمرة لفرض واقع جديد على القرى الحدودية.





