في مواجهة صحراء تتمدد عاماً بعد آخر، اختارت موريتانيا أن تنثر بذور الحياة من السماء، عبر حملة وطنية للبذر الجوي تهدف إلى استعادة الغطاء النباتي والحد من تدهور الأراضي في مناطق واسعة من البلاد.
الحملة، التي انطلقت في 31 تموز/يوليو 2026 ضمن الأسبوع الوطني للشجرة، تستمر أربعة أيام، وتنفذها وزارة البيئة والتنمية المستدامة بالتعاون مع الجهات العسكرية، التي تتولى نثر البذور بواسطة الطائرات فوق المناطق المستهدفة.
وتشمل العمليات تسع ولايات موريتانية، على مساحة تقدر بنحو 8.7 ملايين هكتار، باستخدام ثلاثة أطنان من بذور الأشجار والنباتات المحلية القادرة على تحمل الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة وقلة الأمطار.
ويأتي اختيار النباتات المحلية باعتبارها أكثر قدرة على التأقلم مع طبيعة التربة والمناخ في موريتانيا، ما يمنحها فرصاً أكبر للنمو والاستمرار مقارنة بأنواع نباتية لا تنتمي إلى البيئة الصحراوية وشبه الصحراوية.
وتهدف الحملة إلى إعادة تأهيل الأراضي الرعوية المتدهورة، وتثبيت الكثبان الرملية، وتحسين خصوبة التربة، وتجديد الغطاء النباتي في المناطق التي تضررت نتيجة الجفاف والرعي الجائر والاستغلال المكثف للموارد الطبيعية.
وتقول وزيرة البيئة والتنمية المستدامة، مسعودة بنت بحام ولد محمد لغظف، إن البذر الجوي يشكل جزءاً أساسياً من السياسة الوطنية لمكافحة التصحر واستعادة النظم البيئية، مشددة على أن حجم التحدي يتطلب مشاركة الدولة والسكان المحليين ومختلف الفاعلين.
بلد تحت ضغط التصحر
لا تنفصل الحملة عن واقع بيئي صعب تعيشه موريتانيا، إذ تشير تقديرات وزارة البيئة إلى أن التصحر يؤثر في أكثر من 84 في المئة من مساحة البلاد.
ويهدد هذا التدهور المراعي والأراضي الزراعية ومصادر المياه، كما ينعكس بصورة مباشرة على حياة السكان في المناطق الريفية الذين يعتمدون على تربية المواشي والزراعة في تأمين دخلهم وغذائهم.
ومع تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، تصبح مساحات واسعة من الأراضي أقل قدرة على إنتاج الأعلاف أو الاحتفاظ بالمياه، ما يدفع بعض السكان إلى الهجرة نحو المدن ويزيد الضغط على الموارد والخدمات.
وتعد موريتانيا، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، من أكثر دول الساحل تعرضاً لزحف الرمال وتدهور الأراضي، في ظل هشاشة النظم البيئية وازدياد آثار التغير المناخي.
البيئة بوصفها مورداً اقتصادياً
لا تنظر الحكومة الموريتانية إلى استعادة الغطاء النباتي بوصفها قضية بيئية فقط، بل باعتبارها وسيلة لتحسين الظروف الاقتصادية للسكان.
فالنباتات المحلية المستهدفة يمكن أن توفر الأعلاف للماشية، وتنتج الصمغ العربي والثمار وموارد أخرى قابلة للبيع، بما يساهم في خلق مصادر دخل جديدة للمجتمعات الريفية.
وهذا الربط بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية يعد ضرورياً لضمان مشاركة السكان في حماية المناطق التي يجري استصلاحها، إذ يصعب الحفاظ على الغطاء النباتي من دون منح المجتمعات المحلية مصلحة مباشرة في استمراره.
توسع في المساحات المستهدفة
وتكشف أرقام الحملة الجديدة عن توسع كبير مقارنة بعام 2025، حين استهدفت عمليات البذر الجوي نحو 6.1 ملايين هكتار، قبل رفع المساحة إلى 8.7 ملايين هكتار خلال عام 2026.
غير أن اتساع المساحات لا يكفي وحده لقياس نجاح الحملة، إذ يبقى العامل الأهم هو نسبة البذور التي ستتمكن من الإنبات والبقاء بعد انتهاء موسم الأمطار.
ويتوقف ذلك على توقيت عمليات النثر، وكمية الأمطار، وجودة البذور، وطبيعة التربة، إضافة إلى حماية النباتات الجديدة من الرعي المبكر والحرائق والقطع.
كما تحتاج المناطق المستهدفة إلى متابعة ميدانية منتظمة لقياس النتائج ومعرفة الأنواع النباتية الأكثر قدرة على النمو، بدلاً من الاكتفاء بحساب المساحات التي مرت فوقها الطائرات.
خطوة ضمن معركة طويلة
تندرج الحملة ضمن جهود موريتانيا في إطار مبادرة الجدار الأخضر الكبير، التي أطلقها الاتحاد الأفريقي عام 2007 لاستعادة الأراضي المتدهورة في دول الساحل ومواجهة التصحر والفقر وانعدام الأمن الغذائي.
ولا تقوم المبادرة على زراعة جدار متصل من الأشجار فقط، بل تشمل إدارة المياه، واستصلاح التربة، وتنظيم المراعي، ودعم الأنشطة الزراعية والاقتصادية المستدامة.
وبالنسبة لموريتانيا، قد يوفر البذر الجوي وسيلة سريعة للوصول إلى مناطق شاسعة يصعب استصلاحها بالطرق التقليدية، لكنه يظل جزءاً من حل أوسع.
فمواجهة التصحر تحتاج إلى سياسات طويلة الأمد تشمل إدارة أفضل للموارد المائية، وتنظيم الرعي، والحد من قطع الأشجار، ودعم السكان في التكيف مع الجفاف والتقلبات المناخية.
وبينما تسقط البذور من الطائرات فوق الأراضي الجافة، يبقى السؤال الحقيقي مرتبطاً بما سيحدث بعدها: هل تتحول تلك البذور إلى نباتات قادرة على الصمود، أم تبقى الحملة مجرد تدخل موسمي محدود؟
الإجابة ستعتمد على قدرة السلطات والمجتمعات المحلية على حماية ما ينبت، ومواصلة العمل بعد انتهاء تحليق الطائرات.





