مع اشتداد الأمطار على مناطق واسعة من اليمن خلال أغسطس/آب وتحولها في بعض المحافظات إلى سيول جارفة، عاد اسم ظاهرة النينيو إلى الواجهة، خصوصا مع تزامن هذه الحالة الجوية مع مؤشرات على تعزز الظاهرة في المحيط الهادئ الاستوائي.
وقد يبدو الربط بين الحدثين منطقيا للوهلة الأولى، فالنينيو معروفة بقدرتها على إحداث اضطرابات واسعة في أنماط الطقس حول العالم، من موجات الجفاف إلى الفيضانات والأمطار الاستثنائية. إلا أن العلاقة بين النينيو وأمطار اليمن أكثر تعقيدا من مجرد تزامن زمني، إذ تلعب العوامل الإقليمية والتضاريس المحلية والرياح الموسمية دورا مباشرا وأحيانا أكثر أهمية في تحديد كمية الأمطار وشدتها.
ما ظاهرة النينيو؟
النينيو هي المرحلة الدافئة من دورة مناخية طبيعية تعرف باسم النينيو–التذبذب الجنوبي (ENSO)، وتحدث عندما ترتفع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي عن معدلاتها الطبيعية لفترة ممتدة.
ولا تبقى آثار هذا الاحترار محصورة في المحيط الهادئ، إذ يؤثر في حركة الرياح والتيارات الهوائية وتوزيع مناطق الضغط الجوي والحمل الحراري على نطاق واسع، وهو ما قد يغير أنماط الهطول ودرجات الحرارة في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن مركز الظاهرة.
ففي بعض أنحاء العالم ترتبط النينيو بأمطار وفيضانات أكثر غزارة، بينما تقترن في مناطق أخرى بانخفاض الأمطار وازدياد احتمالات الجفاف. ولذلك لا يمكن اعتبار النينيو سببا موحدا لزيادة الأمطار في جميع المناطق.
هل تزيد النينيو أمطار اليمن؟
هنا تظهر المفارقة.
فالدراسات المناخية التي تناولت جنوب غرب شبه الجزيرة العربية لا تقدم دليلا بسيطا على أن النينيو تؤدي تلقائيا إلى زيادة الأمطار الصيفية في اليمن. بل تشير بعض التحليلات التاريخية إلى أن عددا من سنوات النينيو البارزة تزامن مع انخفاض نسبي في الأمطار الصيفية بالمنطقة.
وبالتالي فإن هطول أمطار شديدة في اليمن بالتزامن مع النينيو لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة بينهما.
ومن المهم في علم المناخ التمييز بين التزامن والسببية. فقد تحدث ظاهرتان في الوقت نفسه من دون أن تكون إحداهما السبب الرئيسي للأخرى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأنظمة مناخية معقدة تتداخل فيها عوامل محلية وإقليمية وعالمية.
والدليل على ذلك أن اليمن شهد خلال سنوات سابقة حالات من الأمطار والسيول الصيفية الغزيرة في ظروف لم تكن فيها النينيو العامل المناخي الأبرز.
من أين جاءت كل هذه الرطوبة؟
التفسير الأكثر مباشرة للأمطار الغزيرة يرتبط بطبيعة الدورة الجوية المحيطة باليمن خلال الصيف.
ففي بعض الحالات يتشكل منخفض جوي سطحي يساعد على إعادة توجيه حركة الكتل الهوائية، بحيث تتدفق كميات كبيرة من الرطوبة القادمة من بحر العرب والمحيط الهندي نحو جنوب وغرب شبه الجزيرة العربية.
وعندما يستمر هذا التدفق، يصبح الغلاف الجوي محملا بكميات كبيرة من بخار الماء، وهي المادة الأساسية اللازمة لتشكل السحب الممطرة.
لكن توفر الرطوبة وحده لا يكفي. إذ تحتاج هذه الكتل الهوائية أيضا إلى آلية تدفعها نحو الأعلى حتى تبرد ويتكثف بخار الماء الموجود فيها.
وهنا تتداخل عدة عوامل، من بينها التسخين الصيفي القوي لسطح الأرض، وعدم وجود أنظمة ضغط مرتفع قوية تكبح حركة الهواء الصاعدة، إضافة إلى أنماط الرياح في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.
والنتيجة قد تكون بيئة شديدة الملاءمة لنمو السحب الركامية العميقة القادرة على إنتاج كميات كبيرة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة.
جبال اليمن تضاعف التأثير
لا يمكن فهم أمطار اليمن من دون النظر إلى تضاريسه.
فالمناطق الغربية والجنوبية الغربية من البلاد تضم سلاسل جبلية شاهقة ترتفع في بعض المواقع آلاف الأمتار عن مستوى سطح البحر. وعندما تصطدم الكتل الهوائية الرطبة القادمة من البحار بهذه المرتفعات، تُجبر على الصعود.
وأثناء الصعود تنخفض درجة حرارة الهواء، فيتكثف بخار الماء وتزداد فرص تشكل السحب وهطول الأمطار، وهي آلية تعرف في علم الأرصاد بـالرفع التضاريسي.
لذلك تمثل الجبال اليمنية عنصرا أساسيا في تفسير تركّز الهطول الغزير في مناطق معينة، كما يمكن أن تزيد من سرعة تشكل السحب الرعدية عندما تتوافر كميات كبيرة من الرطوبة وعدم الاستقرار الجوي.
لكن التضاريس التي تعزز الأمطار قد تتحول في الوقت نفسه إلى عامل خطر، إذ تدفع المياه بسرعة نحو الأودية والمناطق المنخفضة، وهو ما يزيد احتمالات تشكل السيول المفاجئة.
المطر الصيفي في اليمن ليس استثناء
على الرغم من أن صور الفيضانات والسيول قد توحي بحدث غير مألوف تماما، فإن هطول الأمطار خلال الصيف جزء معروف من النظام المناخي في اليمن، ولا سيما في المرتفعات الغربية والجنوبية الغربية.
وترتبط هذه الأمطار جزئيا بالامتداد الشمالي لتأثيرات الرياح الموسمية الصيفية القادمة من المحيط الهندي وبحر العرب.
وخلال الفترة الممتدة تقريبا من يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول، تتحرك كميات كبيرة من الهواء الرطب باتجاه المنطقة، ومع توافر الظروف الجوية المناسبة يمكن أن تتشكل عواصف رعدية قوية وأمطار كثيفة.
إذن، القضية ليست في وجود المطر الصيفي بحد ذاته، بل في كمية الأمطار التي تهطل خلال فترة زمنية قصيرة ومدى قدرة الأرض والبنية التحتية على استيعابها.
التغير المناخي يضيف طبقة جديدة من الخطر
أما العامل الذي يزيد الصورة تعقيدا فهو تغير المناخ العالمي.
فارتفاع درجات الحرارة يسمح للغلاف الجوي بالاحتفاظ بكميات أكبر من بخار الماء، ما يعني أنه عندما تتوافر الظروف المناسبة لتشكل العواصف، قد يصبح المجال مهيأ لهطولات أشد كثافة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل موسم سيكون أكثر مطرا من سابقه. فالآثار المناخية قد تظهر في صورة أكثر تناقضا: فترات جفاف أطول تقطعها أحداث مطرية شديدة وقصيرة.
وهذا النوع من التطرف يمثل تحديا كبيرا لليمن، لأن المطر الغزير بعد فترات الجفاف قد يهطل على تربة جافة أو صلبة لا تستطيع امتصاص المياه بالسرعة الكافية، فتتحول كميات كبيرة منها إلى جريان سطحي وسيول.
كما تزيد هشاشة البنية التحتية ووجود تجمعات سكانية قرب مجاري الأودية من حجم الخسائر المحتملة حتى عندما لا تكون كمية المطر قياسية تاريخيا.
أين تقف النينيو إذن؟
لا ينبغي استبعاد تأثير النينيو كليا، فهي واحدة من أكبر الظواهر القادرة على تعديل الدورة الجوية العالمية، ومن الممكن أن تؤثر بصورة غير مباشرة في توزيع الضغط والرياح والرطوبة في مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ.
لكن اعتبارها المسبب المباشر لسيول اليمن لمجرد حدوث الظاهرتين في الفترة نفسها سيكون تبسيطا زائدا لنظام مناخي بالغ التعقيد.
الأقرب علميا هو النظر إلى أمطار اليمن باعتبارها نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل: التدفق الرطوبي من بحر العرب والمحيط الهندي، أنظمة الضغط الجوي الإقليمية، الرياح الموسمية، عدم الاستقرار في الغلاف الجوي، والتضاريس الجبلية، إضافة إلى تأثير الاحترار العالمي في شدة بعض الظواهر المتطرفة.
أما النينيو، فقد تكون جزءا من المشهد المناخي الأوسع، لكن تحديد مقدار مساهمتها في حدث بعينه يحتاج إلى دراسات إسناد مناخي وتحليلات جوية متخصصة، لا إلى مجرد ملاحظة التزامن بين الحدثين.
الخطر الحقيقي أبعد من سؤال النينيو
وربما يكون التركيز حصرا على السؤال: هل النينيو هي السبب؟ مضللا عن القضية الأكثر أهمية.
فاليمن يقع في منطقة يمكن أن تجمع بين ندرة المياه من جهة وخطر السيول المفاجئة من جهة أخرى، ومع ازدياد التقلبات المناخية تصبح القدرة على التنبؤ بالأمطار والاستجابة لها أكثر أهمية من البحث عن تفسير واحد لكل حدث.
ويتطلب ذلك تحسين شبكات الرصد والإنذار المبكر، وتحديث خرائط مخاطر السيول، وحماية مجاري الأودية من التوسع العمراني غير المنظم، وتصميم بنية تحتية قادرة على التعامل مع أمطار قد تصبح أكثر حدة في عالم أكثر دفئا.
فالنينيو قد تأتي وتختفي ضمن دوراتها الطبيعية، لكن تزايد التعرض للطقس المتطرف هو التحدي طويل الأمد الذي سيحدد حجم الأضرار التي تخلفها العواصف المقبلة في اليمن.




