في بلد يعاني أزمات اقتصادية متراكمة، ويبحث آلاف الشباب فيه عن فرص عمل تحفظ مستقبلهم، قد يبدو الإعلان عن تدريب مليون شخص على الذكاء الاصطناعي خبراً استثنائياً.
مليون شخص يمتلكون مهارات المستقبل.
مليون فرصة لدخول الاقتصاد الرقمي.
ومليون لبناني يستطيعون استخدام التكنولوجيا التي تغيّر سوق العمل العالمي.
لكن وراء هذا الرقم الكبير تفاصيل تستحق التدقيق.
ففي 25 أيلول 2026، أعلنت الإمارات ولبنان إطلاق مبادرة تحمل اسم «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي»، خلال لقاء جمع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وبحسب البيان الرسمي لوزارة الخارجية الإماراتية، تهدف المبادرة إلى تدريب مليون لبناني على المهارات الأساسية والعملية للذكاء الاصطناعي التوليدي، وخصوصاً كيفية كتابة التعليمات والتفاعل مع الأدوات الذكية.
وهي مبادرة يمكن أن تفتح فرصاً تعليمية مهمة، لكنها تطرح مفارقة واضحة:
هل يحتاج لبنان إلى مليون خبير في الذكاء الاصطناعي، أم إلى مليون شخص يعرفون كيف يستخدمونه؟
الفرق بين السؤالين ليس لغوياً فقط، بل يتعلق بطبيعة التدريب وجودته والنتائج التي تستطيع الدولة محاسبة المشروع عليها.

ماذا أعلنت الحكومتان فعلياً؟
تندرج المبادرة ضمن برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي، بالتعاون مع الحكومة اللبنانية.
ويصف الإعلان الرسمي أهدافها بأنها بناء قدرات رقمية تساعد المشاركين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل والحياة اليومية، وتحسين الإنتاجية، وتطوير حلول للتحديات العملية.
وتشمل المهارات المستهدفة الذكاء الاصطناعي التوليدي و«هندسة الأوامر» أو Prompt Engineering.
وتعني هندسة الأوامر القدرة على صياغة تعليمات واضحة للأداة، وتحديد المهمة المطلوبة، وإضافة السياق، ومراجعة النتائج وتعديل الطلب عند الحاجة.
هذه مهارة مفيدة في التعليم والعمل والبحث وإعداد المستندات.
لكنها ليست مرادفاً لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي.
فالمهندس المتخصص في تعلم الآلة يحتاج إلى معرفة أعمق بالبرمجة والرياضيات والبيانات والإحصاء وتقييم النماذج.
أما الباحث الذي يطوّر خوارزميات جديدة فيحتاج إلى مستوى آخر من الدراسة والخبرة العلمية.
وبالتالي، فإن استخدام كلمة «خبير» في اسم المبادرة يعبر عن طموحها أو هويتها الإعلامية، لكنه لا يثبت أن كل مشارك سيتخرج بمهارات تؤهله للعمل باحثاً أو مهندس ذكاء اصطناعي.

مليون مشارك… لكن ما تعريف النجاح؟
الرقم المعلن كبير بما يكفي لجعل طريقة قياسه قضية أساسية.
فهل سيُحتسب الشخص ضمن المليون بمجرد تسجيله على منصة تعليمية؟
أم بعد إكمال الدروس؟
أم بعد النجاح في اختبار؟
وهل سيُطلب من المشاركين تنفيذ مشروع عملي يثبت قدرتهم على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟
ثم ماذا عن الذين يسجلون ولا يكملون؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل إدارية بسيطة.
فبرنامج يصل إلى مليون شخص يمكن أن يبدو ناجحاً إذا قيس بعدد التسجيلات، بينما تكون نتائجه مختلفة تماماً إذا قيس بعدد الذين اكتسبوا مهارة جديدة واستطاعوا تطبيقها في العمل.
وقد تناول وزير الدولة اللبناني لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة تفاصيل المشروع في تصريحات صحافية لاحقة، أشار فيها إلى أفق زمني قد يمتد أربع أو خمس سنوات للوصول إلى العدد المستهدف.
لكن هذا الأفق لا يعني، بحد ذاته، وجود جدول إنجاز منشور يحدد عدد المتدربين الذين ينبغي تخريجهم في كل مرحلة.
وحتى تاريخ إعداد هذه المادة، لم نجد في البيان التأسيسي الرسمي ميزانية تفصيلية أو منهجاً منشوراً كاملاً أو مؤشرات أداء تسمح بتحديد تكلفة تدريب الفرد والمهارة التي يفترض أن يكتسبها.
ولا يعني غياب هذه التفاصيل عن البيان أنها غير موجودة لدى الجهات المنفذة.
بل يعني أن الجمهور يحتاج إلى الاطلاع عليها كي يستطيع تقييم النتائج.
هل تكفي دورة على ChatGPT لصناعة فرصة عمل؟
يستطيع التدريب الجيد على الذكاء الاصطناعي أن يوفّر مهارات عملية لبعض الفئات.
فالموظف الإداري قد يستخدم الأدوات للمساعدة في إعداد التقارير وتنظيم المعلومات.
ويمكن للمترجم أو المصمم أو صاحب المشروع الصغير الاستفادة منها في بعض الأعمال، مع مراجعة المخرجات البشرية.
وقد يستفيد الطلاب من تعلم كيفية البحث النقدي والتحقق من المعلومات التي تنتجها النماذج.
لكن هناك فرقاً بين زيادة الكفاءة الفردية وخلق وظائف جديدة.
فإكمال دورة تدريبية لا يضمن حصول المشارك على وظيفة، كما أن معرفة كيفية استخدام أداة لا تعني امتلاك المهارات المهنية الأخرى التي يطلبها صاحب العمل.
وهنا ينبغي الفصل بين ثلاثة مؤشرات: عدد المتدربين، ومستوى التحسن الفعلي في مهاراتهم، والأثر الاقتصادي الذي تحقق بسبب التدريب.
أما اعتبار كل شهادة جديدة وظيفة محتملة، فسيكون استنتاجاً لا تدعمه الوقائع.
فجوة لا تحلّها المحاضرات وحدها
تواجه المبادرات الرقمية في لبنان تحديات لا تقتصر على المحتوى التعليمي.
فهناك تفاوت في القدرة على الوصول إلى الأجهزة والإنترنت المستقر، واختلافات في إتقان اللغات والمهارات الحاسوبية الأساسية.
كما أن المتعلم الذي يمتلك حاسوباً واتصالاً جيداً بالإنترنت لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها شخص لا يملك سوى هاتف محدود الإمكانات.
وتزداد أهمية هذه الفجوات عندما يستهدف التدريب فئات واسعة من المجتمع، وليس طلاب الجامعات والعاملين في التكنولوجيا فقط.
لذلك، قد يحتاج المشروع إلى أكثر من دروس إلكترونية موحدة.
ومن الخيارات التي تستحق الدراسة توفير محتوى مناسب للهواتف، ومسارات للمبتدئين، ودعم للفئات الأقل خبرة رقمية، وتسهيلات للأشخاص ذوي الإعاقة، وتقييمات تتناسب مع مستوى المشاركين.
لكنها تبقى توصيات تحريرية لتحسين فرص نجاح المشروع، وليست إجراءات أعلنت المبادرة اعتمادها جميعاً.
لماذا لا تكفي هندسة الأوامر؟
تتغير أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة.
والتعليم الذي يركز على كتابة طلبات جاهزة قد يفقد جزءاً من قيمته مع تطور طريقة تفاعل المستخدم مع النماذج.
لكن المهارات الأعمق تظل مفيدة، مثل القدرة على تحديد المشكلة، والتفكير النقدي، وحماية المعلومات، وتقييم جودة الإجابة.
وفي إطارها المرجعي لكفاءات الذكاء الاصطناعي، تؤكد منظمة اليونسكو أهمية الجمع بين المعرفة التقنية والاعتبارات الأخلاقية والفهم النقدي ودور الإنسان في اتخاذ القرار.
وهذا يقدم معياراً مهماً عند تصميم برامج التدريب.
فإذا أصبح المشارك قادراً على إنتاج تقرير خلال دقائق، لكنه لا يستطيع اكتشاف أن التقرير يحتوي على أرقام مختلقة، فقد تكون سرعة إنجاز العمل قد ارتفعت من دون أن تتحسن موثوقيته.
وإذا تعلم الموظف نسخ وثائق العمل الحساسة إلى أدوات خارجية من دون فهم قواعد حماية البيانات، فقد يضيف استخدام التكنولوجيا مخاطر جديدة.
ولهذا ينبغي أن يشمل أي تدريب واسع النطاق مهارات التحقق والخصوصية والسلامة، وليس طريقة كتابة الأوامر وحدها.
من يدفع كلفة المشروع؟
الإعلان عن شراكة حكومية لا يكشف تلقائياً تفاصيل التمويل.
فقد يتضمن التدريب مساهمات تقنية أو محتوى تعليمياً أو منصات جاهزة أو خدمات مدفوعة أو مزيجاً من هذه العناصر.
لكن لا يصح افتراض قيمة مالية للمبادرة من دون وثائق أو بيانات منشورة.
وهنا تظهر أسئلة من المصلحة العامة توضيحها: هل التدريب مجاني بالكامل؟ ومن يملك المواد التعليمية؟ وهل هناك رسوم للشهادات؟ وما دور الشركات الخاصة؟ وهل توجد عقود لتوفير المنصات أو الاشتراكات أو الخدمات التقنية؟
لا توجد في المصادر الرسمية التي راجعناها تفاصيل كافية للإجابة بصورة حاسمة عن جميع هذه الأسئلة.
ولهذا فإنها تبقى أسئلة مفتوحة أمام الجهات المشرفة، وليست اتهامات بوجود إنفاق غير شفاف أو مخالفات.
من يتعلم… ومن يستفيد؟
يمكن للمبادرة أن تحقق فائدة اقتصادية إذا استطاعت الوصول إلى فئات متعددة من المجتمع وربط التدريب بحاجاتها الحقيقية.
لكن معرفة عدد المشاركين وحده لا تكفي.
فقد يستفيد المتعلم من الدورة من دون أن يتغير دخله.
وقد تتحسن إنتاجية موظف من دون أن يحصل على ترقية.
وقد تساعد الأدوات شركة على خفض تكاليفها من دون أن تزيد عدد العاملين فيها.
لهذا لا بد من التفكير في كيفية قياس الأثر، لا الاكتفاء بالإعلان عن الأعداد.
ومن المفيد مثلاً مقارنة مستوى المهارات قبل التدريب وبعده، ومعرفة نسبة إكمال المسارات، وقياس استخدام المهارات بعد أشهر من انتهاء الدورة.
أما أثر المبادرة على الوظائف والدخل، فيحتاج إلى دراسات متابعة أكثر تعقيداً، لأن عوامل اقتصادية عديدة قد تؤثر فيه.
اختبار المليون
ما تعلنه الشراكة اللبنانية الإماراتية يمثل هدفاً تدريبياً واسعاً، وليس إنجازاً مكتملاً.
وتُظهر تجربة البرامج التعليمية الكبيرة أن الوصول إلى عدد مرتفع من المستخدمين قد يكون أسهل من ضمان تعلمهم فعلياً.
فنجاح المبادرة ينبغي ألا يُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين استلموا شهادة، بل بنوعية المعرفة التي اكتسبوها، وبقدرتهم على استخدامها بصورة آمنة ومجدية.
أما استخدام تسمية «مليون خبير»، فيجب ألا يحجب حقيقة أن مستويات الخبرة تختلف، وأن التدريب الأساسي قد يكون خطوة أولى نحو التخصص وليس بديلاً عنه.
ولبنان لا يفتقر إلى الشعارات الطموحة.
ما يحتاج إليه هو تحويل هذا الطموح إلى نتائج قابلة للقياس، يستطيع المواطن الاطلاع عليها، وتستطيع المؤسسات الاستفادة منها.
فالسؤال الحقيقي ليس كيف نصنع مليون شهادة في الذكاء الاصطناعي، بل كيف نضمن أن يخرج مليون شخص بمعرفة لم يكونوا يمتلكونها قبل التدريب.
وعندها فقط يصبح الرقم أكثر من عنوان جذاب.


