في مدينة اعتادت أن تعيد اكتشاف نفسها بين الأزمات والتحوّلات، يأتي الفن أحياناً بوصفه مساحة للتأمل في ما تعجز الحياة اليومية عن التعبير عنه. ومن قلب منطقة الجميزة، حيث تختلط ذاكرة بيروت العمرانية بحركتها الثقافية، يقدّم معرض «Awakened Light» (الضوء المستيقظ) للفنانة التشكيلية اللبنانية لانا طاهر مقاربة بصرية للعلاقة بين الطبيعة والذاكرة والضوء، في تجربة فنية تتجاوز الألوان والأشكال إلى البحث في المشاعر والتجارب الإنسانية.
ويستضيف مقر جمعية Rebirth Beirut المعرض الذي افتُتح في الثامن من تشرين الأول 2026 ويستمر حتى السابع عشر منه، بالتعاون مع الدكتور طوني كرم، وبتنظيم وإشراف Organiss Management، في إطار الأنشطة الثقافية التي تحتضنها الجمعية في العاصمة اللبنانية.
ولا يقتصر المعرض على تقديم مجموعة من الأعمال التجريدية، بل يطرح، من خلال موضوعاته وتكويناته البصرية، تساؤلات حول الطريقة التي نرى بها العالم، وكيف تتحوّل الأماكن والمشاهد الطبيعية إلى صور مختلفة عندما تعبر الذاكرة والمشاعر.

حين تصبح الطبيعة ذاكرة بصرية
في أعمال لانا طاهر، لا تظهر الطبيعة باعتبارها مشهداً ثابتاً يُعاد إنتاجه على سطح اللوحة، بل تتحوّل إلى تجربة ذاتية تتداخل فيها عناصر الأرض والبحر والضوء مع طبقات اللون والملمس والحركة.
وتعتمد الفنانة أسلوباً تجريدياً يقوم على تعدّد الطبقات والتكوينات والإيماءات العفوية، بما يسمح للألوان بأن تؤدي دوراً يتجاوز وظيفتها الجمالية المباشرة، لتصبح وسيلة للتعبير عن حالات شعورية وذكريات يصعب اختزالها في أشكال محدّدة.
فالبحر، على سبيل المثال، لا يحتاج إلى أمواج مرسومة بوضوح كي يحضر في العمل الفني؛ قد يظهر من خلال تدرّجات لونية أو إيقاع بصري يوحي بالامتداد والحركة. وكذلك الأرض، التي يمكن استحضارها عبر الملامس والتراكيب والتباينات بين المساحات اللونية.
ومن هذا المنطلق، تبتعد أعمال طاهر عن المحاكاة المباشرة للمشهد الطبيعي، لتقترب من مفهوم المشهد الداخلي؛ أي تلك الصورة التي تتشكّل في الوجدان بعد أن تتحرّر من تفاصيل المكان الواقعي.
إنها تجربة تترك للمشاهد حرية التأويل، فلا تفرض عليه قراءة واحدة، ولا تشترط منه العثور على شكل مألوف كي يتفاعل مع اللوحة.

الضوء… من العنصر التشكيلي إلى سؤال التحوّل
يحمل عنوان المعرض «Awakened Light» دلالة تتجاوز مفهوم الإضاءة بوصفها عنصراً تقنياً في التكوين الفني.
فالضوء، في المقاربة التي يقدّمها المعرض، يتحوّل إلى رمز للتغيّر والانكشاف والتجدّد، وإلى نقطة اتصال بين ما هو مرئي وما تختزنه الذاكرة من مشاهد ومشاعر.
وفي الفن التجريدي، لا يكون الضوء بالضرورة انعكاساً لمصدر خارجي، بل يمكن أن يتولّد من العلاقات بين الألوان والطبقات والمساحات، ومن التوازن بين الكثافة والشفافية، والحضور والغياب.
ومن هنا، تكتسب فكرة «استيقاظ الضوء» بعداً تأملياً؛ فهي لا تتعلق بانتقال بصري من العتمة إلى الإنارة فحسب، بل تفتح المجال أمام قراءة أوسع لمفاهيم التغيّر وإعادة الاكتشاف.
وتدعو الأعمال، وفق الرؤية الفنية المعلنة للمعرض، إلى التمهّل أمام التفاصيل، حيث تتكشّف الحركة والإيقاعات اللونية تدريجياً، بدلاً من تقديم صورة جاهزة تستهلكها العين في لحظة عابرة.

الجميزة… الفن في مدينة تحمل ذاكرتها
لا يمكن فصل إقامة المعرض في الجميزة عن السياق الثقافي والعمراني الذي تمثّله المنطقة في بيروت.
فهذا الحي، الذي ارتبط بالحياة الفنية والمقاهي والمساحات الإبداعية، كان أيضاً من المناطق التي طالتها الأضرار الواسعة جراء انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، ما جعل مسألة استعادة الحياة فيه تتجاوز ترميم الأبنية إلى استعادة النشاط الاجتماعي والثقافي.
وفي هذا السياق، تكتسب استضافة Rebirth Beirut للمعرض أهمية تتصل بدور المساحات الثقافية في المدينة، وقدرتها على توفير نقاط لقاء بين الفنانين والجمهور.
غير أن أهمية المبادرات الفنية لا تُقاس فقط بعدد المعارض أو الأنشطة التي تستضيفها، بل أيضاً بقدرتها على بناء علاقة مستمرة مع المجتمع، وإتاحة الفن لجمهور أوسع، بعيداً عن حصر التجربة الثقافية في المناسبات العابرة.
فإحياء المدينة ثقافياً لا يتحقق بمجرد عودة الفعاليات، بل يحتاج إلى بيئة تسمح للفنانين بالإنتاج والعرض والتواصل، وإلى اهتمام مستدام بالثقافة بوصفها جزءاً من الحياة العامة، لا نشاطاً هامشياً أو ترفاً منفصلاً عن الواقع.

Rebirth Beirut: إعادة الحياة تتجاوز إنارة الشوارع
وفي تعليقه على المعرض، شدّد رئيس ومؤسس جمعية Rebirth Beirut، كابي فرنيني، على أن إعادة الحياة إلى العاصمة لا تقتصر على المشاريع الإنمائية وتحسين المرافق العامة، بل تشمل الحفاظ على حضور الثقافة والفنون في المدينة.
وقال فرنيني:
«نؤمن في Rebirth Beirut بأن إعادة الحياة إلى بيروت لا تقتصر على المشاريع الإنمائية وإنارة شوارعها ومساحاتها العامة، بل تعني أيضاً إبقاء نور الثقافة والفن حاضراً فيها».
واعتبر أن عنوان المعرض يلتقي مع رسالة الجمعية القائمة على إبقاء بيروت مساحة للأمل والإبداع والتجدّد.
وتسعى الجمعية، من خلال الأنشطة والمعارض التي تستضيفها في مقرها بالجميزة، إلى تعزيز حضور الفنون في الحياة المدينية، بالتوازي مع مبادراتها الأخرى المرتبطة بالعاصمة.
ويُخصَّص جزء من عائدات «Awakened Light» لدعم مشاريع الجمعية ومبادراتها، في خطوة تربط النشاط الفني بمساهمة مجتمعية أوسع، وإن لم تتوافر في المعلومات المنشورة تفاصيل عن نسبة العائدات المخصّصة أو المشاريع التي ستستفيد منها بصورة مباشرة.

الفن لا يعيد بناء المدن وحده… لكنه يحفظ قدرتها على التعبير
في بلد تتزاحم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، غالباً ما يتراجع النقاش الثقافي أمام الأولويات المعيشية الملحّة. إلا أن هذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً حول مكانة الفن في المجتمع، ومدى قدرته على المساهمة في الحفاظ على ذاكرة الناس وعلاقتهم بأماكنهم.
ولا تستطيع المعارض الفنية، بطبيعة الحال، معالجة الأزمات البنيوية التي تواجه بيروت، أو أن تكون بديلاً عن السياسات العامة اللازمة لحماية تراثها ومؤسساتها الثقافية. لكنها تستطيع أن تمنح المدينة مساحة للتعبير والتفكير، وأن تساهم في إبقاء الحوار بين الفنان والمجتمع قائماً.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة «Awakened Light» بوصفه تجربة تتقاطع فيها اللغة الفنية الشخصية للانا طاهر مع أسئلة أكثر اتساعاً حول المكان والانتماء والتحوّل.
فالأرض والبحر والضوء ليست مجرد عناصر طبيعية تُستحضر داخل اللوحات، بل مفردات مفتوحة على معانٍ تتصل بالذاكرة الإنسانية، وبقدرتنا على إعادة تشكيل ما نراه ونشعر به.
وربما تكمن أهمية المعرض في أنه لا يقدّم الضوء باعتباره وعداً سهلاً بالخلاص، بل يفسح المجال لفهمه كاحتمال للتغيّر، ومساحة لاكتشاف ما يبقى حاضراً حتى عندما تتبدّل الأمكنة والظروف.
وبين الجميزة ولوحات لانا طاهر، لا تبدو المسألة مجرد احتفاء بالجمال، بل تذكيراً بأن المدن لا تعيش بأبنيتها وشوارعها وحدها، وإنما أيضاً بذاكرتها وفنونها والأصوات التي تواصل التعبير عنها.
معلومات المعرض
العنوان: Awakened Light – Lana Taher
الفنانة: لانا طاهر
المكان: Rebirth Beirut – شارع غورو، الجميزة، مبنى وقف الروم، الطابق الأول، بيروت.
المدة: من 8 إلى 17 تشرين الأول 2026.
مواعيد الزيارة المعلنة: من الثانية حتى السابعة مساءً، باستثناء أيام الأحد.
الدعم: يُخصَّص جزء من عائدات المعرض لمبادرات Rebirth Beirut.


