من البساتين المحترقة إلى الأراضي الملوّثة ومخلفات الحرب القاتلة، يواجه زيتون الجنوب اللبناني تهديداً يتجاوز خسارة المواسم الزراعية. فالأشجار التي صمدت لعقود باتت مهددة بالاقتلاع والموت، فيما يخاطر أصحابها بحياتهم للوصول إليها. وبين أرقام الخسائر ووعود التعافي، يبرز سؤال جوهري: من يحمي الأرض ومن يضمن عودة أصحابها إليها أحياء؟
إعداد: فريق المسمار
شجرة ليست كغيرها
في جنوب لبنان، لا يحتاج الزيتون إلى من يشرح قيمته.
هناك أشجار زرعها الأجداد، وورثها الأبناء، واعتنى بها الأحفاد. أشجار تجاوز عمر بعضها عمر البيوت المحيطة بها، وشهدت مواسم وحروباً ونزوحاً وعودة.
لم تكن شجرة الزيتون مجرد مصدر للزيت أو الثمار. كانت جزءاً من اقتصاد الأسرة، ومن علاقتها بأرضها، ومن طقوس اجتماعية يتشارك فيها الأقارب والجيران أيام القطاف.
لكن الحرب غيّرت معنى الموسم.
فبدلاً من أن ينشغل المزارع بموعد نضوج الثمار وكمية الزيت التي سيحصل عليها، أصبح عليه أن يسأل أولاً إن كان يستطيع الوصول إلى أرضه، وإن كانت أشجاره ما زالت قائمة، وإن كانت التربة التي تغذيها آمنة.
وبين أشجار احترقت، وأخرى تضررت بفعل القصف، وبساتين حُرم أصحابها من العناية بها، لم تعد خسارة الزيتون مسألة زراعية عابرة.
إنها خسارة تتراكم ببطء، وقد تمتد آثارها إلى سنوات طويلة بعد توقف الحرب.
آلاف الهكتارات من الزيتون في دائرة الضرر
تكشف التقييمات الرسمية حجم الأثر الذي تركته الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع الزراعي في جنوب لبنان.
فبحسب تقرير لوزارة الزراعة اللبنانية صدر في أيار 2026، تأثرت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بينها نحو 6,600 هكتار من زراعات الزيتون.
وفي تقييم تراكمي لاحق للمجلس الوطني للبحوث العلمية، حتى آب 2026، قُدّرت مساحة بساتين الزيتون التي تحتاج إلى إعادة زراعة أو تأهيل بنحو 1,996 هكتاراً، مع أضرار مباشرة مقدّرة بحوالى 57.9 مليون دولار.
ولا يعني اختلاف الرقمين وجود تناقض بالضرورة، فالمساحة المتأثرة بالحرب ليست مرادفة للمساحة التي تستدعي إعادة الزراعة أو التأهيل. كما تختلف التقييمات في فتراتها الزمنية ومنهجياتها.
لكن وراء هذه الأرقام سؤالاً لا تجيب عنه الإحصاءات وحدها: كم شجرة زيتون فُقدت فعلياً، وكم شجرة يمكن إنقاذها، وكم سنة يحتاج أصحابها لاستعادة إنتاجهم السابق؟
فالهكتار الزراعي وحدة قياس مفيدة للمؤسسات، لكنه بالنسبة إلى المزارع قد يمثل عشرات الأشجار التي أمضى سنوات في تربيتها.
حين تموت شجرة زيتون… لا تنتهي الخسارة عند جذعها
لا يمكن تعويض شجرة زيتون معمّرة بمجرد غرس شتلة مكانها.
صحيح أن أشجار الزيتون تتميز بقدرتها على التكيف مع ظروف مناخية قاسية، وأن بعضها يستطيع التجدد بعد تعرض أجزائه الهوائية للتلف إذا بقي الجذر سليماً، لكن هذه القدرة ليست مطلقة.
فشدة الحريق، وعمق الضرر، وحالة الجذور، وطبيعة التربة، كلها عوامل تحدد إمكانية بقاء الشجرة وتعافيها.
وحتى عندما تنجح إعادة الزراعة، فإن الشتلة الجديدة تحتاج إلى سنوات قبل أن تدخل مرحلة الإنتاج التجاري، وقد تحتاج إلى فترة أطول لتصل إلى إنتاجية شجرة ناضجة.
وهنا تكمن إحدى الخسائر التي لا تظهر بوضوح في صور الدمار.
فالشجرة المفقودة ليست مجرد خشب وأغصان وثمار. إنها سنوات من النمو، ومواسم من العناية، واستثمار عائلي طويل الأمد لا يمكن استعادته فوراً بالمال.
وعندما يفقد المزارع عشرات الأشجار دفعة واحدة، فإنه لا يخسر موسم القطاف الحالي فحسب، بل جزءاً من دخله المستقبلي أيضاً.
موسم القطاف الذي غابت عنه العائلات

في الذاكرة الجنوبية، كان موسم الزيتون مناسبة تجمع أفراد العائلة حول الأرض.
يبدأ النهار باكراً، وتُفرش الشباك تحت الأشجار، وتُجمع الثمار قبل نقلها إلى المعاصر. وتتحول أيام القطاف إلى مساحة من العمل المشترك واللقاءات العائلية.
لكن هذا المشهد لم يعد متاحاً لجميع المزارعين.
فالنزوح، والمخاطر الأمنية، وتضرر الطرقات الزراعية، واحتمال وجود ذخائر غير منفجرة، كلها عوامل قد تمنع الوصول الآمن إلى البساتين.
حتى الأشجار التي لم تُصب مباشرة قد تتأثر عندما يتعذر تقليمها أو ريّها أو حمايتها من الآفات، أو عندما يتأخر قطاف ثمارها عن الموعد المناسب.
وقد يؤدي الإهمال القسري المتكرر إلى تراجع الإنتاج وجودة الثمار، خصوصاً في البساتين التي تحتاج إلى متابعة منتظمة.
وهكذا، يمكن للحرب أن تضرب شجرة الزيتون بطريقتين: أن تدمرها مباشرة، أو أن تفصل بينها وبين الإنسان الذي يعتني بها.
وفي الحالتين، تكون النتيجة تهديداً لاستمرارية الزراعة.
في فرون… ذهب إلى زيتونه ولم يعد

في الحادي عشر من تشرين الأول 2026، تحوّل موسم الزيتون في بلدة فرون الجنوبية إلى مأساة جديدة، بعدما فقد المهندس حسين علي رمضان حياته إثر انفجار جسم يُشتبه بأنه من مخلفات الحرب، أثناء وجوده في أرضه الزراعية.
وبحسب ما نشره موقع «يا صور»، كان رمضان يتفقّد أرضه وأشجار الزيتون عندما انفجر جسم غريب من مخلفات الحرب، ما أدى إلى وفاته.
لم تكن الحادثة مجرد واقعة أمنية منفصلة عن أزمة الزراعة في الجنوب. فقد وقعت في المكان الذي يفترض أن يشكّل مصدر رزق وأمان لصاحبه: بستان الزيتون.
وتكشف وفاة رمضان جانباً بالغ الخطورة من التداعيات المستمرة للحرب. فحتى الأشجار التي تنجو من القصف قد تصبح بعيدة عن متناول أصحابها، إذا كانت الأراضي المحيطة بها تحتوي على أجسام متفجرة أو مخلفات عسكرية لم تُزل بعد.
هكذا، لم يعد المزارع الجنوبي يواجه احتمال خسارة محصوله أو احتراق أشجاره فحسب، بل باتت عودته إلى الأرض نفسها قد تنطوي على خطر يهدد حياته.
وتطرح الحادثة أسئلة ملحّة بشأن سلامة الأراضي الزراعية: هل خضعت البساتين التي شهدت عمليات عسكرية لمسح شامل للكشف عن الذخائر غير المنفجرة؟ وهل يعرف أصحاب الأراضي أي المناطق آمنة للدخول وأيها ما زال يحتاج إلى عمليات كشف وإزالة؟ ومن يتحمل مسؤولية توفير هذه المعلومات قبل بدء موسم القطاف؟
إن إنقاذ الزيتون الجنوبي لا يبدأ بغرس أشجار جديدة فقط، بل بضمان قدرة المزارعين على الوصول إلى أشجارهم القائمة من دون أن تتحول رحلة القطاف إلى مخاطرة بالحياة.
وفي فرون، لم تنتهِ الحرب بالنسبة إلى المهندس حسين علي رمضان عند حدود القصف والدمار. فقد امتد خطر مخلفاتها، وفق الرواية المنشورة، إلى أرضه، في موسم كان يفترض أن يعود فيه لجني ثمار الزيتون.
وبين شجرة تنتظر من يقطف ثمارها، ومزارع يخشى الوصول إليها، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما قيمة إعادة تأهيل البساتين إذا لم تُؤمَّن أولاً حياة أصحابها؟
هل أصبح زيت الجنوب مهدداً بالتلوث؟

إلى جانب الدمار المادي، برزت مخاوف بيئية تتعلق بسلامة الأراضي الزراعية.
ففي شباط 2026، أعلنت وزارتا الزراعة والبيئة نتائج فحوص لعينات مرتبطة بحوادث رش جوي إسرائيلي في مناطق جنوبية، وأشارتا إلى رصد مادة الغليفوسات، وهي مبيد أعشاب، بتراكيز مرتفعة في بعض العينات مقارنة بالمستويات المرجعية المستخدمة في التقييم.
وهذه النتائج تثير تساؤلات مهمة بشأن تأثير المواد الكيميائية على أشجار الزيتون والتربة المحيطة بها.
فالتعرض لمبيدات الأعشاب قد يضر بالنباتات غير المستهدفة، تبعاً لنوع المادة وتركيزها وطريقة وصولها إلى الأوراق أو الجذور، والظروف البيئية المحيطة.
لكن ثمة تمييزاً علمياً ضرورياً: رصد الغليفوسات في عينات بيئية لا يثبت تلقائياً أن زيت الزيتون المنتج في المنطقة ملوث أو غير صالح للاستهلاك.
لإثبات ذلك، ينبغي إجراء فحوص مباشرة على الثمار والزيت، وفق معايير مخبرية معتمدة، ومقارنة النتائج بالحدود القانونية ذات الصلة.
كذلك، لا يمكن تعميم نتائج عينات مأخوذة من مواقع محددة على كامل بساتين الجنوب.
وهنا تظهر فجوة تستحق المتابعة الاستقصائية: هل خضعت ثمار الزيتون والزيوت المنتجة من المناطق المتضررة لفحوص مستقلة؟ وهل نُشرت نتائجها بشفافية؟ وهل توجد خريطة للمناطق التي تستدعي مراقبة بيئية إضافية؟
هذه الأسئلة أساسية لحماية المزارعين والمستهلكين معاً، ولتجنب تحويل المخاوف المشروعة إلى أحكام عامة قد تلحق ضرراً إضافياً بسمعة زيت الزيتون اللبناني.
شجرة الزيتون بين النار والمواد الكيميائية

يختلف الضرر الذي يصيب أشجار الزيتون باختلاف طبيعة الاعتداء.
فالقصف المباشر قد يؤدي إلى اقتلاع الأشجار أو تدمير جذوعها وأغصانها، بينما يمكن للحرائق أن تتلف الأجزاء الهوائية، وأن تؤثر في التربة والكائنات الدقيقة التي تسهم في خصوبتها.
أما التعرض لبعض المواد الكيميائية، فقد يؤدي إلى تلف الأوراق أو اضطراب نمو النبات، بحسب المادة ودرجة التعرض.
ولا يمكن تحديد حجم الضرر البيئي من المشاهدة وحدها.
فالشجرة التي تبدو سليمة من الخارج قد تكون تعرضت لإجهاد يؤثر في إنتاجها اللاحق، فيما قد تتمكن شجرة أخرى تبدو محترقة من إنتاج نموات جديدة إذا بقي جهازها الجذري حياً.
لذلك، تحتاج البساتين المتضررة إلى تقييم زراعي ميداني يحدد مصير كل مجموعة من الأشجار، بدلاً من اعتماد حل واحد لجميع الأراضي.
والفرق كبير بين شجرة تحتاج إلى تقليم علاجي ورعاية، وشجرة يجب استبدالها، وأرض تتطلب فحوصاً أو إجراءات معالجة قبل إعادة زراعتها.
من يعوّض عمر الزيتون؟
عندما تُقدّر الأضرار الزراعية بملايين الدولارات، يبرز سؤال حول الطريقة التي تُحتسب بها خسارة الأشجار المعمّرة.
هل تُقيّم الشجرة وفق كلفة استبدالها بشتلة جديدة؟ أم وفق عمرها وإنتاجيتها السابقة والدخل الذي كان يمكن أن توفره خلال السنوات المقبلة؟
هذا التفصيل ليس تقنياً فحسب، بل يمسّ عدالة التعويض.
فمزارع يمتلك بستاناً من الأشجار المنتجة منذ عقود لا يواجه الخسارة نفسها التي يواجهها صاحب أرض مزروعة حديثاً، حتى لو تساوت المساحتان المتضررتان.
ومن دون منهجية تعويض تراعي العمر والإنتاجية وكلفة إعادة التأهيل والدخل المفقود، قد لا تعكس المساعدات القيمة الاقتصادية الحقيقية لما خسره أصحاب البساتين.
كذلك، فإن تقديم شتول جديدة وحده لا يكفي.
فالمزارع يحتاج إلى تحضير الأرض، وتأمين المياه، وحماية الأشجار الصغيرة، والعناية بها خلال السنوات التي تسبق الإنتاج المجدي.
وهذا يستوجب برنامج دعم متعدد السنوات، لا مجرد حملة تشجير تنتهي بزراعة الشتلات والتقاط الصور.
إعادة التشجير ليست إعادة الحياة
تبدو حملات غرس أشجار الزيتون استجابة طبيعية للدمار الذي أصاب البساتين.
لكن إعادة التشجير، على أهميتها، لا تعني تلقائياً نجاح التعافي الزراعي.
فزراعة شتلات جديدة في أرض لم تُقيّم سلامتها، أو من دون ضمان مصادر المياه والرعاية والمتابعة، قد تؤدي إلى خسائر إضافية.
كما أن اختيار الأصناف الزراعية يجب أن يراعي الظروف المناخية وطبيعة التربة والاحتياجات المحلية، مع الحفاظ قدر الإمكان على الأصناف التي تشكل جزءاً من التراث الزراعي للمنطقة.
وتحتاج إعادة تأهيل الزيتون الجنوبي إلى خطة تتضمن حصر الأشجار المتضررة، وتقييم إمكانية إنقاذ الأشجار القائمة، وفحص التربة في المواقع المشتبه بتلوثها، وإعادة تأهيل شبكات الري والطرقات، وتأمين الدعم الفني والمالي للمزارعين.
والأهم من ذلك، ينبغي أن تتضمن الخطة آلية متابعة تقيس عدد الأشجار التي نجت ونمت وأثمرت، لا عدد الشتلات التي زُرعت فقط.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الأشجار في يوم الغرس، بل بقدرتها على الاستمرار والإنتاج بعد سنوات.
هل يخسر الجنوب أشجاره أم يخسر مزارعيه أيضاً؟
لا يمكن فصل مصير الزيتون عن مصير سكان القرى الجنوبية.
فاستمرار تضرر البساتين وتعطّل المواسم قد يدفع بعض العائلات إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، أو إلى التخلي تدريجياً عن الزراعة.
وهذا الاحتمال يحمل تداعيات تتجاوز الاقتصاد الفردي.
فكل بستان يُهجر لسنوات يصبح أكثر عرضة للإهمال، وكل مزارع يبتعد عن أرضه يفقد جزءاً من المعرفة العملية المتراكمة التي تنتقل عادة بين الأجيال.
ومع مرور الوقت، قد تتحول خسارة الأشجار إلى تراجع أوسع في المشهد الزراعي والاجتماعي للجنوب.
ولا يعني ذلك أن هذا التحول بات حتمياً، لكنه خطر يستوجب التعامل معه قبل أن تصبح العودة إلى الزراعة أكثر صعوبة وكلفة.
لذلك، فإن حماية الزيتون لا تقتصر على حماية الأشجار من الدمار، بل تشمل تمكين أصحابها من البقاء في قراهم، والوصول الآمن إلى أراضيهم، واستعادة قدرتهم على الإنتاج.
من يحمي زيتون الجنوب؟

أمام حجم الأضرار والمخاوف البيئية، تصبح المسؤولية موزعة على مستويات متعددة.
تتحمل إسرائيل المسؤولية القانونية عن الأفعال المنسوبة إلى قواتها متى ثبتت الوقائع وتوافرت شروط المسؤولية بموجب القانون الدولي، فيما تقع على عاتق المؤسسات اللبنانية مسؤولية تقييم الأضرار، وحماية السكان، وإعلان نتائج الفحوص، ووضع برامج تعافٍ قابلة للتنفيذ.
لكن المسؤولية لا تنتهي عند البيانات الرسمية.
فالشفافية تستوجب معرفة عدد الأشجار التي جرى توثيق تضررها، ومساحات البساتين التي فُحصت، وحجم الأموال التي صُرفت فعلياً لإعادة التأهيل، والمعايير التي اعتمدت في اختيار المستفيدين.
كما تستوجب إتاحة المعلومات البيئية للمزارعين بصورة واضحة، بعيداً عن التهويل أو التطمين غير المستند إلى أدلة.
وتضيف حادثة المهندس حسين علي رمضان بُعداً أكثر إلحاحاً إلى هذه المسؤولية: فقبل الحديث عن إعادة الإنتاج، ينبغي تحديد الأراضي التي خضعت للمسح الأمني، وتلك التي ما زالت تنطوي على خطر الذخائر غير المنفجرة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: هل توجد خطة وطنية مستقلة ومعلنة لإنقاذ بساتين الزيتون في الجنوب وتأمين وصول أصحابها إليها، أم أن الاستجابة ما زالت موزعة بين مشاريع ومساعدات متفرقة؟
الإجابة لا تكمن في إعلان النيات، بل في نتائج قابلة للقياس والتحقق.
الزيتون الذي يختصر حكاية الجنوب
يمكن إعادة بناء جدار تهدّم، وترميم منزل تضرر، وفتح طريق أغلقته الحرب.
لكن شجرة الزيتون التي استغرقت عقوداً لتنمو لا يمكن استعادتها في موسم واحد.
قد تنجح شتلة جديدة في تعويض مكانها، لكنها لن تعيد السنوات التي احتاجتها الشجرة القديمة لتكبر، ولا المواسم التي عاشتها العائلة حولها.
ولعل ما حدث في فرون يلخّص المأساة بصورة أكثر قسوة. فحين تصبح زيارة بستان الزيتون رحلة قد لا يعود منها صاحبه، تتجاوز الحرب حدود الخسائر المادية إلى تهديد العلاقة الأساسية بين الإنسان وأرضه.
لهذا، فإن ما جرى لبساتين الجنوب لا يمكن اختزاله في أرقام الهكتارات أو قيمة الخسائر بالدولار.
إنه دمار أصاب مورداً اقتصادياً وبيئياً وثقافياً يرتبط بحياة السكان واستمراريتهم في أرضهم.
وبين الأشجار التي سقطت وتلك التي ما زالت تنتظر عودة أصحابها، يبقى مستقبل الزيتون الجنوبي مرتبطاً بقدرة المؤسسات على الانتقال من إحصاء الخسائر إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتعويض ما فُقد، وضمان سلامة الأرض والإنتاج.
فالحرب قد تقتلع شجرة زيتون في لحظة، لكن إعادة إنبات الحياة حولها قد تحتاج إلى جيل كامل.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس فقط كم شجرة زيتون خسر الجنوب، بل كم شجرة يمكن إنقاذها، وكم مزارعاً يستطيع العودة إليها بأمان، قبل أن تتحول البساتين المهجورة إلى شاهد آخر على حرب لم تنتهِ آثارها بانتهاء القصف.


