عاد ملف الهوية الجندرية داخل المدارس الأميركية إلى الواجهة مجدداً، بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي حذّر فيها المؤسسات التعليمية من تشجيع الأطفال على الاعتقاد بأنهم وُلدوا في “الجسد الخطأ”، معتبراً أن مثل هذه الممارسات تتجاوز دور المدرسة وتتدخل في قضايا يجب أن تكون من اختصاص الأسرة.
وخلال فعالية أقيمت في حديقة البيت الأبيض بمناسبة العودة إلى المدارس، أكد ترمب أن إدارته تسعى إلى إبعاد ما وصفه بـ”التطرف اليساري” عن الفصول الدراسية، وإعادة دور الوالدين في القرارات المتعلقة بتربية أبنائهم، مع التركيز على المناهج الأكاديمية وجودة التعليم.
سياسة مستمرة منذ بداية الولاية
رغم تداول تصريحات ترمب باعتبارها خطوة جديدة، فإنها تأتي في إطار سياسة بدأت إدارته تنفيذها منذ مطلع عام 2025، ولا ترتبط بإصدار قانون جديد أو أمر تنفيذي جديد في هذه المناسبة.
وتستند الإدارة الأميركية إلى رؤية تعتبر أن الآباء هم المسؤولون الأساسيون عن القرارات المتعلقة بالهوية النفسية والاجتماعية لأطفالهم، وأن المدرسة لا ينبغي أن تتخذ إجراءات حساسة بعيداً عن معرفة الأسرة.
الخلاف حول “الانتقال الاجتماعي” داخل المدارس
يركز الجدل بشكل خاص على ما يعرف بـ”الانتقال الاجتماعي” للطلاب، والذي قد يشمل استخدام اسم أو ضمائر مختلفة داخل المدرسة، أو السماح للطالب بالتعريف عن نفسه بهوية جندرية لا تتوافق مع جنسه البيولوجي، إضافة إلى استخدام بعض المرافق أو المشاركة في الأنشطة الرياضية وفق هذه الهوية.
وترى إدارة ترمب أن اتخاذ هذه الخطوات من دون علم الوالدين يمثل تدخلاً في قرارات تتعلق بصحة الطفل النفسية والجسدية، خصوصاً في المراحل العمرية الصغيرة.
في المقابل، يرى المدافعون عن حقوق الطلاب المتحولين جندرياً أن توفير بيئة مدرسية داعمة يساعد بعض الأطفال على الشعور بالأمان والانتماء، وأن منع هذا الدعم قد يزيد من الضغوط النفسية التي يواجهونها.
الأساس القانوني لموقف الإدارة
يعتمد موقف ترمب على أوامر تنفيذية صدرت عام 2025، من بينها أمر يهدف إلى منع استخدام التمويل الاتحادي لدعم ما تصفه الإدارة بـ”أيديولوجية النوع الاجتماعي” داخل مدارس التعليم الأساسي والثانوي.
كما وجهت الإدارة وزارات التعليم والعدل والصحة والخدمات الإنسانية إلى مراجعة السياسات التعليمية المتعلقة بهذه القضايا، واتخاذ الإجراءات القانونية عند وجود مخالفات محتملة.
ولا يعني ذلك أن هذه الممارسات أصبحت تلقائياً جرائم اتحادية، بل يسمح للإدارة بمراجعة سياسات المدارس ومدى توافقها مع القوانين الفدرالية القائمة.
حقوق الوالدين في مواجهة سياسات المدارس
استندت إدارة ترمب أيضاً إلى قانون الخصوصية والحقوق التعليمية للأسرة (FERPA)، الذي يمنح الوالدين حقوقاً واسعة في الاطلاع على السجلات التعليمية لأبنائهم.
وترى وزارة التعليم الأميركية أن هذه الحقوق تشمل المعلومات المتعلقة بالهوية الجندرية للطالب، وأن المدارس لا يجوز لها إخفاء تغييرات مثل استخدام أسماء أو ضمائر مختلفة عن الأسرة.
وقد فتحت الوزارة تحقيقات مع عدد من المناطق التعليمية في ولايات مختلفة، بسبب اتهامات تتعلق بعدم إبلاغ الوالدين بهذه التغييرات أو بالسماح باستخدام مرافق وأنشطة مدرسية وفق الهوية الجندرية للطالب.
ماذا تواجه المدارس المخالفة؟
لا تؤدي تصريحات الرئيس الأميركي مباشرة إلى فرض عقوبات على المدارس، إذ تبدأ الإجراءات عادة بتحقيق إداري تقوم خلاله وزارة التعليم بمراجعة السياسات والوثائق والمراسلات المتعلقة بالشكوى.
وفي حال إثبات وجود مخالفة، قد تُمنح المنطقة التعليمية فرصة لتعديل سياساتها، أما في حال عدم التعاون فقد تواجه إجراءات قانونية أو خطر فقدان بعض أشكال التمويل الاتحادي.
قضية تعكس الانقسام الأميركي الأوسع
يكشف الجدل حول الهوية الجندرية في المدارس عن انقسام أوسع داخل المجتمع الأميركي بين تيارين؛ أحدهما يركز على أولوية دور الأسرة وحقها في اتخاذ القرارات المتعلقة بأطفالها، والآخر يشدد على ضرورة حماية الطلاب من التمييز وتوفير بيئة تعليمية آمنة لهم.
ومع استمرار المواجهة السياسية والقانونية، يبقى ملف الهوية الجندرية من أكثر القضايا حساسية في التعليم الأميركي، حيث تتقاطع فيه اعتبارات الأسرة، والحقوق الفردية، وسياسات المؤسسات التعليمية.





