لم يكن اللقاء الذي جمع عائلات 11 صحفياً قُتلوا أثناء تغطية الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان مناسبة تأبينية تقليدية، بقدر ما تحوّل إلى منصة للمطالبة بالعدالة وفتح مسار قانوني دولي لمحاسبة المسؤولين عن مقتلهم.
وفي المسرح الوطني اللبناني، اجتمعت عائلات الضحايا وزملاؤهم وممثلون عن الجسم الإعلامي، وسط صور للصحفيين بملامحهم التي عرفها الجمهور في الميدان، وستراتهم الصحفية وكاميراتهم وميكروفوناتهم، فيما استعاد عرض مسرحي لحظات من القصف والاستهداف والفقد التي رافقت عمل الإعلاميين خلال الحرب.
الفعالية حملت رسالة تتجاوز استذكار الراحلين، إذ شددت العائلات والمشاركون على ضرورة تحويل مقتل الصحفيين إلى ملف موثّق يمكن متابعته أمام الجهات القضائية والمنظمات الدولية المختصة، مؤكدين أن التكريم، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن المساءلة.
من الذاكرة إلى ملف قضائي
بالنسبة إلى عائلات الصحفيين، لا تتوقف القضية عند سرد قصص أبنائهم أو استعادة اللحظات الأخيرة من حياتهم، بل تبدأ من توثيق ظروف مقتلهم وجمع الأدلة والشهادات المتعلقة بكل حالة.
وأكد متحدثون خلال الفعالية أن الصحفيين كانوا يؤدون مهامهم المهنية في الميدان، وأن أدواتهم لم تكن سوى الكاميرا والميكروفون والسترة الصحفية، معتبرين أن طبيعة عملهم وهويتهم المهنية يجب أن تكونا في صلب أي تحقيق قانوني في ملابسات استهدافهم.
وقال أحد المشاركين إن الصحفيين دفعوا حياتهم ثمناً لنقل الصورة والحقيقة من مناطق الخطر والدمار، مشدداً على أن الوفاء لهم يقتضي عدم الاكتفاء بإحياء ذكراهم، بل متابعة القضية حتى الوصول إلى مسار قضائي يضمن التحقيق والمحاسبة.
وتحدث مشاركون عن الصحفية آمال خليل، مستذكرين تعلقها بالمهنة وحضورها الدائم في الميدان لنقل ما يجري، ومؤكدين أنها لم تحمل سلاحاً، بل كان الميكروفون أداتها الأساسية في أداء رسالتها الصحفية.
كما استُعيدت سيرة المصور الصحفي حسين حمود، المعروف لدى زملائه بـ”حمودي”، بوصفه واحداً من العاملين خلف الكاميرا الذين لا يراهم الجمهور عادة، رغم الدور الأساسي الذي يؤدونه في نقل الأحداث من مواقعها.
مطالبة باللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية
وخلال الفعالية، دعت متحدثة باسم عائلات الصحفيين إلى العمل على بناء ملف قانوني متكامل يمكن الاستناد إليه في مساعٍ للمحاسبة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو الجهات الدولية المختصة.
وأوضحت أن العائلات تعمل على جمع الأدلة والشهادات وتوثيق تفاصيل الحوادث التي أودت بحياة الصحفيين، في محاولة لإثبات الظروف التي وقع فيها الاستهداف وتفنيد الروايات المتعارضة بشأنها.
وبحسب العائلات، فإن الهدف من هذا التوثيق هو إثبات أن الضحايا كانوا صحفيين يعملون في الميدان أثناء تعرضهم للهجمات، وتوفير مادة قانونية يمكن أن تستخدم مستقبلاً في أي تحقيق أو شكوى دولية.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة بالنسبة إلى ذوي الضحايا، الذين يرون أن غياب آليات محاسبة فعّالة على المستوى المحلي يجعل التحرك عبر المؤسسات والهيئات الدولية أحد الخيارات الرئيسية المتاحة أمامهم.
المسرح يستعيد لحظات الفقد
إلى جانب الكلمات والشهادات، لعب العرض المسرحي دوراً أساسياً في نقل الجانب الإنساني من القضية.
فقد قدّم الفنانون مشاهد رمزية عن القصف والسقوط والصمود، في محاولة لإعادة بناء بعض اللحظات التي عاشها الصحفيون وعائلاتهم خلال الحرب.
ومن أكثر المشاهد تأثيراً في القاعة، صوت طفلة تنادي والدها من تحت الأنقاض وتسأل عمن يستطيع الرد عليها، قبل أن يتبعه دوي انفجار، في مشهد استحضر حجم الصدمة التي خلّفها فقدان الصحفيين لدى أطفالهم وعائلاتهم.
هذا المزج بين الصورة والمسرح والشهادة منح الفعالية بعداً يتجاوز اللغة القانونية والسياسية، وأعاد تقديم الضحايا كأشخاص تركوا خلفهم عائلات وذكريات وحياة توقفت أثناء أداء مهمة مهنية.
نقابة المحررين: المطلوب تحرك أكثر جدية
من جهته، قال ممثل عن نقابة المحررين اللبنانية إن استهداف الصحفيين خلال الحروب في لبنان والأراضي الفلسطينية يتطلب تحركاً أوسع على المستويين اللبناني والعربي.
وأشار إلى أن النقابة تعمل من خلال القنوات الرسمية والاتحادات والهيئات الصحفية من أجل توحيد الجهود المتعلقة بمتابعة ملفات الصحفيين الذين قُتلوا أثناء عملهم.
ودعا إلى تقديم دعم قانوني ومؤسساتي أكبر لعائلات الضحايا لمساعدتها في إعداد الشكاوى والملفات اللازمة أمام المنظمات الدولية، معتبراً أن مقتل الصحفيين أثناء تغطيتهم الميدانية يجب ألا يبقى محصوراً في إطار المناسبات التكريمية.
وبالنسبة إلى المشاركين، فإن القضية ترتبط أيضاً بالدفاع عن حرية العمل الصحفي وعن الحماية التي يفترض أن يتمتع بها الصحفيون والمدنيون بموجب القانون الدولي الإنساني خلال النزاعات المسلحة.
“لن تتوقف الرسالة”
صحفيون ميدانيون شاركوا في المناسبة أكدوا بدورهم أن مقتل زملائهم لم يدفعهم إلى الانسحاب من الميدان، بل حمّلهم مسؤولية إضافية لمواصلة العمل الذي بدأه الراحلون.
واستعاد أحد الصحفيين أسماء عدد من زملائه، بينهم آمال وعصام وفرح وربيع، مؤكداً أن الرسالة التي كانوا يحملونها أصبحت مسؤولية تقع على عاتق من بقي من الصحفيين في الميدان.
وقال إن مواصلة التغطية، رغم المخاطر، ليست مجرد خيار مهني، بل تعبير عن الإصرار على نقل ما يحدث وعدم السماح للخوف بأن يمنع وصول الصورة والمعلومة إلى الجمهور.
وهكذا، تحوّلت المناسبة من لحظة حزن إلى إعلان تمسك بالدور الذي يؤديه الصحفيون في مناطق النزاع، ورسالة مفادها أن مقتل العاملين في الإعلام لا ينبغي أن يؤدي إلى إسكات التغطية أو إنهاء المطالبة بكشف الحقيقة.
من التكريم إلى العدالة
في ختام الفعالية، صعدت عائلات الصحفيين الـ11 إلى خشبة المسرح وهي تحمل صور أبنائها ودروع التكريم، وسط تصفيق الحاضرين، بينما أدت الفرقة المسرحية نشيد “راجعين”.
لكن المشهد الختامي لم يكن نهاية القضية بالنسبة إلى العائلات.
فبين الصور المرفوعة على المسرح والملفات التي يجري إعدادها بعيداً عن الأضواء، تحاول العائلات نقل قضية أبنائها من الذاكرة الجماعية إلى مسار قانوني يمكن أن يحدد المسؤوليات ويختبر قدرة المؤسسات الدولية على توفير العدالة للصحفيين الذين قُتلوا أثناء أداء عملهم.
وبالنسبة إليهم، لم يعد السؤال يتعلق فقط بكيفية تخليد أسماء الضحايا، بل بما إذا كان توثيق ما حدث سيتحول في النهاية إلى تحقيق ومحاسبة، وما إذا كانت حماية الصحفيين في مناطق النزاع ستبقى مبدأ نظرياً أم تصبح التزاماً قابلاً للتطبيق.
وبين مطلب العدالة وإصرار زملائهم على مواصلة العمل، تبقى الرسالة التي حملها الصحفيون في جنوب لبنان حاضرة: نقل ما يحدث من الميدان، مهما كانت كلفته، وعدم السماح بأن تنتهي قصص من فقدوا حياتهم عند حدود الرثاء.





