مع اقتراب انطلاق العام الدراسي 2026-2027، يعود ملف التعليم في جنوب لبنان إلى الواجهة، في ظل ظروف استثنائية فرضتها سنوات من الأزمات والاضطرابات الأمنية التي أثّرت بشكل مباشر في المدارس والأساتذة والطلاب. وبين الرغبة في العودة إلى حياة دراسية طبيعية والواقع الصعب على الأرض، يحمل العام الجديد معه الكثير من التحديات، لكنه يحمل أيضاً أملاً باستعادة المدرسة دورها الأساسي في حياة أبناء الجنوب.
وقد كشفت دراسة شاملة أجرتها وزارة التربية والتعليم العالي في حزيران 2026، بدعم تقني من منظمة اليونيسف، أن 340 مدرسة رسمية وخاصة ومهنية في لبنان تعرضت لأضرار، بينها 17 مدرسة دُمّرت بالكامل. وتشمل المناطق المتضررة محافظتي الجنوب والنبطية إلى جانب مناطق لبنانية أخرى. كما حذرت اليونيسف من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل في لبنان قد يواجهون خطر بدء العام الدراسي الجديد من دون صفوف جاهزة لاستقبالهم إذا لم تُنجز أعمال الترميم والإصلاح اللازمة.
وتبرز صعوبة الوضع بشكل أكبر في القرى والبلدات الجنوبية التي عاشت فترات طويلة من التوتر والنزوح وعدم الاستقرار. فالعودة إلى المدرسة بالنسبة إلى كثير من الطلاب لا تعني فقط استئناف الدروس، بل تعني أيضاً العودة إلى مساحة تمنحهم شعوراً بالأمان والاستقرار بعد مرحلة قاسية من حياتهم.
وفي محاولة لدعم استمرارية التعليم، زارت وزارة التربية والتعليم العالي بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي واليونيسف مدارس في جنوب لبنان في شباط 2026، وتم الإعلان عن دعم إضافي بقيمة 570 ألف دولار يستفيد منه 37 مدرسة متأثرة بالنزاع في الجنوب، إضافة إلى نحو 13.8 مليون دولار كانت قد خُصصت لدعم التعليم النظامي وغير النظامي في منطقتي الجنوب والنبطية خلال العام الدراسي 2025-2026. كما شملت المساعدات توزيع كتب وأجهزة رقمية وتجهيزات تعليمية على عشرات المدارس، ووصلت إلى أكثر من 44 ألف طالب.
لكن إعادة بناء التعليم في الجنوب لا تقتصر على إصلاح الأبنية المتضررة. فالطلاب يحتاجون أيضاً إلى دعم نفسي وتربوي يساعدهم على تجاوز آثار الخوف والانقطاع عن الدراسة، فيما يحتاج المعلمون إلى ظروف عمل مستقرة تتيح لهم القيام بدورهم بصورة طبيعية. كذلك تبرز أهمية توفير وسائل النقل والكتب والتجهيزات الإلكترونية وضمان قدرة العائلات، ولا سيما الأكثر تضرراً اقتصادياً، على إبقاء أطفالها في المدارس.
ويطرح العام الدراسي الجديد تحدياً إضافياً يتعلق بتعويض الفاقد التعليمي الناتج عن فترات الانقطاع المتكررة. لذلك، قد يكون من الضروري التركيز على برامج الدعم الأكاديمي والدروس التعويضية، إلى جانب الاستفادة من التعليم الرقمي والتعليم المدمج كحلول مساندة عندما يصعب الحضور إلى المدارس.
ورغم كل هذه الصعوبات، يبقى التعليم في جنوب لبنان واحداً من أهم أشكال الصمود. فإعادة فتح مدرسة متضررة، أو عودة طالب إلى مقعده، ليست مجرد عودة إلى الدروس والكتب، بل خطوة نحو إعادة الحياة إلى المجتمع بأكمله.
ومع بداية العام الدراسي 2026-2027، ستكون المسؤولية مشتركة بين الدولة ووزارة التربية والمدارس والأهالي والجهات الداعمة. فمستقبل الجنوب لا يُبنى فقط بإعادة إعمار المنازل والطرقات، بل أيضاً بإعادة إعمار المدارس وحماية حق الأطفال في التعلم.
وفي منطقة دفعت أثماناً كبيرة خلال السنوات الماضية، تبقى المدرسة واحدة من أقوى الرسائل التي يمكن أن يوجهها الجنوب: أن الحياة تستمر، وأن الأمل يبدأ من مقعد دراسي وكتاب وطفل يملك فرصة حقيقية لبناء مستقبله.





