تحرّكٌ من ميشيغن لحماية مدافن عائلية يفتح ملف الأولويات داخل الاغتراب اللبناني: حقّ مشروع في صون المقابر أم محاولة لانتزاع استثناء خاص وسط دمار مدينة كاملة؟
في إحدى قاعات المركز الثقافي لمدينة بنت جبيل في ديربورن بولاية ميشيغن، عُلّقت صور منازل ومتاجر سُوّيت بالأرض في جنوب لبنان. وقف لبنانيون أميركيون أمام الصور، يروون للصحافيين قصص أملاكهم وأحياء طفولتهم وأقاربهم الذين تضرروا من العمليات العسكرية الإسرائيلية.
لم يكن اللقاء مجرد مناسبة تضامنية. فقد طلب منظّموه من المتضررين جمع الصور والمستندات وسندات الملكية، في محاولة لتحويل الخسارة الفردية إلى ملف قانوني وسياسي داخل الولايات المتحدة. وأُعلن، بالتوازي، عن تحرّك قضائي باسم مواطنين أميركيين خسروا منازل أو أراضي في لبنان، يستهدف مساءلة وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين عن الدعم العسكري المقدّم إلى إسرائيل. وتبقى هذه المزاعم القانونية، بطبيعة الحال، خاضعة لما ستقرّره المحاكم ولم تثبت قضائياً بعد.
لكن خلف هذا المشهد الجماعي، بدأت تتداول داخل الجالية رواية مختلفة وأكثر حساسية.
طلبٌ لحماية المقابر
بحسب معلومات نشرتها صحيفة «الأخبار»، أجرى شخصان من عائلة بيضون جولة على مسؤولين في الإدارة الأميركية، طالبا خلالها بالضغط على الحكومة الإسرائيلية لعدم تنفيذ عمليات تفجير أو تجريف في مقابر بنت جبيل، حيث توجد مدافن تعود إلى عائلتهما.
لا تكشف الرواية المنشورة اسمي الشخصين، ولا صفتيهما، ولا تاريخ الاجتماعات، ولا أسماء المسؤولين الأميركيين الذين التقياهم. كما لا تحدّد ما إذا كان الطلب قد تناول حماية جميع مقابر المدينة، أم اقتصر فعلياً على قبور مرتبطة بالعائلة.
كذلك، لا تتوافر في العلن مذكرة مكتوبة، أو مراسلات رسمية، أو محضر اجتماع يسمح بالتحقق المستقل من مضمون الطلب.
وهذه ليست تفاصيل ثانوية. فالفرق جوهري بين تحرّك يطالب بحماية مقابر مدينة بكاملها، باعتبارها جزءاً من ذاكرتها الدينية والاجتماعية، وبين مسعى للحصول على استثناء يحمي مدافن عائلة محددة فيما تتعرض ممتلكات بقية السكان للتدمير.
من دون الأجوبة والوثائق، تبقى الرواية مؤشراً يستحق التحقيق، لا واقعة مكتملة يجوز بناء اتهامات شخصية عليها.
المقابر ليست قضية هامشية
قد يبدو التركيز على المقابر، أمام حجم الخسائر البشرية والعمرانية، تراجعاً عن الأولويات الكبرى. لكن حماية القبور ليست مطلباً عاطفياً أو عائلياً فحسب.
القانون الدولي الإنساني يفرض احترام الموتى، ويشدد على وجوب صون مواقع الدفن والمحافظة عليها ووضع العلامات التي تسمح بالتعرف إليها. كما تنص قواعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على دفن الموتى بصورة لائقة واحترام قبورهم وعدم العبث بها.
وتُظهر شهادات من بلدات جنوبية أن استهداف المقابر أو تضررها لم يعد احتمالاً نظرياً. فقد تعرضت مقابر وشواهد قبور في عدد من القرى لأضرار نتيجة الغارات والانفجارات، فيما عبّر سكان عن خوفهم من فقدان المكان الأخير الذي يربطهم بأفراد عائلاتهم الذين قضوا في الحرب.
من هنا، لا يصح وضع حماية المقابر في مواجهة حماية البشر والمنازل، كأن الدفاع عن أحدهما يلغي الآخر. المقبرة جزء من النسيج المدني والذاكرة الجماعية، والاعتداء عليها يمكن أن يكون امتداداً لمحو المكان وتاريخه.
غير أن السؤال الحقيقي هو: لمن تُطلب الحماية، وبأي صفة، وضمن أي مشروع سياسي وقانوني؟
إذا كان التحرك يطالب بحماية كل المقابر والمواقع الدينية والمدنية، فهو جزء مشروع من المطالبة بحماية المدينة. أما إذا كان يسعى إلى إنقاذ قبور عائلة بعينها عبر اتصالات شخصية، من دون المطالبة بوقف تدمير المدينة ومحاسبة المسؤولين عنه، فإن القضية تتحول من الدفاع عن حق عام إلى محاولة انتزاع امتياز خاص.
مدينة أكبر من مدافن عائلة
لا يمكن عزل الجدل عن حجم ما أصاب بنت جبيل والقرى المحيطة بها.
أظهر تحقيق بصري اعتمد صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع مصوّرة مفتوحة المصدر تدمير أكثر من 1500 مبنى في بنت جبيل حتى أواخر نيسان 2026، إضافة إلى تدمير المسجد الكبير التاريخي في المدينة. كما تحدثت تقارير لاحقة عن آلاف الوحدات السكنية المدمرة في بنت جبيل والخيام، وعن نسب دمار قاربت الشمول في عدد من البلدات الحدودية.
وخلف الأرقام، توجد ملكيات موزعة بين مقيمين في لبنان ومغتربين في الولايات المتحدة وأفريقيا وأميركا اللاتينية. فالمنزل الجنوبي، بالنسبة إلى كثير من المهاجرين، ليس استثماراً عقارياً فقط؛ إنه عنوان العودة ومكان اجتماع العائلة ودليل مادي على استمرار الصلة بالبلدة.
ولهذا بدأت في ميشيغن عملية لجمع إفادات اللبنانيين الأميركيين ووثائق أملاكهم المتضررة. وفي أيار 2026، استضاف مركز بنت جبيل الثقافي في ديربورن لقاءً عرض خلاله أبناء الجالية صور المنازل والمتاجر المدمرة، ودعا المشاركون إلى نقل الملف من دائرة التعاطف إلى التوثيق والمساءلة.
هذه الوقائع تناقض أي انطباع بأن الجالية اللبنانية تخلّت، بصورة جماعية، عن ملاحقة ملف المنازل والبنى التحتية لمصلحة المقابر. الأدق أن داخل الجالية مسارات متعددة: مسار قانوني يسعى إلى مساءلة مؤسسات أميركية، ومسار إعلامي يوثّق الخسائر، واتصالات سياسية قد يكون بعضها جماعياً وبعضها الآخر فردياً أو عائلياً.
انقسام أم اختلاف في أدوات الضغط؟
تضم الجالية اللبنانية في ميشيغن منتخبين محليين ورجال أعمال ومحامين وناشطين ومؤسسات دينية واجتماعية. ولا تتحرك هذه الجهات بالضرورة وفق قيادة موحدة أو استراتيجية واحدة.
بعضها يرى أن الأولوية هي وقف العمليات العسكرية وحماية المدنيين وما تبقى من القرى. وبعضها يركز على تعويض المواطنين الأميركيين عن أملاكهم. وآخرون يعملون على حفظ المواقع الدينية والمقابر أو استعادة جثامين ومفقودين.
هذا التعدد ليس دليلاً تلقائياً على الانقسام. لكنه يتحول إلى مشكلة عندما تستخدم العلاقات السياسية لحماية مصالح محددة، بينما يُقدَّم ذلك إلى المسؤولين الأميركيين على أنه يعكس مطالب الجالية أو أهالي المدينة بأكملهم.
كما أن إثارة الشبهة بسبب انتماء شخصين إلى عائلة واسعة مثل عائلة بيضون لا تكفي وحدها لإثبات المحاباة. المطلوب تحديد صفة الشخصين ومصالحهما المباشرة وطبيعة تفويضهما، لا الاكتفاء بالاسم العائلي.
سبعة أسئلة تحتاج إلى إجابات
لا يكتمل التحقيق قبل الإجابة عن الأسئلة الآتية:
أولاً: من هما الشخصان اللذان أجريا اللقاءات، وهل تحركا بصفتهما الشخصية أم ممثلين عن مؤسسة أو جهة منتخبة؟
ثانياً: من هم المسؤولون الأميركيون الذين التقياهم، ومتى وأين عُقدت الاجتماعات؟
ثالثاً: هل قُدّم طلب مكتوب؟ وما الصيغة الدقيقة المستخدمة فيه؟
رابعاً: هل شمل الطلب جميع مقابر بنت جبيل، أم حدد مواقع أو أقساماً تضم قبوراً تابعة لعائلة معينة؟
خامساً: هل طُرحت خلال الاجتماعات قضية تدمير المنازل والمؤسسات والبنى التحتية، أم اقتصر النقاش على المدافن؟
سادساً: هل نُسّق التحرك مع بلدية بنت جبيل أو السفارة اللبنانية أو الجمعيات الحقوقية الناشطة في ميشيغن؟
سابعاً: ما ردّ الإدارة الأميركية، وهل نقلت الطلب إلى الجانب الإسرائيلي أو تلقت منه أي التزام؟
ويفترض، قبل النشر النهائي، توجيه هذه الأسئلة مباشرة إلى الشخصين المعنيين، وإلى بلدية بنت جبيل والمركز الثقافي والجمعيات الحقوقية اللبنانية الأميركية. كما ينبغي منح الجهات المعنية وقتاً معقولاً للرد، ونشر إجاباتها كاملة أو تلخيصها بدقة.
معركة على تعريف المصلحة العامة
لا تكمن القضية في المفاضلة بين الأحياء والموتى، ولا بين البيوت والمقابر. فحماية السكان والممتلكات ومواقع الدفن أجزاء من حق واحد: حق أبناء المدينة في ألا تُمحى حياتهم وذاكرتهم من المكان.
لكن الجدل في ميشيغن يكشف خطراً آخر: أن تتحول القدرة على الوصول إلى المسؤولين الأميركيين إلى وسيلة لحماية من يملك العلاقات الأقوى، بدلاً من بناء ملف شامل يمثل جميع المتضررين.
المعيار ليس ما إذا كانت المقابر تستحق الحماية؛ فهي تستحقها قانونياً وأخلاقياً. المعيار هو ما إذا كان التحرك قد طالب بحمايتها بوصفها تراثاً جماعياً وحقاً عاماً، أم بوصفها مصلحة خاصة لعائلة نافذة.
بين الاحتمالين، تقع مسؤولية الصحافة: البحث عن الوثيقة، وتحديد الأسماء والصفات، والاستماع إلى الردود، ومنع رواية غير مكتملة من التحول إلى إدانة، أو منع النفوذ من تحويل مأساة مدينة كاملة إلى قائمة استثناءات عائلية.




