يُفترض أن يشكّل أي قانون جديد للإعلام في لبنان خطوة إلى الأمام في بلد لطالما اعتُبرت فيه حرية الصحافة والتعبير جزءاً أساسياً من الحياة العامة. غير أن اقتراح قانون الإعلام المطروح يثير نقاشاً واسعاً بين من يرى فيه فرصة لتحديث التشريعات الإعلامية، ومن يحذّر من أن بعض مواده قد تحوّل الإصلاح المنشود إلى أداة جديدة لتقييد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.
فالاقتراح يتضمن بالفعل مجموعة من الخطوات التي يمكن اعتبارها متقدمة، من بينها الحد من بعض الملاحقات الجزائية في قضايا القدح والذم، وفتح المجال أمام إنشاء المؤسسات الإعلامية بعيداً عن الاحتكارات التقليدية، إضافة إلى توسيع إمكانات العمل النقابي. إلا أن هذه الإيجابيات لا تلغي وجود مواد تثير مخاوف جدية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعقوبات السجنية والمالية، وبالصلاحيات الممنوحة للهيئة الوطنية للإعلام وآلية تشكيلها.
«الأخبار الكاذبة» وإشكالية العودة إلى عقوبة السجن
أبرز نقاط الاعتراض تتعلق بالنصوص التي تجرّم ما يُسمى «اختلاق الأضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية». فالمشكلة الأساسية هنا لا تكمن فقط في وجود العقوبة، بل في غياب تعريف شديد الدقة لما يمكن اعتباره خبراً كاذباً أو مؤذياً.
في العمل الصحافي، يمكن أن تقع أخطاء في المعلومات، كما يمكن أن تتناقض الروايات والمصادر، أو تختلف التقديرات بشأن قضية عامة. وإذا بقيت المصطلحات القانونية فضفاضة، يصبح من الممكن استخدامها ضد صحافي أو مؤسسة إعلامية بناءً على تفسير واسع للنص.
ويزداد القلق عندما تصل العقوبة إلى الحبس لسنوات، إذ يصبح الصحافي مهدداً بعقوبة سالبة للحرية بسبب مادة نشرها أو معلومة أوردها. وهنا يظهر تناقض جوهري: فالقانون الذي يفترض أن يكرّس حماية الصحافة قد يعيد، من باب آخر، تجريم العمل الصحافي.
لذلك تبدو المسؤولية المدنية والتعويض عن الضرر، في الحالات التي يثبت فيها الخطأ أو الإساءة، أكثر انسجاماً مع فلسفة حماية حرية التعبير من العقوبات السجنية. أما الحالات التي تتعلق بالتحريض المباشر على العنف أو الكراهية والتمييز، فيمكن إخضاعها لمعايير قانونية دقيقة وواضحة تمنع التوسع التعسفي في تفسيرها.
الغرامات والإقفال: عقوبات قد تهدد وجود المؤسسات
لا تتوقف الإشكاليات عند الصحافي الفرد، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية نفسها. فالاقتراح يتيح فرض غرامات مالية كبيرة على المؤسسات المخالفة، وقد تصل إلى عشرات أضعاف الحد الأدنى للأجور، مع إمكان الوصول، في حالات التكرار، إلى إقفال المؤسسة.
وهذه المسألة شديدة الحساسية، لأن إغلاق وسيلة إعلامية لا يمثّل مجرد إجراء إداري أو مالي، بل يعني إخراج صوت كامل من المجال العام. ولذلك يفترض أن تكون أي عقوبة من هذا النوع استثنائية للغاية، وأن تُحاط بضمانات قضائية واضحة ومسارات اعتراض دقيقة تمنع استخدامها كوسيلة للضغط السياسي أو المهني.
فالتنظيم ضروري في أي قطاع إعلامي، لكن الفارق كبير بين تنظيم المهنة وبين امتلاك أدوات يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإخضاع المؤسسات الإعلامية، وخصوصاً تلك التي تتخذ مواقف معارضة للسلطة أو للقوى السياسية النافذة.
الهيئة الوطنية للإعلام… من ينظّم من؟
ومن أكثر المسائل إثارة للنقاش إنشاء «الهيئة الوطنية للإعلام»، التي يفترض أن تتولى دوراً أساسياً في تنظيم القطاع.
مبدأ إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام ليس إشكالياً بحد ذاته، بل يمكن أن يشكل خطوة إيجابية إذا كانت الهيئة مستقلة فعلاً، وتتمتع بالكفاءة المهنية، ويجري اختيار أعضائها وفق معايير شفافة.
لكن الإشكالية تظهر في طريقة تشكيل الهيئة المقترحة وتنوع الجهات التي تتولى اختيار أعضائها. إذ تضم التشكيلة المقترحة قاضياً متقاعداً، ومحامياً أو حقوقياً، ومهندس اتصالات أو برمجيات، وخبيراً إعلامياً، وأستاذاً جامعياً، وخبيراً اقتصادياً، وخبيراً في الحريات العامة وحقوق الإنسان، إلى جانب أعضاء آخرين يعيّنهم مجلس الوزراء من ضمن ترشيحات محددة.
هذا التنوع قد يبدو في الظاهر محاولة لجمع اختصاصات مختلفة، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً: أين الوزن الحقيقي لأصحاب الخبرة الإعلامية داخل هيئة يفترض أن يكون الإعلام اختصاصها الرئيسي؟
كما أن منح القضاء دوراً محورياً في الإشراف على آليات اختيار عدد من الأعضاء يثير التساؤل حول طبيعة الهيئة: هل هي هيئة مهنية مستقلة لتنظيم قطاع الإعلام، أم هيئة ذات طابع قانوني وقضائي يفوق حضور الإعلاميين أنفسهم فيها؟
ولا تقل أهمية عن ذلك الأسئلة المتعلقة بالمعايير المستخدمة لتعريف «الخبير الإعلامي» أو «خبير الحريات العامة». فالاستقلال لا يتحقق بمجرد منح الشخص لقباً مهنياً، وإنما عبر وضع شروط واضحة للكفاءة والخبرة والاستقلال السياسي وتضارب المصالح.
الإعلام الرقمي يحتاج إلى قانون من عصره
إحدى المشكلات الأخرى في اقتراح القانون هي الطريقة التي يتعامل بها مع التحول الرقمي.
فالإعلام اليوم لم يعد يقتصر على الصحف المطبوعة والمحطات التلفزيونية والإذاعية. المنصات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والبودكاست والصحافة المستقلة على الإنترنت أصبحت جزءاً أساسياً من صناعة الخبر وتشكيل الرأي العام.
ولهذا لا يكفي إلحاق المنصات الرقمية بتصنيفات الإعلام التقليدي. المطلوب فلسفة تشريعية جديدة تدرك طبيعة البيئة الرقمية، والاختلاف بين الناشر المحترف والمستخدم العادي، وبين المؤسسة الإعلامية والمنصة التقنية، وكذلك طبيعة سرعة انتشار المعلومات ومسؤولية كل طرف عنها.
قانون الإعلام الحديث يجب ألا يكتفي باستخدام أدوات القرن الماضي لتنظيم إعلام القرن الحادي والعشرين.
حماية الصحافي ليست قانونية فقط
ثمة جانب آخر غالباً ما يغيب عن النقاش التشريعي: الحرية المهنية لا تتحقق فقط بمنع سجن الصحافي.
فالصحافي الذي يعمل بأجر لا يكفيه للعيش، أو من دون ضمان اجتماعي، أو تحت تهديد الفصل المستمر، لا يمكن أن يكون مستقلاً بالكامل مهما كانت النصوص القانونية متقدمة.
من هنا، كان من الضروري أن يتعامل قانون إعلام شامل مع الحقوق الاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع أيضاً، من خلال وضع حد أدنى من الضمانات المتعلقة بالأجر العادل، والاستقرار الوظيفي، والتغطية الاجتماعية، والحماية من الفصل التعسفي، إضافة إلى ضمان حق الصحافي في رفض الضغوط التي تتعارض مع المعايير المهنية.
فالاستقلال الاقتصادي للصحافي جزء لا يتجزأ من استقلاله التحريري.
الحاجة إلى قانون يحمي الصحافة ولا يخشاها
لبنان يحتاج بلا شك إلى تحديث تشريعاته الإعلامية. كثير من القواعد الحالية لم تعد ملائمة للتحولات التي شهدها الإعلام، كما أن إصلاح القطاع وتنظيمه باتا ضرورة مهنية وقانونية.
لكن سرعة إقرار القانون لا ينبغي أن تكون أهم من نوعية القانون نفسه.
فالقوانين التي تمس حرية الرأي والتعبير تحتاج إلى أعلى درجات الدقة، لأن عبارة واحدة فضفاضة قد تتحول لاحقاً إلى أساس لملاحقات متعددة. كما أن أي هيئة ناظمة للإعلام يجب أن تقوم على الاستقلال والكفاءة والخبرة، لا أن تصبح ساحة جديدة لتوزيع النفوذ أو فرض الوصاية على الصحافة.
الإصلاح الحقيقي لا يكون بمنح الصحافيين بعض الحقوق مقابل إنشاء أدوات جديدة لمعاقبتهم، وإنما ببناء منظومة تشريعية تجعل حرية التعبير هي القاعدة، والمساءلة الدقيقة والاستثنائية هي الاستثناء.
وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات المنتقدة، بل بقدرتها على تحمّل النقد وحماية حق المختلفين معها في التعبير. ومن هنا، فإن أي قانون إعلام جديد في لبنان لن يُحكم عليه بعدد مواده أو بسرعة إقراره، وإنما بمدى نجاحه في الإجابة عن السؤال الأهم: هل يجعل الصحافي أكثر حرية واستقلالاً، أم أكثر خوفاً من الكلمة التي يكتبها؟





