في بلد تتراجع فيه قدرة المؤسسات العامة تحت وطأة الانهيار المالي ونقص الموارد، حققت الجامعة اللبنانية تقدّمًا لافتًا في تصنيف دولي يقيس دور الجامعات في التنمية المستدامة، منتقلةً من الفئة 301–400 إلى الفئة 201–300 عالميًا. إنجاز يعزز حضور الجامعة الوطنية، لكنه يضع في الوقت نفسه الدولة أمام مسؤولية حماية المؤسسة التي تواصل تحقيق النتائج رغم الأزمات.
نجحت الجامعة اللبنانية في تسجيل تقدم جديد على خريطة التعليم العالي العالمية، بعدما حلّت ضمن الفئة 201–300 في تصنيف Times Higher Education للاستدامة والتأثير لعام 2026، مقارنةً بالفئة 301–400 في إصدار عام 2025.
وشمل التصنيف في نسخته الأخيرة 1646 جامعة من 116 دولة وإقليمًا، موزعة على 17 جدولًا خاصًا بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، إلى جانب التصنيف العام. وتصف مؤسسة «تايمز للتعليم العالي» هذا التصنيف بأنه نظام عالمي لقياس مساهمة الجامعات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال التعليم والبحث العلمي والسياسات المؤسسية والتعاون مع المجتمع.
ويعني انتقال الجامعة اللبنانية من فئة 301–400 إلى فئة 201–300 أنها تقدمت فئة تصنيفية كاملة. وغالبًا ما يوصف هذا الانتقال بأنه تقدم بنحو مئة مرتبة، إلا أن التصنيف لا ينشر ترتيبًا فرديًا دقيقًا للجامعات الواقعة ضمن هذه الفئات، وبالتالي لا يمكن تحديد عدد المراكز التي تقدمت بها الجامعة بصورة حسابية نهائية.
صدارة لبنانية في الحد من عدم المساواة
لم يقتصر التقدم على النتيجة الإجمالية، بل برز أداء الجامعة في عدد من المؤشرات المرتبطة بدورها الاجتماعي والتعليمي.
ففي مؤشر الحد من أوجه عدم المساواة، المرتبط بالهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة، تقدمت الجامعة من المركز الخامس والتسعين عالميًا في عام 2025 إلى المركز السبعين في عام 2026، وارتفعت درجتها من 77.2 إلى 79.8، لتحتل بذلك المرتبة الأولى بين الجامعات اللبنانية في هذا المؤشر.
ولا يقيس هذا المؤشر الشعارات العامة حول العدالة الاجتماعية فحسب، بل يشمل البحث العلمي المتعلق بعدم المساواة، ونسب الطلاب الذين يمثلون الجيل الأول من عائلاتهم في التعليم الجامعي، واستقبال الطلاب من الدول النامية، ودمج ذوي الإعاقة، والسياسات المعتمدة لمكافحة التمييز.
وتكتسب هذه النتيجة دلالة خاصة بالنسبة إلى الجامعة اللبنانية، بوصفها المؤسسة الحكومية التي تستقبل طلابًا من مختلف المناطق والطبقات الاجتماعية، وتشكّل بالنسبة إلى شرائح واسعة من اللبنانيين الخيار الأساسي للحصول على التعليم العالي.
تقدم في المساواة وجودة التعليم
وفي المؤشر المتعلق بـالمساواة بين الجنسين، الذي يرد أحيانًا في البيانات العربية تحت عنوان أوسع هو «تكافؤ الفرص»، احتلت الجامعة اللبنانية المركز الثالث والخمسين عالميًا، متقدمةً إلى المرتبة الأولى محليًا، بعدما كانت في المرتبة الخامسة بين الجامعات اللبنانية في الإصدار السابق، وفق الأرقام التي أعلنتها الجامعة.
أما في مؤشر جودة التعليم، فحلّت الجامعة في المركز التاسع والخمسين عالميًا، وجاءت ثانيةً على مستوى لبنان، مسجلةً درجة بلغت 79.2. وتظهر بيانات «تايمز للتعليم العالي» الرسمية النتائج نفسها للجامعة في مؤشرات جودة التعليم والمساواة والحد من أوجه عدم المساواة.
وتشير هذه الأرقام إلى قدرة الجامعة على الحفاظ على حضور تعليمي واجتماعي متقدم رغم المشكلات التي تواجهها، من تراجع التمويل الرسمي وانخفاض القدرة الشرائية لرواتب الأساتذة والموظفين، إلى هجرة الكفاءات والضغوط التي تصيب المختبرات والمباني والتجهيزات والخدمات الطلابية.
ماذا يقيس التصنيف فعليًا؟
أهمية النتيجة لا تلغي ضرورة قراءة التصنيف بدقة. فهذا التصنيف ليس تصنيفًا أكاديميًا عامًا بالمعنى التقليدي، ولا يقيس فقط مستوى التدريس أو عدد الأبحاث والاستشهادات العلمية، بل يركز على مساهمة الجامعة في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
وتحتسب النتيجة الإجمالية لكل جامعة من أدائها في الهدف السابع عشر، المتعلق بالشراكات من أجل تحقيق الأهداف، إضافة إلى أفضل ثلاث نتائج تحققها الجامعة في بقية الأهداف الستة عشر. كما تعتمد النتيجة العامة على متوسط نتائج عامين، ما يعني أن موقع الجامعة يعكس مجموعة محددة من نقاط القوة وليس حكمًا شاملًا على جميع جوانب أدائها الأكاديمي.
هذا التوضيح لا ينتقص من الإنجاز، لكنه يمنع استخدامه بطريقة دعائية غير دقيقة. فالنتيجة تثبت تميز الجامعة في مجالات الاستدامة والتعليم والعدالة الاجتماعية، لكنها لا تعني تلقائيًا أنها تحتل المرتبة 201–300 في التصنيف الأكاديمي العام لأفضل جامعات العالم.
مسار من التقدم في التصنيفات
لا يأتي إنجاز عام 2026 معزولًا عن نتائج سابقة. ففي تصنيف «QS» العالمي لعام 2023، انتقلت الجامعة اللبنانية إلى الفئة 601–650، بعدما كانت ضمن الفئة 701–750 في عامي 2021 و2022، وحلّت في المركز 189 عالميًا في مؤشر السمعة لدى أصحاب العمل.
واصلت الجامعة بعد ذلك تقدمها، فاحتلت المركز 577 عالميًا في تصنيف «QS» لعام 2024، ثم المركز 567 في إصدار عام 2025، كما جاءت في ذلك العام أولى محليًا في مؤشري السمعة الأكاديمية والسمعة المهنية لدى جهات التوظيف.
وفي تصنيف «QS» العربي لعام 2026، حلّت الجامعة في المركز الثاني والعشرين عربيًا، والثاني لبنانيًا في مؤشري السمعة الأكاديمية والمهنية، من بين 298 جامعة عربية شملها التصنيف.
وتظهر هذه النتائج أن الجامعة استطاعت بناء حضور متراكم في أكثر من تصنيف، رغم اختلاف المنهجيات والمعايير بين مؤسسة وأخرى.
إنجاز يحمّل الدولة مسؤولية إضافية
من السهل تقديم التصنيف بوصفه مناسبة للاحتفال، لكن القيمة الحقيقية للإنجاز تكمن في الأسئلة التي يطرحها بشأن مستقبل الجامعة الوطنية.
فالمؤسسة التي تتقدم دوليًا تحتاج إلى تمويل مستقر، واستقلال أكاديمي وإداري، ومختبرات حديثة، ودعم للبحث العلمي، وسياسات تضمن بقاء أساتذتها وباحثيها بدل خسارتهم لمصلحة الجامعات والمؤسسات الخارجية. ولا يمكن الاعتماد بصورة دائمة على مبادرات فردية أو على قدرة العاملين في الجامعة على الصمود تحت الضغط.
كما أن تحسين الترتيب لا ينبغي أن يتحول إلى هدف قائم بذاته. فبعض التصنيفات يعتمد جزئيًا على المعلومات والوثائق التي تقدمها الجامعات عن أنشطتها وسياساتها، ما يجعل تطوير أنظمة جمع البيانات والتوثيق والنشر ضرورة مؤسسية. لكن التوثيق لا يمكن أن يكون بديلًا من معالجة المشكلات الفعلية التي يواجهها الطلاب والأساتذة.
في المحصلة، يمثل تقدم الجامعة اللبنانية في تصنيف الاستدامة لعام 2026 اعترافًا بقدرتها على أداء دور يتجاوز منح الشهادات، ليشمل دعم العدالة الاجتماعية وتوسيع فرص التعليم وخدمة المجتمع.
غير أن الإنجاز يحمل مفارقة لبنانية واضحة: جامعة عامة تحقق تقدمًا عالميًا في الوقت الذي تعاني فيه مؤسسات الدولة من التراجع. ومن هنا، فإن أفضل طريقة للاحتفاء بالنتيجة لا تكون بالبيانات الرسمية وحدها، بل بتحويلها إلى فرصة لإعادة الاستثمار في الجامعة اللبنانية، وحماية استقلالها، وتوفير الموارد التي تسمح لها بتحويل الصمود إلى نهضة أكاديمية مستدامة.





