حين تُضاء شاشات مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي على ساحل الليدو، بين الثاني والثاني عشر من سبتمبر/أيلول 2026، لن تكون السينما العربية مجرد ضيف قادم من منطقة بعيدة، بل شاهدًا يحمل إلى أحد أهم المحافل السينمائية في العالم أسئلة الحرب والفقد والذاكرة والعدالة. فالدورة الثالثة والثمانون، التي يديرها ألبيرتو باربيرا، تكشف عن حضور عربي متنوع، يمتد من الأفلام الفلسطينية المصوّرة تحت الحصار إلى دراما الأزمة المصرفية اللبنانية، مرورًا بذاكرة الموصل وصدمات المنفى وأسئلة الهوية.
وفي دورة وصفها باربيرا بأنها الأكثر سياسية في تاريخ المهرجان، بالمعنى الواسع للسياسة بوصفها اشتباكًا مع حروب العصر وتحولاته، تبدو الأعمال العربية منسجمة مع المزاج العام للبرنامج؛ فهي لا تتعامل مع الواقع خلفيةً للحكايات، بل تجعله مادة درامية ووثائقية مركزية، وتمنح الأفراد المحاصرين داخل الأحداث الكبرى حق استعادة أصواتهم وصورهم.
«المواطن أسامة»… الكاميرا في مواجهة الإبادة
يتقدم الحضور الفلسطيني فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة، المشارك في قسم «المفتوح – خارج المسابقة». الفيلم الوثائقي، ومدته 68 دقيقة، إنتاج فلسطيني فرنسي صُوّر في شمال قطاع غزة المحاصر، حيث يتابع مصورًا فنيًا سابقًا تحوّل بفعل الحرب إلى موثق للدمار والموت اليومي.
لا يقف أسامة خلف الكاميرا بصفته مراقبًا محايدًا؛ إنه جزء من الكارثة التي يصورها. فبينما يوثق ما يتعرض له المكان من تدمير، يحاول حماية زوجته وطفله الرضيع، وتأمين الطعام والمأوى لعائلته وسط الجوع والخسارة والخوف.
هنا تصبح الكاميرا عبئًا أخلاقيًا بقدر ما هي وسيلة فنية. هل يستمر المصور في تسجيل ما يحدث كي لا تضيع الشهادة، أم يضع الكاميرا جانبًا ويحاول النجاة بعائلته؟ وهل يمكن للفنان أن يفصل بين واجبه تجاه الصورة ومسؤوليته تجاه أحبائه؟
يستمد الفيلم قوته من هذا التوتر، فلا يقدم غزة بوصفها مساحة مجردة للخراب، وإنما عالمًا لا يزال فيه البشر يحاولون حماية أطفالهم والحفاظ على ما تبقى من حياتهم. وبين الركام، تتحول عملية التصوير نفسها إلى شكل من أشكال المقاومة؛ محاولة لحماية الحقيقة من المحو، ومنح الضحايا أسماء ووجوهًا بدل اختزالهم في الأرقام.
بحر لا يعيد الغائبين
في قسم «أضواء على فينيسيا»، يشارك المخرج الفلسطيني مؤيد عليان بفيلم «حوار مع البحر»، الذي تدور أحداثه في القدس، ويقود بطولته كامل الباشا إلى جانب عامر حليحل وباهرة بلاسّي وماريا زريق.
تنطلق الحكاية عندما تأمر محكمة إسرائيلية كمال، وهو رجل فلسطيني في الستين من عمره، بدفع دين كبير للتأمينات الاجتماعية يُنسب إلى ابنه وائل. غير أن الابن مات غرقًا في البحر الأحمر قبل عقود، ولا يوجد في السجلات الرسمية ما يثبت وفاته.
من هذه المفارقة القاسية، يبني الفيلم رحلة بحث تتجاوز النزاع المالي. فالأب لا يطارد وثيقة غائبة فحسب، بل يعود إلى فقد لم يستطع الزمن إغلاقه. وكل مؤسسة يراجعها، وكل سجل يبحث فيه، يضعانه أمام سؤال أشد مرارة: ماذا يحدث عندما لا تعترف البيروقراطية بموت إنسان، وتطالب أباه بالتعامل معه كأنه ما زال حيًا؟
يبدو البحر في الفيلم حدًا بين الوجود والغياب، بينما تتحول الأوراق الرسمية إلى قوة تقرر من عاش ومن مات، ومن يستحق أن تُعترف حكايته. وفي قلب ذلك كله يقف الأب، محاصرًا بين ذاكرته الشخصية ورواية المؤسسة، باحثًا عن حقيقة يعرفها في داخله، لكنه مطالب بإثباتها أمام نظام لا يثق بالألم.
قناصة تعود إلى الموصل
من العراق، يأتي فيلم «لا فردوس إن قتلتك امرأة» للمخرج هلكوت مصطفى، ضمن عروض «المفتوح – خارج المسابقة». وهو إنتاج مشترك بين النرويج والعراق والإمارات والسويد، يتابع قناصة كردية تُدعى فيان تعود إلى الموصل بعدما يصلها ما يشير إلى أن شقيقتها الصغرى، التي فُقدت خلال هجوم تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، ربما لا تزال على قيد الحياة.
نجت فيان من الحرب عبر إغلاق أبوابها الداخلية وتعطيل مشاعرها، لكن العودة إلى المدينة تجبرها على مواجهة ما حاولت دفنه. تتحول مهمة البحث عن الشقيقة إلى مواجهة مع الذاكرة، ومع الصدمة التي لا تنتهي بانتهاء المعركة العسكرية.
ولا يبدو الفيلم، وفق حكايته المعلنة، معنيًا بصناعة صورة بطولية تقليدية للمقاتلة، بقدر اهتمامه بثمن النجاة. فالسلاح قد يحمي الجسد، لكنه لا يستطيع ترميم الروح، والحرب قد تتوقف في الشوارع بينما تواصل عملها داخل من خرجوا منها أحياء.
لبنان… سرقة لاسترداد المسروق
تحضر الأزمة اللبنانية في فيلم «الغاضبات» للمخرج رامي كديح، المشارك في قسم «أضواء على فينيسيا». ينطلق العمل من الأزمة المصرفية التي حُرم خلالها مودعون من الوصول إلى مدخراتهم، ليتابع امرأتين تخططان لعملية اقتحام ليلية تستهدف بنكًا يحتجز أموالهما، في محاولة لتأمين تكاليف جراحة منقذة للحياة.
تعتمد المفارقة الدرامية على قلب مفهوم الجريمة: المرأتان لا تحاولان الاستيلاء على أموال الآخرين، بل استعادة أموالهما الخاصة. ومن هنا يصبح البنك، الذي يفترض أن يكون حارسًا للودائع، سجنًا ماليًا، بينما تتحول عملية الاقتحام إلى احتجاج على منظومة اختلطت فيها الحدود بين القانون والعدالة.
يمزج الفيلم بين التشويق والغضب الاجتماعي، وينقل الأزمة من لغة المؤشرات الاقتصادية والخسائر المصرفية إلى مصير إنساني مباشر. فخلف كل حساب مجمد حياة مؤجلة، وعلاج لا يمكن دفع ثمنه، وأسرة ترى مدخراتها حاضرة على الورق وغائبة في الواقع.
حرب تُشاهد من شاشة هاتف
وفي قسم «آفاق»، تقدم المخرجة شادن صفي الدين تازي فيلمها القصير «لحظات قليلة من السعادة»، ومدته 18 دقيقة. يتابع العمل مخرجة لبنانية شابة تقيم في باريس وتشاهد الحرب في بلدها عبر هاتفها، مستعينًا بتسجيلات الشاشة وأصوات أفراد العائلة ولحظات الصمت لرسم صورة جيل يعيش دمار الوطن من بعيد.
يقترب الفيلم من تجربة باتت مألوفة لدى ملايين المهاجرين: أن تستيقظ في مدينة آمنة، ثم تفتح هاتفك فتجد مدينتك الأصلية تحت القصف. أن تمارس حياتك اليومية فيما يظل جزء منك عالقًا أمام شاشة صغيرة، ينتظر رسالة من العائلة أو خبرًا قد يغير كل شيء.
لا يمنح البعد الجغرافي المغترب حصانة من الحرب؛ بل قد يضاعف عجزه. فهو يرى ولا يستطيع التدخل، يسمع أصوات أحبائه ولا يستطيع الوصول إليهم، ويتأرجح بين شعور بالنجاة وآخر بالذنب. هكذا تصبح الشاشة نافذةً على الوطن وحاجزًا يفصل عنه في الوقت نفسه.
«امرأة مجهولة»… حضور نسائي وحيد في المسابقة
في المسابقة الرسمية على «الأسد الذهبي»، تشارك المخرجة الدنماركية ذات الأصول المصرية مي الطوخي بفيلم «امرأة مجهولة»، لتكون المخرجة الوحيدة بين مخرجي الأفلام العشرين المتنافسة في المسابقة الرئيسية لهذا العام.
تدور أحداث الفيلم بعد الحرب العالمية الثانية، حول ماري، وهي مربية وخادمة شابة تستعد للزواج من رب عملها، الأرمل الثري كريستيان. غير أن ماضيها يهدد المكانة الاجتماعية التي تسعى إلى اكتسابها، بعدما يتكشف أنها أقامت خلال الحرب علاقة عاطفية مع جندي ألماني.
يعيد العمل فتح ملف الذاكرة الأوروبية بعد الحرب، متسائلًا عن الطريقة التي تحاكم بها المجتمعات النساء، وعن العلاقة بين الذنب الشخصي والإدانة الجماعية. فماري لا تواجه ماضيها وحده، بل نظامًا اجتماعيًا يريد تحديد هويتها وموقعها استنادًا إلى علاقة عاطفية حدثت في زمن الاحتلال والفوضى.
ويأتي الحضور النسائي الوحيد في المسابقة ليعيد الجدل حول تمثيل المخرجات داخل المهرجانات الكبرى. غير أن أهمية مشاركة مي الطوخي لا تقتصر على الإحصاءات؛ إذ تضع مخرجة ذات جذور مصرية عملًا في قلب المنافسة الأبرز، وتقدم قراءة عن المرأة والطبقة والذاكرة في أوروبا ما بعد الحرب.
كوثر بن هنية من المنافسة إلى التحكيم
لا يقتصر الحضور العربي على الأفلام، بل يمتد إلى لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، التي ترأسها المخرجة والممثلة الأميركية ماغي جيلنهال، وتضم في عضويتها المخرجة التونسية كوثر بن هنية.
تعود بن هنية إلى فينيسيا بعد عام من حصول فيلمها «صوت هند رجب» على «الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم» في الدورة الثانية والثمانين. ويمنح وجودها داخل لجنة القرار صوتًا عربيًا لصانعة سينما جعلت من قضايا العدالة والعنف ومصائر الأفراد داخل الأنظمة القمعية محورًا أساسيًا في تجربتها.
يحمل هذا الانتقال دلالة تتجاوز التكريم الشخصي؛ فالمخرجة التي جاءت إلى فينيسيا في العام السابق بفيلم يستعيد الصوت الأخير لطفلة فلسطينية، تشارك اليوم في تقييم أفلام العالم وتحديد الأعمال التي ستخرج بأهم جوائز المهرجان.
الذكاء الاصطناعي يدخل صالة العرض
بالتوازي مع حضور الحروب والذاكرة، تفتح الدورة نقاشًا آخر حول مستقبل صناعة الصورة. ففي قسم «خارج المسابقة» يُعرض الفيلم الوثائقي الإيطالي «كن شجاعًا» للمخرج فرانشيسكو كاروتزيني، الذي يتناول سيرة مؤسس علامة «ديزل» رينزو روسو، وقد أُنجز، بحسب رويترز، بالاعتماد شبه الكامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لا يتعلق السؤال هنا بقدرة التكنولوجيا على إنتاج الصور فحسب، بل بمن يمتلك القرار الإبداعي النهائي. فدخول فيلم بهذه الصيغة إلى مهرجان عريق يعني أن النقاش لم يعد نظريًا، وأن الصناعة تقف أمام تحول قد يعيد تعريف أدوار المخرج والمصور والمونتير والممثل.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في مقدار التقنية المستخدمة، وإنما في قدرة العمل على إنتاج رؤية إنسانية؛ فالآلة تستطيع إنشاء الصورة، لكنها لا تملك، من تلقاء ذاتها، تجربة أو ذاكرة أو موقفًا أخلاقيًا.
السينما العربية بوصفها صناعة
يصل الحضور العربي أيضًا إلى منصة «فاينال كات في فينيسيا»، المخصصة لمساعدة الأفلام التي لا تزال في مرحلة ما بعد الإنتاج وربطها بالموزعين والمنتجين وشركات الخدمات الفنية. وتقام دورتها الرابعة عشرة بين السادس والثامن من سبتمبر/أيلول، بمشاركة ستة مشاريع من أفريقيا والشرق الأوسط.
وتضم القائمة فيلم «بلاء» للتونسي يوسف الشابي، و«مخاطر مهنية» للأردني باسل غندور، و«إلدورادو… مذاق الجنوب» للمغربي علاء الدين الجم، و«الخميس إلا ربع» للجزائرية صوفيا جامع، إلى جانب مشروعين من الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا. وتتيح المنصة دعمًا ماليًا وفنيًا يشمل تصحيح الألوان والمونتاج الصوتي والمؤثرات والترجمة وإعداد نسخ العرض والتوزيع.
تكشف هذه المشاركة أن أهمية المهرجانات لا تقتصر على السجادة الحمراء والجوائز، بل تمتد إلى البنية التحتية للصناعة. فكثير من الأفلام العربية لا تعاني نقص الأفكار أو المواهب، وإنما صعوبة استكمال التمويل والوصول إلى الأسواق وشبكات التوزيع الدولية.
حكايات لا تبحث عن الشفقة
لا يجمع هذه الأفلام انتماؤها الجغرافي وحده، بل اهتمامها بما تفعله الأحداث الكبرى بحياة الأفراد. الحرب في «المواطن أسامة» ليست تقريرًا سياسيًا، بل أب يحاول حماية طفله. والاحتلال في «حوار مع البحر» يتجلى في وثيقة ترفض الاعتراف بموت ابن. ودمار الموصل يظهر في ذاكرة مقاتلة تبحث عن أختها، بينما تتجسد الأزمة اللبنانية في امرأتين تضطران إلى اقتحام بنك لاستعادة حقهما.
هذه الأعمال لا تأتي إلى فينيسيا طلبًا للشفقة، وإنما لتطالب بحقها في تعريف التجربة العربية من الداخل. وهي لا تقدم المنطقة بوصفها كتلة من الأزمات، بل فضاءً بشريًا متعدد الأصوات، تتقاطع فيه السياسة مع العائلة، والذاكرة مع الجسد، والمنفى مع التكنولوجيا.
على ساحل الليدو، حيث تتجاور أضواء العروض مع مياه البحر، ستقف السينما العربية هذا العام محملةً بأصوات الذين عاشوا تحت الأنقاض، والذين غرقوا من دون أن تعترف السجلات بموتهم، والذين شاهدوا أوطانهم تحترق عبر الهواتف.
وإذا كانت السينما عاجزة عن إيقاف حرب أو إعادة غائب، فإنها تستطيع على الأقل أن تمنع النسيان؛ أن تحفظ الشهادة، وتستعيد الاسم من الرقم، وتمنح الإنسان فرصة أخيرة كي يروي حكايته قبل أن يكتبها الآخرون نيابة عنه.





