على أرض رملية مفتوحة خلف خيام مخيم أدري شرقي تشاد، لا يحتاج أعضاء فرقة «الأجاويد» إلى ستائر أو مقاعد أو أضواء كاشفة كي يبدأ العرض. يكفي أن تتشكل دائرة من اللاجئين، وأن يجلس الأطفال في الصفوف الأمامية، قبل أن يحوّل ستة ممثلين سودانيين تفاصيل الحياة القاسية في المخيم إلى مشاهد ساخرة تعيد إلى الجمهور قدرة كادت الحرب أن تنتزعها منهم: الضحك.
في المخيم الذي يؤوي أكثر من مئتي ألف لاجئ فروا من الحرب في دارفور، أصبحت عروض الفرقة حدثاً يومياً ينتظره الصغار والكبار. ولا تقتصر أهميتها على الترفيه، بل تحولت إلى مساحة جماعية للتخفيف من آثار الخوف والفقد والنزوح.
تقول فاطمة آدم، وهي أم لطفلين نزحت من مدينة الجنينة، إن طفليها كانا يستيقظان ليلاً مذعورين من كوابيس الحرب، قبل أن تتغير حالتهما مع بدء عروض الفرقة. وتضيف: «أصبحا أول من يجلس في الصف الأمامي، والضحكات التي يعودان بها بعد كل عرض تكفيني لأيام».
من مسارح الجنينة إلى رمال اللجوء
لم تبدأ حكاية «الأجاويد» في المخيمات. فقد تأسست الفرقة عام 2010 في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، وعملت لسنوات في المسرح والدراما، وقدمت أعمالاً تناولت قضايا السلام والتنمية والتعايش الاجتماعي، من بينها مسلسل «سر الكتمان».
لكن اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 أنهى تلك المرحلة. دُمر مسرح الفرقة، وتفرّق أعضاؤها تحت وطأة القصف والنزوح، قبل أن يصل عدد منهم إلى مخيم أدري بعد رحلة فرار شاقة.
يقول مؤسس الفرقة والمخرج المسرحي عمر عقال عبد الرحمن إن العودة إلى العمل الفني لم تكن ضمن الأولويات الأولى للاجئين، إذ كان الجميع منشغلاً بتأمين الماء والغذاء والمأوى. غير أن معايشة أوضاع العائلات داخل المخيم كشفت حاجة أخرى لا تقل إلحاحاً.
ويضيف: «أدركنا أن الناس لا يحتاجون إلى الطعام والماء فقط، بل يحتاجون أيضاً إلى ما يعيد إليهم الأمل ويذكرهم بأن حياتهم لم تنته».
بدأت الفرقة نشاطها داخل المخيم بستة أعضاء، ثم انضم إليها متطوعون من الشباب والفتيات، حتى بلغ عددهم 32 عضواً، بينهم 15 فتاة و17 شاباً. ويشارك هؤلاء في إعداد العروض وتمثيلها، مستفيدين من خبراتهم المسرحية ومن عناصر الفلكلور الشعبي الدارفوري والسوداني.
مسرح بلا جدران
بعد توقف استمر أكثر من عامين، عادت الفرقة إلى عروضها بإمكانات محدودة. حلّت الأرض المكشوفة محل خشبة المسرح، وأصبح ضوء الشمس نهاراً والقمر ليلاً بديلاً عن الإضاءة الفنية، بينما جلس الجمهور على الرمال أو أمام الخيام.
وتتنقل «الأجاويد» بين عدد من مخيمات اللاجئين، من بينها أدري وفرشنا وباميا جيرو وأبو تنقى، حيث تقدم اسكتشات كوميدية تفاعلية، وأغنيات شعبية، وعروضاً تستعيد تراث دارفور.
وتستلهم الفرقة موضوعاتها من التفاصيل اليومية لحياة اللاجئين، مثل طوابير المياه والمساعدات، وصعوبات السكن، والخلافات الاجتماعية، والخوف من المستقبل. وبدلاً من تجاهل هذه المعاناة، يعيد الممثلون تقديمها في قالب ساخر يسمح للجمهور بمواجهتها جماعياً.
يروي صابر عبد الرحمن، وهو لاجئ من مدينة الفاشر، أن أحد العروض تناول بصورة ساخرة الانتظار الطويل للحصول على المساعدات. ويقول إن الجمهور ضحك بشدة، حتى إن إحدى النساء بكت من فرط الضحك.
ويضيف: «كنا قد فقدنا القدرة على الضحك. جاء هؤلاء الشباب ليذكرونا بأننا ما زلنا بشراً، وأن الألم ليس الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجمعنا».
الضحك بوصفه دعماً نفسياً
لا تقدم الفرقة عروضها باعتبارها فقرات ترفيهية منفصلة عن واقع المخيم، بل تنظر إلى المسرح بوصفه أداة للدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً للأطفال والنساء والفئات الأكثر تضرراً من الحرب.
ويركز عدد من العروض على التماسك الاجتماعي، ونبذ العنف، والتعايش السلمي، ومواجهة السلوكيات السلبية، إلى جانب التوعية بالمخاطر التي تهدد اللاجئين.
وقد لفت نشاط الفرقة اهتمام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات دولية أخرى، دعتها إلى المشاركة في تقديم عروض تفاعلية تتناول قضايا حساسة، من بينها مخاطر الاستغلال والانتهاك الجنسي، وسبل حماية النساء والأطفال.
ويستمر العرض عادة قرابة ساعة، يتفاعل خلالها الجمهور بالتصفيق والتعليقات والمشاركة المباشرة. وبعد انتهائه، يتجمع الأطفال والعائلات حول الممثلين لالتقاط الصور أو طلب إعادة بعض المشاهد، في مؤشر على المكانة التي أصبحت الفرقة تحتلها داخل المجتمع المحلي للمخيم.
يقول عمر عقال إن المسرح التفاعلي يمنح اللاجئين فرصة للتعبير عن مخاوفهم ومناقشة مشكلاتهم من دون خطاب مباشر أو لغة وعظية. ويؤكد أن الهدف ليس إنتاج «ضحكات فارغة»، بل تقديم محتوى يساعد على معالجة آثار الحرب وتعزيز الشعور بالتضامن والانتماء.
مقاومة الحياة اليومية
بعد انتهاء العروض، يعود أعضاء الفرقة إلى الظروف نفسها التي يعيشها جمهورهم. يقفون في طوابير المياه والمساعدات، وينامون داخل الخيام، ويواجهون الجوع والقلق بشأن أقاربهم ومستقبلهم.
غير أن وجودهم على المسرح المؤقت يمنحهم دوراً مختلفاً داخل المخيم؛ فهم لا يملكون القدرة على وقف الحرب، لكنهم يحاولون الحد من آثارها النفسية، ولو لساعة واحدة كل مساء.
يقول عقال: «نحن لاجئون مثل الآخرين، نعاني العطش والجوع والخوف، لكننا اخترنا ألا نستسلم. اخترنا أن نقاوم بالضحك».
ورغم قسوة الواقع، يحتفظ أعضاء الفرقة بحلم العودة إلى الجنينة وإعادة افتتاح مسرحهم الذي دمرته الحرب. ويتطلع عقال إلى تقديم عرض جديد بعد العودة، لا يكتفي بالسخرية من المأساة، بل يشارك في ترميم ما خلفته الحرب من انقسامات وجراح.
وفي مخيم أدري، حيث تبدو الخيام والمسرح وحتى لحظات الفرح مؤقتة، تواصل فرقة «الأجاويد» تقديم عروضها. وبينما لا تستطيع الضحكات تغيير موازين الحرب، فإنها تمنح اللاجئين مساحة قصيرة يستعيدون فيها إنسانيتهم، وتؤكد أن الفن، في أكثر الظروف قسوة، قد يتحول من وسيلة للترفيه إلى فعل مقاومة.




