ما حدث داخل مدرسة Grand Lycée Franco-Libanais في لبنان، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد “شغب مدرسي” أو “فورة مراهقين” خرجت عن السيطرة في نهاية العام الدراسي.
المشهد كان أعمق نفسيًا واجتماعيًا وأكثر تعقيدًا تربويًا.
فنحن لا نواجه حادثة معزولة، بل ظاهرة تعبّر عن تصدّعات متراكمة داخل البنية النفسية لجيل كامل نشأ في بيئة تعيش الانهيار المزمن والقلق الجماعي وفقدان الاستقرار.
طلاب يركضون في الممرات.
أبواب ومقاعد تُكسَّر.
صراخ وضحك هستيري.
هواتف توثّق الفوضى.
وأقنعة سوداء تخفي الوجوه وتشبه شخصيات العصابات أو ألعاب الفيديو القتالية.
المشهد بدا وكأنه مزيج بين التمرّد الجماعي والانفجار الانفعالي و”الأداء الاستعراضي” الذي يبحث عن الصدمة والانتشار.
الـ Acting Out: حين يتحوّل الألم النفسي إلى سلوك مدمر
في علم النفس، يمكن قراءة ما حدث ضمن مفهوم الـ Acting Out، أي تحويل الصراع الداخلي أو التوتر النفسي المكبوت إلى سلوك خارجي اندفاعي وصادم.
فالمراهق الذي يعجز عن التعبير عن خوفه أو غضبه أو قلقه بالكلمات، قد يترجم هذا الاحتقان عبر الفعل الجسدي العنيف أو التخريبي.
هذا الجيل يعيش منذ سنوات تحت ما يُعرف بـ Chronic Stress Exposure أي “التعرّض المزمن للضغط النفسي”، نتيجة الانهيار الاقتصادي، وانعدام الأمان، والخوف المستمر من المستقبل، والهجرة، والحروب، والتفكك الاجتماعي.
ومع غياب مساحات التفريغ النفسي السليم، تتراكم الانفعالات حتى تنفجر بطريقة جماعية وفوضوية.
العدوى الانفعالية والعقل الجمعي
ما جرى أيضًا يندرج ضمن ظاهرة نفسية تُعرف بـ Emotional Contagion أو “العدوى الانفعالية”، حيث تنتقل المشاعر والسلوكيات بسرعة داخل المجموعة، خصوصًا في البيئات المشحونة نفسيًا.
فحين يبدأ عدد من الأفراد بسلوك اندفاعي، تتراجع قدرة الآخرين على التفكير النقدي الفردي، ويذوب الشخص داخل ما يسمّيه عالم النفس غوستاف لوبون بـ Crowd Psychology أو “سيكولوجيا الحشود”.
وهنا يحدث ما يُعرف بـ Deindividuation أي “فقدان التفرد الفردي”، حيث يشعر الإنسان داخل الجماعة بأنه أقل خضوعًا للمحاسبة وأكثر استعدادًا للقيام بأفعال لم يكن ليقوم بها بمفرده.
الأقنعة السوداء لعبت دورًا أساسيًا في هذا التحوّل.
الأقنعة السوداء وآلية الـ Deindividuation
الأقنعة التي تشبه وجوه العصابات أو شخصيات الألعاب الإلكترونية ليست مجرد تفصيل بصري.
إنها أداة نفسية تمنح شعورًا بإخفاء الهوية وتقليل الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية.
في علم النفس الاجتماعي، يرتبط إخفاء الوجه بارتفاع احتمالات السلوك العدواني أو الاندفاعي، لأن الفرد يشعر بانخفاض مستوى الـ Self-Awareness أي “الوعي الذاتي”، ويتحرّر نسبيًا من الخوف من الحكم الاجتماعي.
لكن اللافت أن الأقنعة لم تكن عشوائية، بل مستوحاة من ثقافة رقمية قائمة على القوة والغموض والعنف الرمزي.
وهنا يظهر أثر ما يسمّيه علماء النفس بـ Identity Diffusion أو “تشوش الهوية”، حيث يجد بعض المراهقين صعوبة في بناء هوية مستقرة داخل واقع مأزوم، فيلجأون إلى هويات بديلة مستمدة من العالم الافتراضي.
كأن الطالب لم يعد يريد أن يظهر كـ “تلميذ”، بل كشخصية خارجة عن النظام، تمتلك قوة رمزية مفقودة في حياته الواقعية.
المدرسة كمساحة فقدت وظيفتها الاحتوائية
الحادثة تكشف أيضًا أزمة عميقة في وظيفة المدرسة النفسية.
فالمدرسة لا يفترض أن تكون فقط مؤسسة أكاديمية، بل ما يسمّيه علماء النفس التربوي بـ Holding Environment أي “البيئة الحاضنة” التي تمنح الطالب شعورًا بالأمان والانتماء والتنظيم النفسي.
لكن حين تتحوّل المدرسة إلى مساحة ضغط وتقييم دائم ومنافسة وإنجاز فقط، من دون احتواء وجداني حقيقي، يضعف الرابط العاطفي بين الطالب والمؤسسة.
وعندما يحطّم الطالب مقعده أو صفّه، فهذا قد يعكس ما يسمّيه التحليل النفسي بـ Attachment Rupture أي “انقطاع العلاقة التعلّقية” مع المكان أو السلطة الرمزية التي يمثّلها.
السوشال ميديا وEconomy of Attention
الأخطر أن التكسير لم يكن فقط سلوكًا عدوانيًا، بل كان أيضًا “عرضًا بصريًا”.
الكثير من المشاركين كانوا يصوّرون الحدث بقدر مشاركتهم فيه.
وهنا يظهر تأثير ما يُعرف بـ Economy of Attention أو “اقتصاد الانتباه”، حيث تصبح قيمة الحدث مرتبطة بقدرته على جذب المشاهدات والتفاعل الرقمي.
فالصدمة نفسها تتحوّل إلى وسيلة لاكتساب الاعتراف الاجتماعي اللحظي.
كما أن وسائل التواصل عزّزت ما يسمّيه علماء النفس بـ Performative Behavior أي “السلوك الأدائي”، حيث لا يعود الإنسان يتصرّف فقط بدافع داخلي، بل أيضًا من أجل الصورة التي سيظهر بها أمام الجمهور الرقمي.
جيل يعيش Collective Trauma
لا يمكن فهم ما جرى من دون فهم أن هذا الجيل يعيش داخل حالة من الـ Collective Trauma أو “الصدمة الجمعية”.
إنه جيل تربّى وسط الانهيارات:
اقتصاد منهار.
مؤسسات ضعيفة.
هجرة جماعية.
قلق وجودي.
تراجع الثقة بالمستقبل.
وتآكل صورة السلطة.
هذا المناخ يخلق ما يُعرف بـ Learned Helplessness أو “العجز المتعلَّم”، حيث يشعر الفرد تدريجيًا بأن جهوده لا تغيّر الواقع، فيتراكم داخله الإحباط والغضب واللامبالاة.
وفي بعض الأحيان، يتحوّل هذا الإحباط إلى سلوك تدميري أو اندفاع جماعي يمنح شعورًا مؤقتًا بالقوة والسيطرة.
بين المحاسبة والفهم
طبعًا، لا يمكن تبرير التخريب أو العنف تحت أي ذريعة نفسية أو اجتماعية.
هناك مسؤولية واضحة ويجب أن تكون هناك محاسبة تربوية وقانونية.
لكن الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية السطحية يعني تجاهل الجذور الحقيقية للمشكلة.
فهؤلاء الطلاب ليسوا “جيلًا منحرفًا” بالضرورة، بل جيل يعاني من هشاشة نفسية جماعية ومن أزمة معنى وهوية وانتماء.
وإذا كانت المدرسة تريد استعادة دورها الحقيقي، فعليها ألا تكتفي بإصلاح الجدران،
بل أن تعيد بناء:
العلاقة الإنسانية،
الأمان النفسي،
ثقافة الحوار،
ومفهوم الانتماء نفسه.
لأن أخطر ما في المشهد لم يكن الأقنعة السوداء،
بل أن بعض المراهقين بدأوا يشعرون أن هذه الأقنعة تعبّر عنهم أكثر من وجوههم الحقيقية.



