لا يبدأ النزوح القسري لحظة يغادر الناس بيوتهم. يبدأ قبل ذلك بكثير، حين يتحول صوت الطائرات إلى جزء من الحياة اليومية، وحين يصبح السؤال عن الطريق الآمن أهم من السؤال عن الوجهة، وحين تجد العائلة نفسها أمام قرار لا يشبه الاختيار: البقاء تحت خطر القصف، أو الرحيل نحو مجهول لا يملك من الأمان إلا اسمه.
في جنوب لبنان، لم يعد النزوح مجرّد انتقال من قرية إلى مدينة، أو من بيت إلى مركز إيواء. لقد صار تجربة اجتماعية قاسية تتكرر على شكل موجات متلاحقة خلال فترة قصيرة. موجة أولى مع اشتداد القصف، ثم موجة عودة مرتبكة بعد إعلان الهدنة، ثم موجة نزوح جديدة عندما اكتشف الأهالي أن القرى لا تزال غير آمنة أو غير صالحة للحياة. وبين كل موجة وأخرى، لم تكن العائلات تجد بيانات واضحة، ولا توجيهات دقيقة، ولا خطة معلنة تقول للناس: إلى أين يذهبون، متى يعودون، ومن يتحمل مسؤولية حمايتهم.
هذه هي النقطة الأكثر خطورة في المشهد: الناس لم يُهجّروا مرة واحدة فقط، بل يعيشون النزوح كحالة متكررة. يهربون من القصف إلى مراكز الإيواء، ثم يعودون الى بيوتهم، ثم ينزحون من جديد بسبب تجدد القصف. بعضهم ترك أغراضه في المدارس تحسبًا للرجوع إليها، وبعضهم حمل ما تيسر معه ثم اكتشف أن الطريق إلى القرية لا يعني الوصول إلى الأمان. وهكذا تحولت حياة آلاف العائلات إلى حركة دائرية مرهقة: خروج، انتظار، عودة جزئية، صدمة، ثم خروج جديد.
من خلال جولات ميدانية ومقابلات أجراها فريق المسمار مع نازحين من الجنوب، ظهرت صورة أعمق من الأرقام. النازحون لا يتحدثون فقط عن منازل مهدمة أو طرق مقطوعة، بل عن غياب كامل للبوصلة. كثيرون لم يعرفوا هل عليهم البقاء في مراكز الإيواء أم العودة إلى القرى. لم يعرفوا ما إذا كانت الهدنة تعني أمانًا فعليًا، ولا ما إذا كانت الطرقات مفتوحة، ولا أين توجد مراكز استقبال مجهزة، ولا من الجهة التي يمكن الوثوق بتوجيهاتها. هذا الفراغ في المعلومات جعل الخوف مضاعفًا: خوف من العدوان، وخوف من اتخاذ قرار خاطئ.
في إحدى مراكز الإيواء في صيدا، روت امرأة من بلدة البازورية كيف انقسمت عائلتها بعد إعلان الهدنة. أبناؤها أصروا على العودة إلى البلدة لتفقّد المنزل، بينما فضّلت هي البقاء في مركز الإيواء، متمسكة بما تبقى من شعور بالأمان. لم يكن قرارها سهلًا؛ فالمدرسة ليست بيتًا، والصفوف ليست غرف نوم، لكن العودة إلى المجهول كانت أكثر قسوة. وعندما وصل الأبناء إلى البازورية، وجدوا المنزل متضررًا بشدة، وقد اخترقت قذيفة سقفه، ولم تعد أجزاء واسعة منه صالحة للسكن.
هنا تظهر مأساة تعدد موجات النزوح بوضوح. لو كانت هناك معطيات دقيقة حول حجم الدمار، أو تقييم رسمي للقرى الصالحة للعودة، أو توجيهات واضحة حول المناطق الخطرة، لما اضطرت العائلة إلى الانقسام بين من يغامر بالعودة ومن يبقى في الإيواء. لكن في غياب هذا الوضوح، صار القرار فرديًا وعائليًا، مبنيًا على الخوف والحدس والأخبار المتداولة بين الناس وعلى المجموعات الإخبارية. كل عائلة أصبحت كأنها غرفة عمليات صغيرة، تحاول أن تقرر مصيرها من دون معلومات كافية.
وفي شهادة أخرى، تحدثت امرأة من عيتا الشعب عن عجزها عن العودة إلى قريتها، بعدما أصبح الوصول إلى منطقتها مقيدًا وخطرًا، خاصةً بعد اعلان العدو الإسرائلي عن عزل القرى الحدودية واعلانها منطقة خط دفاع امامي. ورغم ذلك، لا تتحدث عن الغياب كأنه نهاية. تقول بثقة: “حنرجع”. هذه الكلمة تحمل إصرارًا مفهومًا، لكنها تكشف أيضًا مشكلة أعمق: الناس يريدون العودة، لكنهم لا يعرفون متى يمكنهم ذلك، ولا من يعلن لهم أن العودة آمنة، ولا من يضمن ألّا تتحول رحلة العودة إلى نزوح جديد.
هنا لا تكفي العاطفة وحدها. التمسك بالأرض حق طبيعي ومشروع، لكن ترك الناس يقررون وحدهم وسط الخطر ليس بطولة جماعية، بل فشل في إدارة الأزمة. حين لا توجد جهة تعلن بوضوح أي القرى آمنة، وأي الطرقات مفتوحة، وأين تتوفر الخدمات، ومن يحتاج إلى إخلاء، فإن الأهالي يُدفعون إلى المخاطرة بأنفسهم. وهذا ما جعل النزوح في الجنوب متقلبًا: ليس لأن الناس لا يعرفون ماذا يريدون، بل لأنهم لا يملكون معلومات موثوقة تساعدهم على اتخاذ القرار.
وفي بلدة صديقين، يروي الحاج أبو حسن، الرجل الستيني رحلة العودة الى بلدته، فحين عاد لتفقد منزله بعد الهدنة، وجد دمارًا واسعًا وانقطاعًا كاملًا للمياه والكهرباء والاتصالات. فقضى ليلته الأولى على التراب، تحت سقف متضرر، قبل أن يدرك أن العودة النهائية ليست ممكنة بعد، وأن عليه الرجوع إلى مركز الإيواء بانتظار وضوح لا يأتي.
هذه القصة تلخص مأزقًا تكرر كثيرًا: العودة لم تكن عودة، بل كانت جولة استطلاع مؤلمة. كثيرون ذهبوا إلى قراهم ليكتشفوا أن البيت بلا سقف، أو أن البلدة بلا ماء، أو أن الكهرباء مقطوعة، أو أن الاتصالات غائبة، أو أن الخوف ما زال أقوى من الرغبة في البقاء. وهكذا بدأت موجة نزوح ثانية بعد موجة العودة، لا بسبب قرار رسمي بالإخلاء فقط، بل بسبب اصطدام الناس بواقع لا يسمح بالحياة.
الأخطر أن هذه الموجات وقعت في فترة قصيرة، ما جعل العائلات تستنزف نفسيًا وماديًا. النزوح الأول يستهلك المدخرات والوقود والطاقة. العودة المؤقتة تستهلك ما تبقى من قدرة على التنقل والترميم. النزوح الثاني يأتي والعائلة أضعف، وأكثر فقرًا، وأكثر تعبًا، وأقل قدرة على الاحتمال. لذلك لا يمكن التعامل مع النزوح المتكرر كأنه مجرد حركة سكانية. إنه تفكيك تدريجي لقدرة الناس على الصمود.
ومن بين أقسى ما وثقه فريق المسمار لم يكن داخل مركز إيواء ولا بين ركام المنازل، بل على جانب الطريق. عند الأولي، على المدخل الجنوبي لمدينة صيدا، كان رجل سبعيني متوقفًا بسيارته، يبكي على حاله. لم يكن بكاؤه فقط بسبب النزوح، بل لأنه وصل إلى لحظة عجز كاملة: نفد البنزين من سيارته، ولم يكن يملك المال لشراء المزيد، في ظل الغلاء الكبير في أسعار المحروقات.
كان الرجل يحاول النجاة بعائلته، لكنه اصطدم بحقيقة مرة: حتى الهرب يحتاج إلى مال. في الحرب، لا يكفي أن تخرج من منطقة الخطر؛ تحتاج إلى وقود، وطريق، ودواء، ومكان يستقبلك، ومعلومة دقيقة تقول لك إلى أين تذهب. وحين تغيب هذه الشروط، يصبح الطريق نفسه امتدادًا للحرب.
الأكثر إيلامًا في شهادة الرجل السبعيني كان حال زوجته. كانت امرأة مسنة ومريضة بالسكري، وقد اشتد عليها الخوف والارتباك، ومع عدم وجود مراحيض أو مرافق صحية تستقبل النازحين على الطريق، تبولت على نفسها. هذه ليست تفصيلة محرجة يجب إخفاؤها، بل حقيقة قاسية يجب أن تُقال، لأنها تكشف الوجه العاري للنزوح القسري: حين يُجبر الإنسان على الهرب بلا ضمانة، وبلا مال، وبلا مرافق، وبلا قدرة حتى على حماية كرامته الجسدية.
هذه الحادثة تفضح غياب البنية التنظيمية للنزوح. فلو كانت هناك نقاط استقبال واضحة على الطرقات، مزودة بالمياه والمراحيض والطبابة الأولية والوقود الطارئ، لما تُرك مسن وزوجته في هذا المشهد المهين. المشكلة ليست في فقر الرجل وحده، بل في أن الناس تُركوا ليديروا نزوحهم بأنفسهم. كل عائلة بسيارتها، بقدرتها المالية، بمرضى السكري والضغط والقلب، بأطفالها، وبالخوف الذي يسبقها على الطريق.
في صيدا، التي تحولت خلال الحرب إلى ملاذ لعشرات الآلاف من النازحين، تبدو الأزمة أكبر من قدرة المدينة وحدها. مراكز الإيواء امتلأت، والمدارس تحولت إلى مساكن مؤقتة، والبلديات والجمعيات حاولت تأمين الحد الأدنى من الغذاء والرعاية والخدمات. لكن النزوح المتكرر جعل الاستجابة أصعب. فالأعداد لم تكن ثابتة: ترتفع مع القصف، تنخفض مع إعلان الهدنة، ثم ترتفع مجددًا بعد عودة العائلات من قرى لا تصلح للسكن.
هذا التذبذب في الأعداد يعكس الفوضى الأعمق في إدارة الأزمة. فحين لا تكون هناك قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، ولا مركز معلومات واضح، ولا رسائل رسمية موحدة، تصبح البلديات ومراكز الإيواء أمام ضغط متغير لا يمكن التخطيط له. مدرسة تستعد لإخلاء النازحين كي تعود إلى التعليم، ثم تستقبل موجة جديدة. عائلة تغادر مركز الإيواء، ثم تعود بعد يومين. مساعدات تُوزع على أعداد معينة، ثم تتبدل الأعداد فجأة. في النهاية، يدفع النازح الثمن مرتين: مرة بسبب الحرب، ومرة بسبب غياب التنظيم.
والأسوأ أن غياب البيانات لا يضر الإدارات فقط، بل يضرب ثقة الناس. عندما لا يعرف المواطن أين يحصل على معلومة صحيحة، يبدأ بالاعتماد على الشائعات، وعلى رسائل متداولة، وعلى اتصالات متفرقة من الأقارب والجيران. هكذا تتسع الفوضى. قد تعود عائلة لأن أحدهم قال إن الطريق آمن، وقد تبقى أخرى في مركز إيواء لأن خبرًا غير مؤكد تحدث عن قصف قريب. في الحالتين، لا يكون القرار مبنيًا على معرفة، بل على الخوف.
اجتماعيًا، يترك تعدد موجات النزوح آثارًا أعمق من النزوح الواحد. الطفل لا ينتقل فقط من بيته إلى مدرسة؛ بل ينتقل من المدرسة إلى البيت المهدّم، ثم يعود إلى مركز الإيواء، ثم ربما ينتقل إلى مركز آخر. هذا التكرار يخلق اضطرابًا نفسيًا وشعورًا دائمًا بعدم الثبات. الأم لا ترتب حياة مؤقتة مرة واحدة، بل تعيد ترتيبها كل بضعة أيام. الأب لا يحاول تأمين المال للرحيل مرة واحدة، بل لكل موجة جديدة. كبار السن لا يتحملون مشقة الطريق مرة واحدة، بل يُدفعون إلى تكرارها وهم أكثر ضعفًا.
ومن الخطأ التعامل مع هذه الحركة المتكررة كأنها دليل على “اختيار” الناس. في الحقيقة، معظمهم لا يختارون بين بدائل واضحة، بل يتحركون داخل ضباب. يعودون لأنهم يخافون على بيوتهم وأرزاقهم. ينزحون لأنهم يخافون على حياتهم. يبقون في مراكز الإيواء لأنهم لا يملكون بدلًا. يغادرونها لأنهم يخشون فقدان قراهم أو لأن ظروف الإيواء لا تطاق. كل قرار يحمل خسارة، وكل اتجاه يقود إلى قلق جديد.
لذلك، يجب أن يُطرح السؤال الصعب: أين كانت الدولة والجهات المعنية من إدارة هذه الموجات؟ لا يكفي أن تُفتح بعض المراكز بعد وقوع الكارثة. ولا يكفي أن تتحمل البلديات والجمعيات العبء وحدها. في حالات النزوح الواسع والمتكرر، يحتاج الناس إلى قيادة واضحة للأزمة: بيانات يومية، خرائط للمناطق الخطرة، توجيهات للعودة أو عدم العودة، نقاط استقبال على الطرقات، أرقام طوارئ فعالة، لوائح محدثة للنازحين، وخطة لتوزيعهم من دون إذلال أو ارتجال.
غياب هذه العناصر يجعل النزوح عشوائيًا. والعشوائية في الحرب ليست تفصيلًا إداريًا، بل خطر إضافي على حياة الناس. فالمعلومة الخاطئة قد تقتل. والطريق غير المنظم قد يعلق عليه المسنون والمرضى. ومركز الإيواء غير المجهز قد يتحول إلى بؤرة مرض وتوتر. والعودة غير المدروسة قد تعيد العائلة إلى منطقة لا تزال تحت الخطر.
كما أن المطلوب ليس فقط إدارة النزوح لحظة وقوعه، بل إدارة ما بعده. من سيقيّم المنازل المتضررة؟ من سيعلن أي القرى قابلة للعودة؟ من سيؤمّن المياه والكهرباء والاتصالات؟ من سيعوّض الناس؟ من سيضمن أن المدرسة التي تحولت إلى مركز إيواء لا تضيع معها سنة دراسية كاملة؟ من سيحمي النساء والأطفال وكبار السن داخل المراكز؟ من سيهتم بالمرضى الذين لا يستطيعون الانتظار؟
التضامن الأهلي مهم، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن الدولة. المبادرات الفردية تُنقذ يومًا، لكنها لا تبني سياسة نزوح. الجمعيات يمكنها أن توزع مساعدات، لكنها لا تستطيع وحدها تنظيم عودة آمنة. البلديات تستطيع أن تفتح مراكز وتحصي أعدادًا، لكنها لا تملك دائمًا الموارد ولا السلطة ولا الإمكانات. لذلك فإن تحميل المجتمع المحلي كامل العبء هو شكل آخر من أشكال التخلي عن النازحين.
في النهاية، تكشف شهادات النازحين التي جمعها فريق المسمار أن الجنوب لا يعيش موجة نزوح واحدة، بل سلسلة موجات متداخلة خلال زمن قصير. وهذه الموجات ليست مجرد نتيجة للقصف، بل أيضًا نتيجة غياب الوضوح الرسمي والتنظيم الفعلي. الناس لم يكونوا بحاجة إلى التعاطف فقط، بل إلى معلومات، وخطة، وطريق آمن، ومرافق، ووقود، ومراكز مجهزة، وضمانات حقيقية.
النزوح القسري في جنوب لبنان ليس هامشًا من هوامش الحرب. إنه أحد وجوهها المركزية. فالحرب لا تُقاس بعدد الغارات فقط، بل بعدد العائلات التي حملت أغراضها أكثر من مرة، وعدد المسنين الذين علقوا على الطرقات، وعدد الأطفال الذين ناموا في مدارس ليست مدارسهم، وعدد النساء اللواتي فقدن خصوصيتهن وكرامتهن في رحلة هروب غير منظمة.
وإلى أن تكون هناك جهة تتحمل مسؤوليتها بوضوح، سيبقى النازحون يتحركون بين القرى ومراكز الإيواء كما لو أنهم يدورون في حلقة مغلقة. يخرجون خوفًا من القصف، يعودون خوفًا على البيت، ثم ينزحون مجددًا حين يكتشفون أن البيت لم يعد بيتًا، وأن الطريق لم يكن آمنًا، وأن الدولة لم تقل لهم بوضوح ماذا يفعلون.
هذه هي المأساة الأشد قسوة: أن يُترك الناس في الحرب وحدهم، ثم يُطلب منهم أن يعرفوا الطريق.



