في لحظة إقليمية مشحونة، تتقاطع إشارتان تبدوان للوهلة الأولى متناقضتين:
رفض إيران المشاركة في جولة تفاوضية جديدة، مقابل تمديد الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار.
وبين هذين التطورين، عاد الحديث مجددًا عن “تسوية كبرى” تلوح في الأفق، خصوصًا مع انتشار نصوص تتحدث عن اتفاق شامل وشيك.
لكن قراءة هادئة لهذه المؤشرات تقود إلى استنتاج مختلف تمامًا:
لسنا أمام تسوية قريبة، بل أمام إدارة دقيقة للتوتر، حيث يفاوض كل طرف دون أن يقدم التنازل الذي يفتح باب الاتفاق.
أولًا: حين يصبح الغياب أداة تفاوض
رفض إيران المشاركة في جولة ثانية من المفاوضات لا يعني بالضرورة انسحابًا من المسار السياسي، بل قد يكون جزءًا من تكتيك تفاوضي محسوب.
في أدبيات التفاوض، الامتناع عن الحضور يُستخدم أحيانًا لرفع سقف المطالب، أو لإعادة صياغة شروط النقاش.
إيران، التي راكمت خبرة طويلة في التفاوض غير المباشر، تميل إلى إدارة الوقت كأداة ضغط، لا إلى حسم سريع.
وعليه، فإن هذا السلوك لا يشير إلى اقتراب اتفاق، بل إلى محاولة تحسين شروطه، أو حتى تعطيله إذا لم يلبِّ الحد الأدنى من المصالح.
ثانيًا: التهدئة الأمريكية… ضبط إيقاع لا أكثر
في المقابل، جاء قرار الولايات المتحدة بتمديد وقف إطلاق النار ليعطي انطباعًا بأن واشنطن تفسح المجال أمام الدبلوماسية.
لكن هذا التفسير، رغم وجاهته، يبقى ناقصًا.
الأقرب إلى الواقع أن الولايات المتحدة لا تسعى في هذه المرحلة إلى “صفقة كبرى”، بل إلى:
- منع انفجار عسكري واسع
- إبقاء التوتر ضمن حدود يمكن التحكم بها
- شراء الوقت لإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية
بمعنى آخر، التهدئة هنا ليست مقدمة لاتفاق، بل أداة لتفادي التصعيد.
ثالثًا: مفارقة المشهد… تصعيد سياسي وتهدئة ميدانية
ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا هو التناقض الظاهري بين سلوك الطرفين:
- إيران تُصعّد تفاوضيًا عبر الانسحاب من الجولة
- الولايات المتحدة تُهدّئ ميدانيًا عبر تمديد وقف النار
هذا التباين لا يعكس تقاربًا، بل يكشف عن معادلة دقيقة:كل طرف يحاول تحسين موقعه دون أن ينزلق إلى مواجهة مفتوحة.
وهنا تحديدًا تسقط فرضية “الصفقة الوشيكة”، لأن الاتفاقات الكبرى تتطلب عادة تقاربًا متوازيًا، لا حركات متعاكسة.
رابعًا: لماذا لا تنضج التسوية الكبرى؟
رغم كل الحديث عن الحاجة إلى حل شامل لأزمات المنطقة، إلا أن الواقع السياسي لا يدعم هذا المسار حاليًا، لثلاثة أسباب رئيسية:
- غياب الاستعداد لتقديم التنازلات
أي تسوية كبرى تعني تنازلات مؤلمة، ولا يبدو أن أي طرف مستعد لدفع كلفتها الآن.
- تعارض الأجندات الإقليمية
تعدد اللاعبين وتضارب مصالحهم يجعل أي اتفاق شامل عرضة للانهيار قبل ولادته.
- تفضيل إدارة الصراع على حله
القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تميل إلى احتواء الأزمات بدل إنهائها، طالما أنها لا تهدد استقرارًا أوسع.
خامسًا: بين الواقع والتوقعات
ما يجري اليوم لا يشير إلى تحول جذري، بل إلى استمرار نمط مألوف في السياسة الدولية:
تفاوض بطيء، تهدئة مؤقتة، وتصعيد محسوب عند الحاجة.
أما الحديث عن “اتفاق شامل خلال ساعات” أو “تسوية إقليمية كبرى”، فيبقى أقرب إلى التصورات النظرية أو الأدوات الإعلامية، منه إلى الوقائع السياسية.
رغم الضجيج، لا يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب صفقة تاريخية، بل أمام مرحلة من إدارة التوتر المعقد، حيث يوازن كل طرف بين التصعيد والتهدئة دون أن يحسم خياره.
بعبارة أوضح:
ما نراه ليس بداية نهاية الصراع، بل استمرار له بأدوات أكثر حذرًا حيث تُدار الأزمات، لا تُحل.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا:
إذا كانت كل الأطراف تفضّل إدارة الصراع بدل حسمه، فهل نحن أمام استقرار طويل الأمد… أم مجرد تأجيل لانفجار أكبر؟



