في بلدٍ يرزح تحت ضغط الحرب والنزوح والانهيار الإداري، لم تكن إزالة عشرات الخيم المخصصة لإيواء نازحين في الشويفات مجرد حادثة إدارية عابرة، بل تحوّلت إلى قضية رأي عام تختصر جانباً كبيراً من ارتباك الدولة اللبنانية في إدارة ملف النزوح الداخلي.
فبين رواية تتحدث عن مبادرة أهلية هدفت إلى انتشال عائلات هجّرتها الغارات الإسرائلية في جنوب لبنان والضاحية الجنوب لبيروت من الشارع، ورواية مقابلة تؤكد أن ما حصل ليس سوى تطبيق للقانون ومنع لإقامة “مخيّم عشوائي” في منطقة مصنفة غير آمنة، تتكشف قضية أكثر تعقيداً: هل أزيلت الخيم لأن الدولة تحمي النازحين؟ أم لأن الإدارة اللبنانية لا تزال تتعامل مع الكارثة بمنطق رد الفعل لا بمنطق الاستجابة المنظّمة؟
الحادثة التي أثارت الجدل دارت حول أرض خاصة في منطقة الشويفات، حيث جرى العمل على تجهيز مركز إيواء مؤقت للنازحين، قبل أن تتدخل القوى الأمنية وتفكك الخيم بإشارة قضائية من النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر، بحسب ما ورد في أكثر من رواية إعلامية. وفيما اعتبرت المحامية مايا صباغ أن ما جرى استهداف لمبادرة إنسانية، ردّت مصادر قضائية وبلدية الشويفات بأن القرار اتُّخذ لغياب الترخيص من محافظ جبل لبنان، ولأن الموقع المقترح يقع ضمن نطاق مهدد أمنياً.
مبادرة خاصة بدأت من الأرض… وانتهت على يد القوى الأمنية
بحسب رواية المحامية مايا صباغ، فإن المشروع لم يكن مخيماً عشوائياً بالمعنى المتداول، بل مبادرة فردية لأشخاص متبرعين جهّزوا الموقع منذ نحو عشرين يوماً لإيواء نازحين تهجّروا من الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى وتقطعت بهم السبل.
تقول صباغ إن المشروع شمل تجهيز نحو 100 خيمة كبيرة، تتسع كل واحدة منها لعشرة أشخاص، بكلفة تقارب 300 دولار للخيمة الواحدة، إضافة إلى مطبخ مركزي وغرف تموين وحمامات ومياه ساخنة وتيار كهربائي، بما يسمح باستقبال نحو ألف نازح.
هذه المعطيات تعني أن المشروع لم يكن مجرد تجمّع طارئ لخيم متناثرة، بل محاولة لإنشاء مركز إيواء شبه منظم بكلفة أولية مرتفعة نسبياً، ما يدل على وجود تمويل وتخطيط وقدر من التنظيم المسبق. لكن هذا التنظيم لم يكن كافياً، على ما يبدو، لتأمين الغطاء القانوني الكامل.
فوفق صباغ، نسّق صاحب الأرض مع البلدية قبل الشروع في نصب الخيم. إلا أن دورية من قوى الأمن الداخلي، قالت إنها أُرسلت من قبل الرائد ميشال يوسف، حضرت إلى المكان وفككت الخيم. وهنا تبدأ أولى نقاط الالتباس: هل كان هناك فعلاً تنسيق بلدي يرقى إلى مستوى الموافقة؟ أم كان الأمر مجرد تواصل أولي لا يُعتد به قانوناً لفتح مركز إيواء؟
بين “التنسيق” و”الترخيص”: فجوة قانونية صنعت الأزمة
في مقابل رواية أصحاب المبادرة، قدّمت مصادر قضائية وبلدية الشويفات رواية مغايرة، مفادها أن المشروع افتقر إلى الأساس القانوني اللازم.
فبحسب معلومات متقاطعة نشرتها وسائل إعلام عدة، فإن الجهة التي أقامت الخيم لم تحصل على إذن رسمي من محافظ جبل لبنان، وهو المرجع المخوّل بالموافقة على فتح أي مركز إيواء، سواء أكان في مدرسة أو مبنى رسمي أو حتى على عقار خاص.
هذه النقطة جوهرية، لأنها تنقل القضية من خانة “إزالة خيم للنازحين” إلى خانة “إنشاء مركز إيواء خارج الأطر الرسمية”. وبحسب المصدر القضائي، فإن القاضي سامي صادر لم يُعطِ إشارة الإزالة إلا بعد التثبت من عدم وجود ترخيص رسمي، وبعد التواصل مع مالك الأرض الذي لم يكن قد حصل على موافقة المحافظ. وعليه، جاء القرار، وفق هذا المنطق، تنفيذاً للقانون وليس استهدافاً للنازحين.
لكن هذه الحجة، وإن بدت متماسكة من الناحية الإدارية، تفتح سؤالاً أكبر: ماذا فعلت السلطات خلال الفترة التي سبقت تركيب الخيم؟ فإذا كانت المبادرة قائمة منذ نحو عشرين يوماً، وتجهيزاتها كانت كبيرة وواضحة، فلماذا لم تُحسم مسألة الترخيص مبكراً؟ ولماذا تُرك المشروع يتقدم إلى هذا الحد قبل أن يُواجَه بالقوة العامة؟
الخلل هنا لا يقتصر على المبادِرين، بل يطال آلية الدولة نفسها، إذ إن الاستجابة المتأخرة حولت مسألة تنظيمية قابلة للحل إلى مشهد صدامي بين نازحين وقوى أمنية، وأعطت انطباعاً بأن القانون لا يتحرك إلا بعد وقوع الإحراج الإعلامي أو الأمني.
الخطر الأمني: حماية الأرواح أم ذريعة متأخرة؟
العامل الثاني الذي استند إليه قرار إزالة الخيم هو العامل الأمني.
رئيس بلدية الشويفات نضال الجردي شدد على أن الموقع يقع ضمن منطقة سبق أن تعرضت للقصف خلال حرب 2024، وأنها تندرج في “المنطقة الحمراء” المهددة بالاستهداف. ووفق الرواية البلدية، فقد طاول القصف في الحرب الماضية 11 مبنى ومئات الوحدات السكنية في محيط المنطقة، كما أن الأرض المعنية تقع ضمن نطاق العمروسية، وهي من المناطق التي سجلت استهدافات إسرائيلية خلال العدوان السابق.
بلدية الشويفات ذهبت أبعد من ذلك في بيانها، معتبرة أن الحملة على القاضي سامي صادر “مجحفة ومضللة”، وأن قرار منع إقامة المخيم جاء من باب المسؤولية القانونية وحرصاً على حماية الأرواح. وأضافت أن الإجراءات اتخذت بالتنسيق مع الأجهزة المعنية، ومنها فصيلة الشويفات، وأنها تقع حصراً في إطار حفظ الأمن العام وسلامة المواطنين.
لكن في الجهة المقابلة، نفت المحامية صباغ أن تكون المنطقة مهددة بهذا الشكل، وقالت إن الأرض بعيدة عن الأماكن السكنية، وإن الهدف منها تأمين الحد الأدنى من الكرامة لأشخاص ينامون في الشوارع.
هنا أيضاً، لا يظهر الخلاف على الوقائع فقط، بل على تعريف “السلامة”. فهل السلامة تعني منع النازحين من السكن في مكان قد يكون عرضة للقصف، ولو انتهى بهم الأمر بلا مأوى؟ أم تعني إيجاد بديل فوري قبل إزالة أي مركز إيواء غير مرخص؟
هذه هي الثغرة الأبرز في الرواية الرسمية: لو أن الإزالة اقترنت بإحالة النازحين فوراً إلى بدائل جاهزة ومعلنة ومؤمنة، لكان التبرير الأمني أكثر إقناعاً. أما في غياب سردية واضحة حول البديل العملي والفوري، فإن القرار يبدو، في أحسن الأحوال، قانونياً من حيث الشكل، لكنه ناقص إنسانياً من حيث التنفيذ.
هل هناك فعلاً فائض في مراكز الإيواء؟
مصادر قضائية تحدثت عن أن أجهزة الدولة احتضنت النازحين، وأن محافظة جبل لبنان تتمتع بقدرة استيعابية ملحوظة تنفي الحاجة إلى إقامة “مخيمات عشوائية”. كما أشارت معلومات أخرى إلى أن عدداً من مراكز الإيواء لا يزال قادراً على استقبال النازحين، وأن “مدينة كميل شمعون الرياضية” في بيروت لا تزال تستوعب عشرات العائلات.
كذلك، نقل عن وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أن عدد النازحين المسجلين تجاوز مليوناً و162 ألف شخص، وأن عدد مراكز الإيواء المفتوحة بلغ 645 مركزاً تضم نحو 133 ألف شخص، مع تأكيدها أن جميع مراكز الإيواء الرسمية تخضع حصراً لسلطة الدولة، بإدارة وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية وبالتعاون مع الشركاء.
هذه الأرقام لا تنفي الحاجة بالضرورة إلى مبادرات إضافية، بل قد تقول العكس. فإذا كان عدد النازحين المسجلين يتجاوز المليون، فيما لا تضم مراكز الإيواء الرسمية إلا جزءاً محدوداً منهم، فهذا يعني أن العبء الأكبر لا يزال موزعاً على الاستضافة الخاصة، والاستئجار، والتشتت بين المناطق، والنوم في ظروف غير مستقرة.
وعليه، فإن القول بعدم الحاجة إلى مخيمات إضافية يحتاج إلى ما هو أكثر من تصريح. يحتاج إلى كشف شفاف عن نسب الإشغال الفعلية في مراكز جبل لبنان، وأماكنها، ومدى ملاءمتها للعائلات التي هجّرت من الضاحية أو الجنوب، وإمكانية وصولها إليها، وشروط الإقامة فيها.
إلى الآن، لا يبدو أن هذه البيانات وضعت على الطاولة بصورة تفصيلية، ما يجعل الرواية الرسمية ناقصة. فالإدارة الرشيدة للأزمات لا تقوم على نفي الحاجة، بل على إظهار البدائل بالأرقام والخرائط والقدرة التشغيلية.
النازحون بين الطرد من البيوت ومنع الخيم
أخطر ما تكشفه قضية الشويفات ليس فقط إزالة الخيم، بل تزامنها مع تصاعد شكاوى من نازحين عن رفض تأجيرهم أو مطالبتهم بإخلاء الشقق المستأجرة.
إحدى النازحات من صور قالت إنها استأجرت شقة في مطلع الشهر مقابل 1500 دولار، قبل أن يطلب منها مالكها إخلاءها خلال ثلاثة أيام. وأضافت أنها عرضت عليه ألف دولار إضافية شهرياً، إلا أنه أصر على إخراجها، مؤكدة أن حالات مشابهة وقعت مع نازحين آخرين في المنطقة. السبب، بحسب روايات متداولة، هو خوف بعض مالكي العقارات من أن يؤدي وجود نازحين إلى رفع مخاطر الاستهداف الإسرائيلي أو إلى مشاكل أمنية واجتماعية.
هذه الوقائع تضع الدولة أمام مشهد شديد القسوة: نازحون يُدفعون من سوق الإيجار، ويُمنعون من إقامة مراكز بديلة خارج الأطر الرسمية، في وقت لا توجد فيه ضمانات معلنة تكفي لإقناعهم بأن البدائل الرسمية متاحة فعلاً وكافية ومناسبة.
وهذا بالضبط ما يحول أزمة تنظيمية إلى أزمة ثقة. فحين يشعر النازح أن كل الأبواب تُقفل تباعاً، يصبح القانون بالنسبة إليه أداة إقصاء لا أداة حماية.
من المسؤول فعلياً: القضاء أم الإدارة أم البلدية؟
تُظهر المعطيات أن المسؤولية في هذه القضية موزعة على أكثر من جهة، ولا يمكن اختزالها باسم القاضي سامي صادر وحده، كما لا يمكن إعفاء القضاء كلياً من أثر القرار.
فالقضاء، بحسب الرواية الرسمية، تصرف بناءً على غياب الترخيص ومقتضيات السلامة العامة. لكن السلطة التنفيذية المحلية، ممثلة بالمحافظة والبلدية ووحدات إدارة الكوارث، مسؤولة عن عدم إنتاج حل مبكر وواضح قبل الوصول إلى مشهد الإزالة.
البلدية تقول إنها أبدت استعداداً للتعاون، ثم رفضت الموقع بعد اعتبار المنطقة غير آمنة. وأصحاب المبادرة يقولون إن تنسيقاً حصل معها. هذا يعني أن هناك على الأقل مرحلة رمادية من التفاهم غير المكتمل أو الموافقة غير الرسمية أو التقدير المتغير للمخاطر.
أما المحافظة، التي يفترض أنها المرجع النهائي للترخيص، فلم يظهر في الوقائع المتداولة أنها حسمت المسألة سريعاً أو طرحت بديلاً واضحاً ومباشراً قبل تفكيك الخيم.
في المقابل، تبدو الدولة حريصة على التشديد على مبدأ مركزي: مراكز الإيواء الرسمية يجب أن تبقى تحت سلطتها الحصرية. وهذا مفهوم من ناحية الأمن والإدارة وتوزيع المساعدات. غير أن هذا الاحتكار، إذا لم يُقرن بسرعة استجابة وكفاءة تشغيل ومرونة ميدانية، يتحول إلى سبب إضافي للفوضى بدل أن يكون علاجاً لها.
ما الذي لا تقوله الروايات المتداولة؟
ثمة أسئلة أساسية لا تزال بلا إجابات واضحة:
أولاً، هل وُجّه إلى أصحاب الأرض والمبادرة إنذار خطي أو مهلة واضحة لتسوية الوضع القانوني قبل الإزالة؟
ثانياً، ما هي المراسلات التي حصلت فعلياً بين صاحب الأرض والبلدية والمحافظة؟ وهل توجد مستندات تثبت وجود طلب رسمي أو رفض رسمي؟
ثالثاً، إذا كانت المنطقة خطرة إلى هذا الحد، فهل توجد خرائط أو تقارير أمنية رسمية تُظهر تصنيفها؟
رابعاً، أين كان سيذهب النازحون الذين كان من المفترض أن يستقبلهم الموقع؟ وهل عُرضت عليهم بدائل محددة؟
خامساً، هل يملك المحافظ أو وزارة الشؤون الاجتماعية خطة استباقية لاحتواء مبادرات أهلية مشابهة بدل تركها تتولد ثم الاصطدام بها؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلاً. هي جوهر التحقيق. فالقضية في ظاهرها نزاع حول خيم، لكنها في عمقها تكشف فجوة بين المجتمع الذي يتحرك بسرعة تحت ضغط الكارثة، والدولة التي لا تتحرك إلا من خلال المنع والتنظيم المتأخر.
في جوهر القضية: إدارة النزوح أم إدارة الانطباع؟
بدا لافتاً في تصريحات بعض المصادر القضائية التشديد على ضرورة “عدم تضخيم الموضوع” واعتبار تداوله استغلالاً لمشاعر المواطنين وآلامهم. غير أن هذا النوع من الخطاب غالباً ما يأتي بنتيجة عكسية.
فالناس لا تتفاعل مع “الانطباع” بل مع المشهد: خيم تُنصب لإيواء نازحين ثم تُفكك بقوة أمنية. ومهما كانت التبريرات القانونية، فإن صورة الإزالة ستبقى أقوى من البيان، ما لم تُدعّم بخطة شفافة تظهر بوضوح أين سيسكن هؤلاء النازحون وكيف ستُصان كرامتهم.
السلطة هنا ارتكبت خطأ سياسياً وإدارياً حتى لو كانت تملك حجة قانونية. لأنها سمحت بتكون مشهد صدامي من دون أن تسبقَه أو ترافقه بسردية متماسكة حول البديل. وفي المقابل، فإن أصحاب المبادرة، مهما كانت نياتهم إنسانية، يتحملون أيضاً مسؤولية الدفع بمشروع كبير من هذا النوع قبل استكمال الغطاء القانوني الكامل، خصوصاً في ظرف أمني حساس.
خيم الشويفات ليست تفصيلاً
قضية الشويفات ليست سجالاً بين محامية وقاضٍ، ولا خلافاً تقنياً على ترخيص إداري. إنها اختبار مكثف لطريقة تعاطي الدولة اللبنانية مع النزوح الداخلي في زمن الحرب:
هل المطلوب فقط منع الفوضى؟ أم منع الفوضى وتأمين بديل سريع وشفاف وآمن؟
هل يكفي التذرع بالقانون عندما يبيت الناس في العراء؟ أم أن إنفاذ القانون نفسه يفترض أن يترافق مع مسؤولية إنسانية مباشرة؟
وهل تحتكر الدولة تنظيم الإيواء لأنها قادرة فعلاً على الاستيعاب، أم لأنها تريد فقط ضبط المجال العام ولو على حساب مبادرات المجتمع؟
ما جرى في الشويفات يكشف أن المعضلة ليست في وجود القانون، بل في غياب الإدارة الفعالة التي تجعل القانون وسيلة حماية لا أداة صدام. وبين خيم أزيلت، ونازحين يُطردون من بيوت مستأجرة، وبلدية تتحدث عن الخطر، وقضاء يتحدث عن الأصول، يبقى السؤال الأهم معلّقاً:
من يحمي النازحين فعلياً عندما تتعارض النصوص مع الحاجة الفورية إلى مأوى؟



