أعاد إقرار مجلس النواب تخصيص 200 مليار ليرة لبنانية لصندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة ملف حقوق آلاف المعلمين المتقاعدين إلى واجهة النقاش، بعدما بدا القرار بمثابة جرعة دعم جديدة للصندوق الذي يواجه عجزاً مالياً متراكماً. إلا أن الأرقام والتصريحات الصادرة عن الجهات المعنية تطرح سؤالاً أساسياً: هل يشكّل هذا التمويل حلاً للأزمة، أم أنه مجرد إجراء مؤقت يؤجل انفجارها؟
تمويل جديد… لكنه لا يكفي
أقرّ مجلس النواب في جلسته الأخيرة منح صندوق التعويضات مبلغ 200 مليار ليرة بهدف المساهمة في تغطية العجز وتأمين استمرار دفع مستحقات المتقاعدين.
لكن نقيب المعلمين في المدارس الخاصة، نعمه محفوض، يعتبر أن المبلغ لا يعالج أصل المشكلة، بل يوفّر هامشاً زمنياً محدوداً لاستمرار الدفع. ووفق المعطيات التي عرضها، فإن المبلغ لا يغطي سوى ما يقارب شهر ونصف من رواتب المتقاعدين على امتداد سنة كاملة، في وقت ارتفعت قيمة الرواتب الشهرية التي تتراوح حالياً بين 150 و400 دولار للأستاذ المتقاعد، نتيجة تعديل قيمة التعويضات وتراجع سعر صرف الليرة.
هذه المقارنة تكتسب أهمية عند العودة إلى قرار سابق لمجلس النواب، صدر في 15 كانون الأول 2023، حين خُصص للصندوق مبلغ 650 مليار ليرة، وكانت هذه القيمة تكفي آنذاك لتغطية رواتب نحو خمسة آلاف متقاعد لمدة سنة كاملة. أما اليوم، فإن القيمة نفسها، بفعل انهيار القدرة الشرائية، لم تعد تكفي إلا لنحو خمسة أشهر، ما يكشف حجم التآكل الذي أصاب التمويل العام.
الأزمة أعمق من الدعم الحكومي
تكشف هذه الأرقام أن الأزمة لا ترتبط فقط بحجم المبالغ التي تخصصها الدولة، بل بغياب آلية تمويل مستدامة لصندوق يعتمد في الأساس على اشتراكات المدارس الخاصة إضافة إلى مساهمة الدولة.
ومع استمرار التضخم وارتفاع كلفة التعويضات، باتت المساعدات الاستثنائية تفقد فعاليتها سريعاً، إذ تتآكل قيمتها قبل أن تحقق الغاية التي رُصدت من أجلها.
ويؤكد محفوض أن النقابة ستتابع مع وزارة المال إجراءات تحويل المبلغ الذي أقره المجلس بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية، في محاولة لتأمين استمرارية دفع المستحقات في المدى القريب.
200 مدرسة خارج دائرة الالتزام
في موازاة أزمة التمويل، تظهر مشكلة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في عدم التزام عدد من المدارس الخاصة بتسديد مساهماتها للصندوق.
وبحسب نقابة المعلمين، فإن نحو 200 مدرسة لم تسدد المتوجبات المالية المترتبة عليها منذ بداية العام الدراسي، وهو رقم يطرح تساؤلات حول حجم الأموال غير المحصلة وتأثيرها المباشر على قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته.
ويؤكد محفوض أن هذا التأخر لا يمكن ربطه حصراً بالظروف الأمنية أو الاقتصادية الأخيرة، مشيراً إلى أن المشكلة كانت قائمة قبل الحرب، ما يعني أن الأزمة تحمل بعداً إدارياً ورقابياً إلى جانب بعدها المالي.
أين الرقابة؟
من أبرز النقاط التي تثير علامات الاستفهام، مسألة قبول موازنات بعض المدارس الخاصة رغم عدم تسديدها مستحقات صندوق التعويضات.
وتقول نقابة المعلمين إنها رفعت أسماء المدارس المتخلفة إلى وزارة التربية، مطالبة بتوضيح كيفية المصادقة على موازناتها من دون إبراز “براءة ذمة” من الصندوق، وهي الوثيقة التي يفترض أن تثبت تسديد جميع الالتزامات المالية.
وفي حال ثبوت حصول مدارس على الموافقات اللازمة رغم غياب هذه البراءة، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى تطبيق القوانين وآليات الرقابة الإدارية على المؤسسات التعليمية الخاصة.
مسؤولية مشتركة
خلال مناقشات المجلس النيابي، دعا النائب إدغار طرابلسي وزارة المال إلى استكمال مساهماتها المالية لدعم الصندوق، في وقت شدد عدد من النواب على أن المدارس الخاصة مطالبة أيضاً بالوفاء بالتزاماتها المالية، لأن استمرار تحميل الدولة وحدها كلفة الإنقاذ لن يكون كافياً لضمان استدامة الصندوق.
ويشير هذا الطرح إلى أن الأزمة لا يمكن معالجتها عبر ضخ أموال عامة بصورة متكررة، ما لم تُستكمل بتحصيل الاشتراكات المستحقة وتعزيز الرقابة على المؤسسات الملزمة بالدفع.
أسئلة لا تزال بلا إجابات
ورغم إقرار التمويل الجديد، تبقى مجموعة من الأسئلة مفتوحة:
- ما القيمة الإجمالية للمتوجبات غير المسددة من المدارس الخاصة؟
- ما الإجراءات التي اتخذتها وزارتا التربية والمال لتحصيل هذه الأموال؟
- هل فُرضت أي عقوبات على المدارس المتخلفة عن الدفع؟
- كيف قُبلت موازنات بعض المدارس في حال لم تكن قد حصلت على براءة ذمة من صندوق التعويضات؟
- وهل تملك الحكومة خطة مستدامة لإنقاذ الصندوق، أم أن سياسة التمويل الاستثنائي ستستمر مع كل أزمة؟
يمنح مبلغ الـ200 مليار ليرة صندوق تعويضات معلمي المدارس الخاصة فرصة محدودة للاستمرار في دفع مستحقات المتقاعدين، لكنه لا يعالج جذور الأزمة. فالعجز المالي، وتراجع قيمة العملة، وعدم التزام مئات المدارس بتسديد مساهماتها، إضافة إلى التساؤلات حول فعالية الرقابة، تجعل من الملف قضية تتجاوز مجرد تأمين دفعة مالية جديدة.
وبين الدعم الرسمي والواجبات غير المسددة، يبقى آلاف المعلمين المتقاعدين الحلقة الأكثر هشاشة، فيما ينتظر الصندوق إصلاحات مالية وإدارية تعيد إليه القدرة على الاستمرار بعيداً عن الحلول المؤقتة.




