خلال فترة زمنية قصيرة، توالت أخبار الزلازل من مناطق متباعدة من العالم؛ هزات قوية، مبانٍ تنهار في ثوانٍ، طرق تتشقق، وسكان يفرون إلى الشوارع بينما تتناقل الهواتف ومواقع التواصل صور الكارثة لحظة بلحظة.
ومع تكرار هذه المشاهد، يبدو السؤال طبيعيًا: هل دخل كوكب الأرض فعلًا مرحلة جديدة من النشاط الزلزالي المتصاعد؟
قد يوحي المشهد بذلك، لكن الإجابة العلمية أكثر تعقيدًا. فالسجلات الزلزالية طويلة المدى لا تقدم دليلًا واضحًا على أن الزلازل الكبرى أصبحت أكثر عددًا على المستوى العالمي. ما تغير بصورة أكثر وضوحًا هو شيء آخر: عدد البشر المعرضين للخطر، وكثافة المدن المقامة في مناطق زلزالية، وقيمة البنية التحتية الموجودة فوق الصدوع، إضافة إلى قدرتنا غير المسبوقة على معرفة ما يحدث في أي مكان من العالم خلال دقائق.
بعبارة أخرى، ربما لم تصبح الأرض أكثر عنفًا، لكن عواقب اهتزازها أصبحت أكبر وأكثر حضورًا في حياتنا.
الأرقام لا ترى «موجة زلزالية»
لفهم الصورة ينبغي أولًا فصل الانطباع عن الإحصاء.
بحسب البيانات الواردة في السجلات الزلزالية طويلة المدى، يدور المتوسط العالمي للزلازل الكبيرة حول 16 زلزالًا سنويًا؛ معظمها بقوة تقارب 7 درجات، مع توقع وقوع زلزال واحد تقريبًا بقوة 8 درجات أو أكثر في المتوسط.
لكن كلمة «متوسط» هنا مهمة للغاية.
فالزلازل لا تحدث وفق جدول منتظم. قد يشهد عام واحد عددًا كبيرًا نسبيًا من الزلازل القوية، ثم يأتي عام آخر أكثر هدوءًا. ففي بعض السنوات تجاوز عدد الزلازل الكبرى العشرين، بينما انخفض في سنوات أخرى إلى أرقام أحادية، من دون أن يشير ذلك بالضرورة إلى تحول جذري في النشاط الجيولوجي للكوكب.
وعند مقارنة العقود الأخيرة، لا يظهر اتجاه تصاعدي ثابت للزلازل الكبرى. فقد بلغ متوسط الزلازل الكبيرة السنوي نحو 14.5 خلال العقد الأول من القرن الحالي، ثم ارتفع إلى نحو 16.1 في العقد التالي، قبل أن يعود إلى قرابة 14 في العقد الحالي حتى الآن. وتظهر الاتجاهات نفسها تقريبًا عند دراسة الزلازل التي تتجاوز قوتها 6 درجات.
هذه التذبذبات هي بالضبط ما يتوقعه علماء الزلازل من ظاهرة طبيعية غير منتظمة.
ومن هنا تأتي إحدى أهم قواعد قراءة البيانات الزلزالية: لا يمكن الحكم على سلوك الأرض من عام واحد، ولا حتى من عدة سنوات متتالية. المطلوب هو دراسة سجلات تمتد لعقود طويلة قبل الحديث عن تغير حقيقي في معدل النشاط العالمي.
لماذا نرصد زلازل أكثر إذن؟
هناك بالفعل نوع من الزيادة يظهر بوضوح في قواعد البيانات: عدد الزلازل الصغيرة المسجلة.
لكن تفسير ذلك لا يكمن بالضرورة تحت أقدامنا، بل في الأجهزة التي نستخدمها.
خلال العقود الماضية توسعت شبكات الرصد الزلزالي، وتحسنت حساسية أجهزة القياس، وأصبحت المحطات قادرة على التقاط هزات صغيرة كان من الممكن أن تمر من دون تسجيل قبل عقود.
لذلك فإن وجود عدد أكبر من الزلازل في الفهارس الحديثة لا يعني تلقائيًا أن الأرض تنتج زلازل أكثر، وإنما يعني في جزء كبير منه أننا أصبحنا أفضل في اكتشافها.
وتشير المادة العلمية إلى أن عدد الزلازل التي تبلغ قوتها 4 درجات أو أكثر ارتفع في السجلات الحديثة، بالتوازي مع التحسن المستمر في أدوات الرصد وعدد المحطات المنتشرة حول العالم.
وهذه نقطة أساسية في تفسير كثير من الظواهر العلمية: زيادة عدد الحالات المسجلة قد تعكس تحسنًا في القياس، لا زيادة حقيقية في الظاهرة نفسها.
العالم قد لا ينشط زلزاليًا.. لكن منطقة بعينها قد تفعل
عدم وجود زيادة عالمية لا يعني أن كل منطقة على الأرض تحافظ دائمًا على مستوى الخطر نفسه.
فالزلازل ترتبط أساسًا بحركة الصفائح والصدوع الجيولوجية. والصدع هو كسر في القشرة الأرضية تتحرك الصخور على جانبيه، لكنها قد تعلق نتيجة الاحتكاك. خلال تلك الفترة يستمر الإجهاد في التراكم، إلى أن تتجاوز القوى قدرة الصخور على المقاومة، فيحدث الانزلاق المفاجئ ويتحرر جزء من الطاقة في صورة زلزال.
والأهم أن وقوع زلزال قد يغير توزيع الإجهاد في المناطق المحيطة به. فقد يخفف الضغط في جزء من الصدع، لكنه في الوقت نفسه قد يزيده في جزء آخر.
لهذا قد تشهد منطقة محددة سلسلة من الزلازل المتتابعة أو انتقالًا تدريجيًا للنشاط على طول أحد الصدوع، من دون أن يعني ذلك أن الكوكب بأكمله أصبح أكثر نشاطًا.
المثال الذي تعرضه المادة هو صدع شمال الأناضول في تركيا، حيث تحركت الزلازل الكبرى تاريخيًا على امتداد أجزاء مختلفة من الصدع، فيما تشير الدراسات الحديثة إلى ضرورة مراقبة انتقال الإجهاد نحو مناطق أخرى مجاورة.
إذن، من الناحية العلمية، يمكن أن يتغير الخطر المحلي، بينما يبقى المعدل العالمي مستقرًا نسبيًا.
وهذا فارق جوهري كثيرًا ما يضيع في التغطية العامة للكوارث.
الزلزال ليس هو الكارثة
ربما تكمن أهم نقطة لفهم تصاعد الخسائر في التمييز بين مفهومين غالبًا ما يُستخدمان كما لو كانا شيئًا واحدًا: الزلزال والكارثة.
الزلزال ظاهرة فيزيائية.
أما الكارثة فهي نتيجة اجتماعية وعمرانية واقتصادية لهذا الحدث.
يمكن لزلزال شديد أن يقع في منطقة نائية ولا يقتل أحدًا، بينما قد ينتج زلزال أقل قوة كارثة ضخمة إذا وقع تحت مدينة مكتظة بالسكان، مليئة بالمباني الهشة وشبكات الطرق والجسور والمستشفيات.
لهذا لا تتحدد الخسائر بقوة الزلزال وحدها، وإنما بتفاعل ثلاثة عناصر رئيسية: شدة الخطر، وحجم التعرض، ومستوى الهشاشة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية للعالم الحديث.
فخلال العقود الماضية، ارتفع عدد السكان في المناطق المعرضة للزلازل بصورة كبيرة، كما توسعت المدن أفقيًا وعموديًا، وأصبح عدد هائل من البشر والمنشآت والبنى التحتية متركزًا فوق مناطق عرفت النشاط التكتوني منذ آلاف أو ملايين السنين.
وبين عامي 1990 و2015، تشير البيانات الواردة في المادة إلى ارتفاع عدد السكان الذين يعيشون داخل مناطق الخطر الزلزالي من نحو 1.08 مليار إلى 1.51 مليار إنسان، أي بزيادة تقارب 40%، بالتزامن مع توسع عمراني بلغ نحو 69%.
وهكذا، حتى إذا بقي احتمال وقوع الزلزال كما هو، فإن عدد الأشخاص والأصول المعرضة له يرتفع.
الصدوع التي جذبت البشر
لكن هناك مفارقة تاريخية أكثر إثارة.
كثير من المناطق الزلزالية لم تصبح مأهولة بالسكان «رغم» طبيعتها الجيولوجية، بل جزئيًا بسببها.
فالحركات التكتونية التي تصنع الصدوع ترفع الجبال، وتشكل الأحواض والوديان، وتؤثر في المياه الجوفية والأنهار، وقد تخلق ممرات طبيعية للتجارة والتنقل.
كانت تلك الخصائص مغرية للمستوطنات البشرية القديمة.
نشأت قرى، ثم بلدات، ثم مدن فوق مناطق وفرت لها الجغرافيا موارد ومزايا اقتصادية مهمة. وبعد قرون تحولت بعض تلك المستوطنات إلى تجمعات حضرية يسكنها ملايين البشر.
وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ«الجاذبية القاتلة»: المزايا التي جذبت البشر إلى تلك المناطق هي نفسها مرتبطة بعمليات جيولوجية تجعلها معرضة للزلازل.
الصدع قد ينتظر قرنًا أو أكثر قبل أن ينتج زلزالًا مدمرًا جديدًا، لكن المدينة الموجودة فوقه لا تنتظر. خلال المدة نفسها قد يتضاعف عدد سكانها عدة مرات، وترتفع الأبراج، وتمتد الطرق والجسور وخطوط الكهرباء والغاز والمياه.
وعندما يعود الزلزال، فإنه لا يجد القرية القديمة التي واجهته آخر مرة، وإنما مدينة ضخمة أكثر تعقيدًا وكلفة.
عندما تتحول الهندسة إلى مسألة حياة أو موت
لكن النمو السكاني لا يشرح وحده حجم الكوارث.
فزلزال بالقوة نفسها يمكن أن ينتج نتائج مختلفة جذريًا في مدينتين مختلفتين، والسبب الرئيسي هو نوعية البناء ومدى الالتزام بالمعايير الهندسية.
لقد تطورت هندسة مقاومة الزلازل بصورة هائلة. ويستطيع المهندسون اليوم تصميم مبانٍ تتحمل مستويات كبيرة من الحركة الأرضية عبر أنظمة إنشائية تسمح للمبنى بالتشوه وامتصاص الطاقة من دون انهيار كارثي.
لكن امتلاك المعرفة شيء، وتطبيقها شيء آخر.
المشكلة تظهر عندما توجد أكواد بناء جيدة على الورق، بينما تضعف الرقابة أثناء التنفيذ، أو تستخدم مواد رديئة، أو تُعدل المباني بطرق غير مدروسة، أو تسمح السلطات بتسوية مخالفات إنشائية بدل إصلاحها.
وفي مثل هذه الحالات لا يصبح السؤال: «كم كانت قوة الزلزال؟» فقط، وإنما: ماذا وجد الزلزال أمامه عندما وصل؟
وقد أظهرت دراسات لعدد من الكوارث الزلزالية أن سوء التفاصيل الإنشائية، وضعف التنفيذ، والمباني غير المسلحة أو سيئة التصميم، وعدم الالتزام بأكواد البناء يمكن أن يضاعف الخسائر البشرية بصورة هائلة.
لذلك فإن الزلازل لا تقتل بالقوة نفسها في كل مكان.
جزء كبير من الخسائر تحدده القرارات التي اتخذت قبل الكارثة بسنوات أو عقود: مكان البناء، وطريقة التصميم، ومستوى الرقابة، والاستثمار في البنية التحتية، واستعداد أجهزة الطوارئ.
دماغنا أيضًا جزء من القصة
تبقى مشكلة أخرى لا علاقة لها بالصفائح التكتونية، وإنما بعلم النفس.
عندما نحاول تقدير مدى شيوع حدث ما، لا يقوم الدماغ عادة بإجراء تحليل إحصائي دقيق. بل يعتمد بصورة تلقائية على الأمثلة التي يستطيع استدعاءها بسهولة من الذاكرة.
ويُعرف هذا النمط من التفكير في علم النفس باسم الاستدلال بالمتاح.
الأحداث المخيفة والحديثة والمصحوبة بصور قوية تبقى في الذاكرة أكثر من الأحداث العادية. ولذلك قد يبدو لنا الشيء أكثر شيوعًا ببساطة لأننا نستطيع تذكر أمثلة كثيرة عنه.
والزلازل نموذج مثالي.
مشهد برج يهتز، أو بناية تنهار، أو شارع ينشق أمام كاميرا هاتف يمكن أن يبقى في الذاكرة لسنوات. أما جدول إحصائي يخبرنا أن المتوسط طويل المدى لم يتغير كثيرًا، فمن الصعب أن يترك التأثير العاطفي نفسه.
الهاتف الذكي غيّر حجم العالم
قبل نصف قرن، كان زلزال يقع على الجانب الآخر من الكوكب يحتاج إلى أن يكون استثنائيًا كي يصل إلى نشرات الأخبار العالمية.
أما اليوم، فبعد دقائق من وقوع أي هزة مهمة، يصل إشعار إلى الهاتف. تظهر الخرائط، ثم الصور، ثم مقاطع الفيديو، ثم تحليلات المختصين، وبعدها تبدأ خوارزميات التواصل الاجتماعي في اقتراح المزيد من المحتوى المشابه.
وهنا يحدث شيء مثير للاهتمام.
قد يشاهد المستخدم خلال دقائق مقطعًا لزلزال وقع اليوم، ثم فيديو لزلزال حدث قبل عدة أشهر، ثم مشاهد لكارثة تعود إلى سنوات، ثم قائمة بعنوان «أقوى الزلازل في الفترة الأخيرة».
الأحداث كلها حقيقية، لكن طريقة عرضها تضغط الزمن والجغرافيا في شاشة واحدة.
وهكذا تبدو زلازل حدثت في قارات مختلفة وفي سنوات مختلفة كما لو أنها سلسلة متلاحقة تقع أمامنا الآن.
إننا لا نعيش فقط في عالم تصلنا فيه الأخبار بسرعة أكبر، بل في عالم تستطيع فيه الخوارزميات أن تزيد كثافة نوع معين من الأخبار في تجربتنا الشخصية.
الأرض لم تتغير وحدها.. نحن تغيرنا
لهذا ربما يكون السؤال الصحيح مختلفًا.
بدل أن نسأل: «لماذا أصبحت الأرض أكثر غضبًا؟» ربما ينبغي أن نسأل: لماذا أصبحت المجتمعات البشرية أكثر حساسية لغضبها؟
على مدار التاريخ الجيولوجي، استمرت الصفائح في الحركة، واستمرت الصدوع في تخزين الطاقة وإطلاقها. لكن فوق تلك الصدوع تغير العالم البشري جذريًا.
ازداد عدد السكان.
توسعت المدن.
ارتفعت الأبراج.
تشابكت شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمواصلات.
أصبح انهيار جسر واحد قادرًا على تعطيل مدينة، وانقطاع مستشفى واحد قادرًا على مضاعفة آثار الكارثة.
وفي الوقت نفسه، أصبح مليارات البشر يحملون كاميرات متصلة بشبكة عالمية تستطيع تحويل أي حدث محلي إلى تجربة يشاهدها العالم كله خلال دقائق.
لذلك فإن الأخبار الكثيرة عن الزلازل لا تعني بالضرورة أننا نشهد كوكبًا أكثر نشاطًا، بل تكشف عن ثلاثة تحولات أخرى أكثر وضوحًا: قدرتنا على الرصد تحسنت، تعرضنا للكوارث ازداد، ووعينا بها أصبح عالميًا وفوريًا.
ومن هنا تأتي الخلاصة الأهم: لا يمكن للبشر منع حركة الصفائح التكتونية، لكنهم يستطيعون منع جزء كبير من الكارثة.
لا نستطيع إيقاف الزلزال، لكن يمكن تحسين أكواد البناء وتطبيقها، وتدعيم المنشآت القديمة، وتنظيم التوسع العمراني، وإعداد خطط الطوارئ، وتطوير نظم الإنذار والاستجابة، وتعليم السكان كيفية التصرف.
فالخطر الجيولوجي تصنعه الأرض، أما حجم الكارثة فيشارك البشر في صناعته.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأكثر أهمية في السنوات المقبلة هو ما إذا كانت الزلازل ستزداد.
بل: هل ستصبح مدننا أكثر استعدادًا عندما يأتي الزلزال التالي؟





