في وقت تختفي فيه لغة من العالم كل أسبوعين، أطلق المجلس الدولي لكتب اليافعين «إيبي»، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، مبادرة دولية تستعين بكتب الأطفال واليافعين لحماية اللغات الأصلية والمهددة بالاندثار، وتعزيز انتقالها من جيل إلى آخر.
في مواجهة سباق متسارع بين الزمن واختفاء جزء من الذاكرة اللغوية للبشرية، تتجه مؤسسات ثقافية دولية إلى الأطفال بوصفهم أحد أهم مفاتيح بقاء اللغات واستمرارها. فمن خلال الكتاب والحكاية والصورة، تسعى مبادرة أطلقها المجلس الدولي لكتب اليافعين «إيبي» بالتعاون مع «اليونسكو» إلى منح عشرات اللغات المهددة مساحة جديدة للحضور، وإعادة إدخالها إلى الحياة اليومية والتعليم والإنتاج الثقافي.
وجاء إطلاق المبادرة في إطار المؤتمر العالمي الـ40 للمجلس الدولي لكتب اليافعين، الذي انعقد في العاصمة الكندية أوتاوا بين 6 و9 آب/أغسطس الجاري، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من فقدان نسبة كبيرة من التنوع اللغوي العالمي خلال العقود المقبلة.
وبحسب تقرير لـ«اليونسكو» حول التعليم المتعدد اللغات صدر عام 2025، يفقد العالم لغة واحدة كل أسبوعين، في ظاهرة ترتبط بجملة من العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، من بينها الاستعمار والعولمة والتحولات الديمغرافية، إلى جانب ترسيخ نموذج الدولة المتجانسة القائمة على ثقافة ولغة مهيمنتين.
ويضاف إلى ذلك تراجع أعداد المتحدثين ببعض اللغات إلى مستويات حرجة، ولا سيما في المجتمعات التي يغلب عليها كبار السن، حيث تصبح عملية نقل اللغة شفهياً إلى الأجيال الجديدة أكثر صعوبة، ما يهدد بانقطاع السلسلة اللغوية بالكامل.
لغة لا يتقنها سوى شخص واحد
وتكشف بعض الحالات حجم الخطر الذي تواجهه لغات بعينها. ففي غربي نيبال، على سبيل المثال، تواجه لغة «كوسوندا»، التي يتحدث بها أبناء الشعب الذي يحمل الاسم نفسه، احتمال الاختفاء بعدما بقي شخص واحد فقط يتقنها بطلاقة.
وتكتسب «كوسوندا» أهمية خاصة في الدراسات اللغوية، إذ تُصنف ضمن ما يعرف بـ«اللغات المعزولة»، أي تلك التي لم يثبت ارتباطها بعائلة لغوية أخرى. وبالتالي، فإن اختفاءها لا يعني فقدان وسيلة للتواصل فحسب، بل ضياع نظام لغوي مستقل يحمل في داخله تاريخاً وطريقة فريدة في توصيف العالم وفهمه.
ولا تقتصر المشكلة على اللغات التي وصل عدد متحدثيها إلى أفراد معدودين. فبحسب بيانات «اليونسكو»، يوجد اليوم نحو 7 آلاف لغة منطوقة أو لغة إشارة مستخدمة حول العالم، بينما لا يتجاوز عدد اللغات المستخدمة وسيطاً في التعليم 351 لغة.
وتبرز هذه الفجوة بوصفها أحد أكبر التحديات أمام استمرارية اللغات الأقل انتشاراً، إذ إن غياب اللغة عن المدرسة والكتاب ووسائل المعرفة الحديثة يؤدي تدريجياً إلى تراجع استخدامها، حتى داخل المجتمعات التي نشأت فيها.
169 كتاباً بأكثر من 150 لغة
في هذا السياق، اختار المجلس الدولي لكتب اليافعين 169 كتاباً من بين أكثر من 500 ترشيح ضمن المبادرة الجديدة، وتغطي الأعمال المختارة أكثر من 150 لغة.
والهدف لا يقتصر على جمع الكتب وحفظها، بل يمتد إلى إتاحتها رقمياً وتعزيز استخدامها، خصوصاً في قطاع التعليم، بحيث تصبح المادة المكتوبة باللغات الأصلية والمهددة أكثر قرباً من الأطفال والمدرسين والمجتمعات المحلية.
وتشمل المجموعة كتباً مصورة وروايات وسيراً وروايات مصورة وأعمالاً غير روائية صدرت بين عامي 2018 و2025، على أن تكون منشورة بلغة أصلية أو مهددة بالاندثار، أو ضمن طبعات ثنائية اللغة تتضمن إحداها لغة من هذه الفئة.
ومن بين الأعمال المختارة كتاب «السلحفاة والنعامة»، وهو حكاية شعبية مكتوبة بلغة «نوو»، إحدى أقدم لغات شعوب السان الأصليين في جنوب أفريقيا.
كما تضم المجموعة كتاب «تامارا: حكاية النمل الأبيض في أرض غوريندجي»، المكتوب بلغة «غوريندجي»، وهي لغة لا يزال يتحدث بها نحو 50 شخصاً في شمال أستراليا.
وتظهر هذه النماذج أن الكتاب يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز القراءة والترفيه، ليصبح أداة لتوثيق اللغة وحفظ مفرداتها وأساليبها السردية، فضلاً عن إتاحة استخدامها أمام جيل جديد قد لا يسمعها بصورة منتظمة في المدرسة أو المجال العام.
الكتاب وسيلة لنقل اللغة بين الأجيال
وتقوم الفكرة الأساسية للمبادرة على أن بقاء اللغة مرتبط بقدرتها على الانتقال إلى الأطفال، لا بمجرد توثيقها في الأرشيفات والقواميس.
فاللغة التي لا تستخدم في القصص والأغاني والتعليم والحياة اليومية، حتى وإن كانت موثقة أكاديمياً، تبقى معرضة للتحول إلى مادة تاريخية بدلاً من كونها لغة حية.
ومن هنا تركز المبادرة على تشجيع تأليف ونشر كتب الأطفال باللغات الأصلية، وإعطائها حضوراً أكبر في البيئات التعليمية والثقافية. فالطفل الذي يجد لغته الأم في كتاب مصور أو قصة أو رواية لا يتعلم الكلمات وحدها، بل يرى لغته باعتبارها لغة قابلة للقراءة والكتابة والإبداع وإنتاج المعرفة.
وتكتسب هذه المسألة بعداً إضافياً لدى الشعوب الأصلية، التي لا تتجاوز نسبتها 6% من سكان العالم، لكنها تتحدث أكثر من 4 آلاف لغة، وفق بيانات أوردها المجلس الدولي لكتب اليافعين.
وبذلك، فإن جزءاً كبيراً من التنوع اللغوي العالمي يتركز داخل مجتمعات محدودة العدد، غالباً ما تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية وثقافية تهدد استمرارية لغاتها.
من باريس إلى فرانكفورت وبولونيا
وترتبط الكتب التي اختيرت للمبادرة بخطة العمل العالمية للعقد الدولي للغات الشعوب الأصلية 2022-2032، التي تهدف إلى تعزيز حماية هذه اللغات، وتوسيع حضورها في مجالات التعليم والثقافة والإعلام والحياة العامة.
ومن المقرر أن تستقر المجموعة الأساسية في مكتبة «اليونسكو» في باريس، على أن تنتقل المبادرة أيضاً إلى عدد من أبرز المحافل الدولية المعنية بالنشر وكتب الأطفال.
وستُعرض المجموعة في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب عام 2026، ثم في معرض بولونيا لكتاب الطفل عام 2027، بالتوازي مع إعداد ثلاث مجموعات متنقلة تتيح تقديم الكتب إلى جمهور أوسع.
ويحمل هذا الانتقال من المكتبة إلى معارض الكتاب دلالة تتجاوز العرض الثقافي، إذ يمنح اللغات المهددة حضوراً في صناعة النشر الدولية، ويفتح المجال أمام ناشرين ومؤلفين ومترجمين ومؤسسات تعليمية لاكتشاف إنتاج ثقافي غالباً ما يبقى خارج أسواق الكتاب الكبرى.
40% من اللغات أمام خطر الاختفاء
ويحذر المجلس الدولي لكتب اليافعين من أن نحو 40% من لغات العالم قد تختفي بحلول نهاية القرن إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ولا يعني اندثار لغة اختفاء مجموعة من الكلمات والقواعد النحوية فقط. فاللغات تحمل في داخلها ذاكرة المجتمعات وأساطيرها وتاريخها الشفهي ومعارفها المتعلقة بالطبيعة والبيئة وأساليب الحياة، إضافة إلى رؤيتها الخاصة للعلاقات الإنسانية والعالم المحيط.
ولهذا تنظر المؤسسات المعنية بحماية التنوع اللغوي إلى كل لغة بوصفها مستودعاً للمعرفة والثقافة لا يمكن تعويضه بصورة كاملة بعد اختفائه.
وفي المقابل، تظهر تجارب إحياء عدد من اللغات أن التراجع ليس بالضرورة مساراً لا يمكن وقفه. فإدخال اللغة إلى المدارس، وتدريب المعلمين، وإنتاج محتوى رقمي بها، إلى جانب نشر كتب الأطفال والقصص المصورة، يمكن أن يعيد إليها مساحة من الاستخدام، شرط أن يكون أبناء المجتمع نفسه في قلب عملية الإحياء.
وبينما قد تبدو مواجهة انقراض آلاف اللغات مهمة أكبر من قدرة كتاب أو قصة، تراهن المبادرة الجديدة على نقطة بداية شديدة البساطة: أن يجد الطفل لغته أمامه مكتوبة ومطبوعة ومقروءة، وأن يكتشف أنها ليست مجرد إرث يتلقاه من الماضي، بل لغة يمكن أن يحملها معه إلى المستقبل.





