باحثون ينجحون مخبرياً في خفض فيروس HPV وبكتيريا مرتبطة بسرطانات الرأس والعنق بنسب تجاوزت 99%… والتجارب السريرية تبقى الخطوة الحاسمة
في تطوّر علمي قد يفتح باباً جديداً أمام الوقاية والعلاج المساند لبعض سرطانات الفم والحلق، طوّر باحثون في كلية طب الأسنان بجامعة بنسلفانيا الأميركية علكة حيوية مصممة لاستهداف ثلاثة ميكروبات ترتبط بسرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق، وهو أحد أبرز أنواع السرطان التي تصيب أنسجة الفم والحلق.
ولا تعني النتائج أن العلكة أصبحت علاجاً للسرطان بحد ذاتها، إذ ما زالت الأبحاث في مرحلة ما قبل التجارب السريرية المباشرة على المرضى. لكن الدراسة، المنشورة في مجلة Scientific Reports في شباط/فبراير 2026، أظهرت قدرة لافتة لمكونات العلكة على خفض مستويات فيروس الورم الحليمي البشري HPV ونوعين من البكتيريا المرتبطة بتطور المرض وسوء نتائجه.
ثلاثة أهداف ميكروبية في علكة واحدة
قاد الدراسة الباحث هنري دانييل من كلية طب الأسنان في جامعة بنسلفانيا، وركز فريقه على ثلاثة عوامل ميكروبية هي فيروس الورم الحليمي البشري، وبكتيريا Porphyromonas gingivalis أو «البورفيروموناس اللثوية»، وبكتيريا Fusobacterium nucleatum أو «المغزلية المنواة».
وتشير الأبحاث إلى وجود ارتباط بين ارتفاع مستويات هذه الميكروبات في الفم وبين سرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق، إضافة إلى ارتباط وفرتها بنتائج أسوأ لدى بعض المرضى.
ويكتسب فيروس HPV أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تُقدّر المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن نحو 60 إلى 70% من سرطانات البلعوم الفموي في الولايات المتحدة قد تكون مرتبطة بالفيروس، ولا سيما الأنواع عالية الخطورة منه.
بروتين نباتي يحاصر الفيروس
تعتمد العلكة المطوّرة على فاصولياء اللبلاب أو الفاصولياء الياقوتية (Lablab bean)، التي تحتوي على بروتين طبيعي يُعرف باسم FRIL ويتمتع بخصائص مضادة للفيروسات.
وتقوم آلية البروتين على الارتباط بجزيئات موجودة على سطح الفيروس، ما يساعد على تجميع الجسيمات الفيروسية واحتجازها، وبالتالي الحد من قدرتها على دخول الخلايا والتكاثر داخلها.
وفي الاختبارات التي أجراها الباحثون على عينات مأخوذة من مرضى مصابين بسرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق، تمكّن مستخلص العلكة المحتوي على FRIL من تجميع نحو 93% من فيروس HPV في عينات اللعاب، ونحو 80% منه في عينات غسول الفم. وشملت تحليلات الفيروس عينات من 44 مريضاً.
خفض البكتيريا بأكثر من 99%
ولم يقتصر تطوير العلكة على استهداف الفيروسات. فقد دمج الباحثون معها ببتيداً مضاداً للميكروبات يعرف باسم Protegrin-1، بهدف مواجهة البكتيريا التي ترتبط ببيئة فموية قد تساعد على تطور الأورام أو تفاقمها.
وأظهرت النتائج أن تركيبة العلكة مع Protegrin-1 أدت في الاختبارات المخبرية إلى خفض مستويات بكتيريا P. gingivalis وF. nucleatum بأكثر من 99% في عينات اللعاب وغسول الفم.
واللافت أن التأثير لم يمتد بالطريقة نفسها إلى بعض أنواع البكتيريا الطبيعية المفيدة الموجودة في الفم، ومنها أنواع من المكورات العقدية، ما يشير إلى إمكانية استهداف الميكروبات الضارة بدرجة من الانتقائية بدلاً من إحداث اضطراب واسع في الميكروبيوم الفموي.
لماذا يهتم الباحثون بالميكروبات في السرطان؟
ينطلق هذا التوجه من أدلة متزايدة تشير إلى أن البيئة الميكروبية في الفم ليست مجرد عامل ثانوي لدى مرضى السرطان.
فبعض البكتيريا يمكن أن تعزز الالتهاب المزمن وتنتج مركبات ضارة وتؤثر في مسارات خلوية مرتبطة بتكاثر الخلايا وانتشار الأورام، فيما تمثل العدوى المستمرة بأنواع عالية الخطورة من HPV عاملاً معروفاً في الإصابة بسرطانات البلعوم الفموي.
وتوضح بيانات مراكز السيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة أن فيروس HPV مسؤول عن نسبة كبيرة من سرطانات مؤخرة الحلق، بما يشمل قاعدة اللسان واللوزتين.
ليست «علكة لعلاج السرطان» بعد
ورغم النتائج اللافتة، يشدد السياق العلمي للدراسة على نقطة أساسية: الاختبارات المنشورة كانت خارج جسم المريض (Ex vivo)، أي أن الباحثين عالجوا عينات مأخوذة من المرضى بالعلكة ومكوناتها في المختبر، ولم تثبت الدراسة بعد أن مضغ العلكة لدى الإنسان يمنع السرطان أو يعالجه أو يحسن معدلات البقاء على قيد الحياة.
ولهذا يرى الباحثون أن النتائج توفر أساساً للانتقال إلى التجارب السريرية لتحديد الجرعة المناسبة ومدى السلامة والفعالية داخل الفم، ومعرفة ما إذا كان خفض مستويات هذه الميكروبات سينعكس فعلياً على الوقاية من المرض أو على نتائج علاج المرضى.
وفي حال أثبتت التجارب السريرية نجاحها، يمكن تصور استخدام العلكة مستقبلاً كوسيلة علاجية مساندة إلى جانب الجراحة أو العلاج الإشعاعي أو العلاجات الأخرى، أو كأداة وقائية تستهدف بعض العوامل الميكروبية المرتبطة بالسرطان.
الوقاية المعروفة تبقى الأساس
إلى حين استكمال التجارب، لا تشكل العلكة بديلاً عن وسائل الوقاية والعلاج المثبتة علمياً.
ويبقى التطعيم ضد فيروس HPV من أهم الأدوات الوقائية، إذ تشير مراكز السيطرة على الأمراض إلى أن اللقاح يمكن أن يمنع أكثر من 90% من السرطانات التي تسببها أنواع HPV التي يغطيها التطعيم. كما تبقى العناية بصحة الفم والأسنان، وتجنب التدخين والإفراط في استهلاك الكحول، والفحوص الطبية عند ظهور أي أعراض غير طبيعية في الفم أو الحلق، عناصر رئيسية في خفض مخاطر سرطانات الرأس والعنق.
وبذلك، لا تكمن أهمية الابتكار في تقديم «علكة سحرية» ضد السرطان، بل في طرح مفهوم علاجي مختلف: تحويل وسيلة بسيطة ومنخفضة الكلفة مثل العلكة إلى منصة موضعية لإيصال بروتينات مضادة للفيروسات والميكروبات مباشرة إلى الفم.
وإذا نجحت التجارب السريرية في تأكيد النتائج الأولية، فقد تصبح هذه التقنية جزءاً من جيل جديد من الوسائل الوقائية والعلاجات المساندة التي تستهدف البيئة الميكروبية المحيطة بالورم، إلى جانب استهداف الخلايا السرطانية نفسها.





