في مخيمات النزوح المنتشرة بقطاع غزة، باتت صلة الرحم تُقاس بالأمتار والدقائق واتساع الشادر. فالزيارة الواحدة تحتاج إلى جسد قادر على اجتياز الطرق الوعرة، وجيب يحتمل تكاليف المواصلات، وخيمة تتسع للضيف وأصحاب المكان، وتحفظ في الوقت نفسه شيئًا من الخصوصية التي تكاد تكون معدومة.
بين صفوف الخيام المتلاصقة، تبدو الحياة مكشوفة على بعضها؛ المطبخ عند المدخل، والفرش فوق الرمل، والملابس معلّقة على الحبال، فيما تعبر الأحاديث الخافتة طبقات القماش الرقيقة أسرع من أصحابها.
هنا، تبدّل معنى الزيارة الاجتماعية. فالجلسة التي كانت تمتد حول فنجان قهوة وحديث عائلي مطمئن، أصبحت قرارًا ثقيلًا يبدأ بسؤال الطريق ووسيلة النقل، ولا ينتهي عند ضيق المكان وانكشاف التفاصيل الخاصة.
مسنّة تؤجل رؤية أبنائها لأن قدميها تخذلانها قبل الوصول، وأب في الخامسة والسبعين يجمع زيارة أمه وبناته في رحلة واحدة، ونازحة تختصر حديثها لأن الجيران يسمعون ما يدور داخل خيمتها، وموظف يربط لقاء أقاربه بيوم عمله تجنبًا لخروج جديد تحت الشمس.
وبين طريق طويل ولقاء قصير، تتحول الزيارة إلى محاولة يومية للحفاظ على دفء العائلة في مكان يستنزف هذا الدفء ببطء.
خيمة بلا أسرار
عند مدخل خيمة إيمان أبو الليل، يظهر المطبخ قبل مكان استقبال الضيوف. أواني الطهي قريبة من الفرش الممدود فوق الرمل، والملابس تتدلى فوق الرؤوس، بينما لا يفصل الخيمة عن جاراتها سوى شادر خفيف يجعل كل صوت عابر جزءًا من حياة الآخرين.
تجلس إيمان مع جارتها في مساحة واحدة تؤدي وظائف متعددة؛ فهي غرفة للجلوس، ومطبخ، ومكان للنوم، ومجلس لاستقبال الزائرين. وفي هذا الحيز الضيق، تتحول كل حركة داخل الخيمة إلى تفصيل مكشوف.
تقول إيمان إن الزيارة فقدت راحتها القديمة، موضحة أن الضيف يجلس اليوم وسط تفاصيل الحياة اليومية للعائلة: الطبخ، والفراش، والملابس، وحركة الأطفال، وأصوات الجيران.
وتضيف: «كل حركة نقوم بها داخل الخيمة تكون مكشوفة، وأي حديث خاص قد ينتقل بسرعة بين الناس. لذلك صرت أختصر كلامي وأخفي الأشياء التي تضايقني. الخيام متلاصقة، ولم تعد هناك حدود واضحة بين العائلات، وحتى الزيارة فقدت جزءًا من معناها، لأن الإنسان لا يجد مكانًا يتحدث فيه بحرية».
قبل الحرب، كان منزل إيمان يمنحها القدرة على استقبال ضيوفها براحة، ويوفر لها ولهم مساحة للجلوس والحديث والفضفضة. أما اليوم، فقد صار حضور الزائر يضع تفاصيل الأسرة اليومية كلها أمامه، من دون أبواب أو غرف أو زوايا يمكن اللجوء إليها.
هذا الانكشاف المستمر لم يقلص استقبالها للضيوف فحسب، بل حدّ أيضًا من زياراتها لأهلها. فالمسافة بعيدة، والمواصلات مرهقة، والطرق وعرة، فيما لا تتسع خيمة عائلتها للجميع.
تقول والحنين يملأ صوتها: «نفسي أرى أمي وشقيقاتي، وأجلس وأنام عندهن مثل الماضي، لكن لا يوجد مكان يتسع لنا جميعًا».
وهكذا، تتحول الزيارة من عادة اجتماعية دافئة إلى سلسلة من الأسئلة العملية والمحرجة: أين سيجلس الضيف؟ من سيسمع الحديث؟ كيف يمكن الوصول؟ وكم يستطيع الجسد أن يتحمل من الطريق والانتظار والضيق؟
رحلة واحدة.. وتعب يستمر أسابيع
لم يستطع عبد القادر أبو عودة، البالغ من العمر 75 عامًا، مقاومة شوقه إلى أمه وبناته الخمس المقيمات بين خان يونس ودير البلح، فقرر قطع الطريق نحو جنوب القطاع لزيارتهن.
بدأت رحلته بساعات من المشي حتى وصل إلى نقطة نقل عامة، ثم صعد إلى عربة رباعية العجلات تجر مقطورة ضيقة، تتوزع داخلها مقاعد حديدية قاسية، وتحيط بها شوادر مهترئة. جلس الركاب بأجساد متلاصقة، يحمل كل منهم موعدًا أو حاجة أو زيارة مؤجلة.
وعلى شارع الرشيد، الذي يصل شمال القطاع بجنوبه، توقفت المركبة بعدما انفصل أحد عجلاتها. اضطر السائق إلى التحرك بها بصعوبة مسافة تقارب 25 مترًا للوصول إلى ورشة، بينما تمدد الانتظار فوق تعب الركاب.
في تلك اللحظة، اختُزلت معاناة التنقل في غزة في مشهد واحد: ركاب عالقون، وعجلة معطوبة، وطريق طويل، ووسيلة نقل بدائية تفرض شروطها على الجميع.
وصل أبو عودة إلى منزل أمه ليلًا وهو في حال من الإنهاك. وخلال اليومين التاليين، زار بناته الخمس، واختار المبيت في الجنوب حتى يجمع أشواقه كلها في خروج واحد.
لم تعد الزيارة هنا تسير وفق إيقاعها العائلي المعتاد، بل أصبحت خطة مضغوطة تُرتب فيها الوجوه وفق قدرة الجسد على الحركة، وتُختصر الجلسات خشية طريق العودة.
يقول أبو عودة إن أثر الرحلة يبقى في جسده أسابيع، وإن آلامه تشتد بعد كل زيارة وقد تستمر قرابة شهر. لذلك قرر أن يجعل الهاتف وسيلته اليومية للاطمئنان إلى أمه وبناته إلى أن تتحسن ظروف الطريق.
ويردد بصوت متعب: «الله يفرج الحال».
تكشف تجربته كيف ضغط الواقع زمن اللقاء، وحوّل صلة الرحم إلى محاولة شاقة لحفظ تماسك العائلة وسط المسافات الطويلة ووسائل النقل المرهقة. فالزيارة الاجتماعية في غزة اليوم تحمل شوقًا كبيرًا، لكنها تحتاج أيضًا إلى قدرة جسدية وصبر طويل وترتيب قد يفوق طاقة كبار السن.
الشوق حاضر.. والزيارة مؤجلة
منذ أشهر، لم تتمكن راضية أبو عودة من زيارة أبنائها وأحفادها. ظل الشوق حاضرًا في صوتها، لكن آلام القدمين والظهر، وتعقيد المواصلات، وضيق الحال، جعلت الزيارة أثقل من قدرة جسدها وجيبها.
حتى زواج ابن أخيها مرّ من دون حضورها، بعدما اضطرت إلى الاعتذار لعجزها عن احتمال الطريق.
تمشي راضية بوهن، ممسكة بيد زوجها ومستندة إليه. تخطو ببطء، كأن كل خطوة تحتاج إلى قرار منفصل. ولم تغادر خيمتها هذه المرة للقاء أبنائها، بل للذهاب إلى المستشفى طلبًا للعلاج.
تقول: «ذهبت إلى المستشفى للعلاج، لكن تعبي ازداد في الذهاب والعودة».
انتظرت قرابة ساعة بحثًا عن وسيلة نقل، ثم اضطرت إلى المشي نحو ساعة ونصف. وفي رحلة العودة، تكررت المعاناة ذاتها: انتظار طويل، ومركبات محدودة، وجسد يعود أكثر إنهاكًا مما خرج.
كشفت لها رحلة العلاج حجم المتطلبات التي تحتاجها زيارة عائلية واحدة: صحة، ومال، ووسيلة نقل، ووقت طويل، وقدرة على تحمل طريق يسبق اللقاء ويبتلع جزءًا من معناه.
تقول راضية: «نحن كبار السن في غزة نملك الشوق، لكن أقدامنا لم تعد تساعدنا. أبناؤنا وأحفادنا قريبون من القلب والذاكرة، لكن الطريق صار بعيدًا ومتعبًا. الزيارة التي كانت أمرًا طبيعيًا أصبحت تحتاج إلى حساب ألم الجسد وطول المسافة».
بالنسبة إليها، لم يُلغَ اللقاء، لكنه بقي معلقًا إلى أجل غير معلوم؛ رغبة حاضرة في القلب، مؤجلة على الأرض.
الزيارات على هامش يوم العمل
يحمل ماهر عوض، وهو أكاديمي في الجامعة الإسلامية، حقيبته فوق كتفه ويسير تحت أشعة الشمس بين خيام النزوح والمباني المتضررة. لم يعد الطريق بالنسبة إليه مجرد مسافة تفصل مكان إقامته المؤقتة عن عمله، بل أصبح عبئًا ثابتًا يعيد تشكيل يومه المهني والاجتماعي معًا.
يضغط عوض مواعيده ومحاضراته ومهامه في أيام محددة، ويحاول إنجاز أكبر قدر ممكن منها في خروج واحد؛ لأن الوصول إلى العمل يتطلب رحلة تبدأ قبل موعد الدوام بزمن طويل، وتشمل المشي فوق الطرق الترابية، والانتظار تحت الحر، وتبديل أكثر من وسيلة نقل.
يقف أحيانًا على جانب الطريق منتظرًا مركبة تقله، في مشهد يلخص معنى الوظيفة في غزة اليوم: وقت مهدور، وجهد جسدي يسبق المهمة المهنية، وعمل يصبح الوصول إليه إنجازًا قائمًا بذاته.
هذا الإرهاق انعكس مباشرة على حياته الاجتماعية. فقد أصبح يربط لقاءاته العائلية وزيارات أصدقائه بأيام العمل، بدل تخصيص يوم مستقل لها.
يقول عوض، وهو في طريقه للقاء صديق أجّل زيارته أسابيع: «أحاول زيارة عائلتي أو أصدقائي خلال طريق الذهاب إلى العمل أو العودة منه، لأن تخصيص يوم مستقل للزيارة أصبح عبئًا إضافيًا».
بهذا المعنى، لم تعد الزيارة موعدًا قائمًا بذاته، بل مهمة جانبية تُدمج في يوم العمل، وتُنجز على عجل قبل أن يبدأ طريق العودة.
عائلات تقاوم المسافة
في المخيمات، لا تختفي الرغبة في التواصل، لكنها تغير شكلها. مكالمة هاتفية تحل محل زيارة تعذر الوصول إليها، ولقاء خاطف يعوض جلسة طويلة، ورحلة واحدة تُجمع فيها أشواق شهور متراكمة.
لقد جمعت الخيام أجساد النازحين في مساحات متقاربة، لكنها ضيقت في الوقت نفسه قدرتهم على اللقاء براحة. وأصبحت المسافة، حتى حين تكون قصيرة جغرافيًا، طويلة بفعل الركام والطرق المدمرة وندرة المركبات وارتفاع كلفة التنقل.
أما داخل الخيمة، فيواجه الزائر والمضيف ضيق المكان وانعدام الخصوصية، فيجلسان وسط تفاصيل الحياة اليومية التي لم تعد تجد ما يسترها.
ومع ذلك، يواصل الغزيون البحث عن طرق لإبقاء صلة الرحم حية؛ يتبادلون المكالمات حين يطول الطريق، ويختصرون الحديث حين تضيق الخيمة، ويضغطون الزيارات في يوم واحد حين لا يحتمل الجسد تكرار الرحلة.
في غزة، لم يعد السؤال متعلقًا بموعد الزيارة وحده، بل بإمكان حدوثها أصلًا. ومع كل طريق يُقطع وخيمة تستقبل ضيفًا رغم ضيقها، تحاول العائلات الدفاع عن حقها في اللقاء، وعن دفء اجتماعي يهدده النزوح، لكن الشوق لا يزال يمنحه أسباب البقاء.





